رأي

الفرنسية هل هي غنيمة حرب أم دوار كولونيالي؟

عبد العالي زغيــــــــــــــــــــــــلط

الطيب بلعيز الذي عين وزيرا للداخلية في سبتمبر 2013 هو رجل له حس الدولة، عمل قاضيا لمدة خمس وعشرين سنة، ترأس بصفة خاصة محكمة وهران، ثم محكمة سيدي بلعباس، وعين أخيرا مستشارا في المحكمة العليا.وفي 2003 شغل منصب وزير العدل…هذا التلمساني ذو الستين سنة عارف بالقانون، ومع ذلك فعندما تعلق الأمر بتمدرس أبناءه لم يتردد وبكل سرور في الانفتاح على مبادئ الوطنية الجزائرية.وتذكر مصالح السفارة الفرنسية إلحاح السيد بلعيز في أن ينال عندها مكانا. إنه سلعة نادرة ،وعليه يجب أن نعرف جيدا أنه ليس الوحيد،ذلك أن التسجيل في ثانوية “ألكسندر دوماس” في الأبيار هو تقليد وطني.تعليم بمستوى عال للنخب الحاكمة. لا تملك الجزائر إلا ثانوية فرنسية وحيدة قادرة على استقبال 1600 تلميذ، وغالبيتهم من أطفال المهاجرين [إلى الجزائر] في مقابل تهيئة المغرب لـ42 مؤسسة فرنسية مفتوحة لــ38000 تلميذ، ويعد قانون 16 جانفي 1991 المعدل في 21 ديسمبر 1996 واضحا.
اللغة العربية في الجزائر هي اللغة الرسمية ،وبقية اللغات الأخرى ممنوعة في الإدارة.وممنوعة بخاصة في التعليم والتربية والتكوين ويتم التعليم في كل القطاعات وفي كل الدورات وفي كل التخصصات باللغة العربية.
لم يتغير الخطاب السياسي منذ الاستقلال؛ فاللغة العربية هي لغة الشعب الجزائري والفرنسية هي لغة المحتل،والاستلاب والغزو الثقافي.
لقد كان التعريب إذن نظاما متبعا من قبل النظام منذ تثبيته من[من الاستقلال]،وأثناء زيارة هولاند [الرئيس الفرنسي] للجزائر في عام 2012 اتفق البلدان على إنشاء مدرستين جديدتين في كل من عنابة ووهران لتخفيف الاكتضاض عن حوالي 28000 من المهاجرين الأجانب الذين يعيشون في الجزائر.
نقلا عن مصادر دبلوماسية فإن فرنسا تدرك أن هذا المشروع ضعيف، ففي سبتمبر من عام 2006 تحدث “عبد العزيز بوتفليقة” بشكل عدواني غير معقول بعدما يقرب من خمسين سنة من الاستقلال:” لقد قامت الكولونيالية بمذابح لهويتنا وتاريخنا ولغتنا وتقاليدنا متهما- على شاشة التلفزيون الوطني- أننا لا نعرف إن كنا أمازيغا (بربر) أم عربا أم أوروبيين أو فرنسيين “وهذا الاستغراب كان بمثابة إجابة عن القانون الفرنسي لعام 2005 والذي يعترف فيه بالأمة وإسهامها بفضل المهاجرين الفرنسيين وسحب المادة التي تشير إلى المظاهر الايجابية للاستعمار (قانون تمجيد الاستعمار).
لم يكن رهان التعريب سوى إعادة بناء مرحلة ما بعد الكولونيالية، إنه أيضا رهان السياسة الداخلية ، أو حرب العصب الجزائرية.
لقد انتهز المعربون الـمُــحْتَـقرون والـمُهَمَّشون من قبل النخبة الحاكمة، انتهزوا فرصة الوصول إلى السلطة في جهاز الدولة بعدم تركها.
لا يتقن الجزائريون العربية التي هي لغة الإسلام، ومع ذلك فهم يتعلمونها لقراءة القرآن ،فــ”هذا التعريب المفروض بالقوة هو أصل المتاعب الحالية للجزائر، مثلما يبين أحد أساتذة جامعة تلمسان، فليس لدينا أساتذة مكونين لقد أرسلت ألينا مصر أشباه معلمين للعربية، وبالفعل كان أغلبهم من الإخوان المسلمين الجهلة الذين أرادت [السلطة في مصر] التخلص منهم.”كان الضرر أكبر في المجالين العلمي والتقني، فقد كان الأساتذة في هذه المواد من الفرنكفونين وكانوا غير معتادين على الصراع، مثلما يتابع القول هذا الأستاذ، ولقد تدنى المستوى لأن من خلفهم كانوا ردئين.
لقد كانت كل محاولة إلى العودة إلى الفرنسية ممنوعة شكليا من قبل رئيس الحكومة السابق “عبد العزيز بلخادم” والذي كان يعتبرها [أي العودة إلى الفرنسية] بمثابة ارتداد.
يتذكر عبد الله .ب ــــــــــ وهو أستاذ سابق للغة الفرنسية بالبويرة ـــــــ كيف أنه رأى مجيء مصري في سنوات الثمانينات لأجل تدريس الأخلاق الإسلامية حيث أدركنا بعد أربع سنوات ــــــ يقول ساخرا ـــــــ أن الأمر يتعلق بمعلم قبطي (مسيحي)، الأمر طريف ولكنه علامة على أن الجزائر لم تكن لها الوسائل لمعرفة الذين تستقبلهم على أرضها.”
ترك عبد الله .ب الجزائر عام 1995 “عملت ،إذن، في ضواحي العاصمة الجزائر، ـــــ مثلما يروي ــــــ وكنا يومها في الفترة المظلمة من الحرب الأهلية. لقد جاء الإسلاميون لرؤيتي وأمري بالتوقف عن تدريس اللغة الفرنسية ، فقلت لهم بأنني لا أتقن عملا آخر، وأنكم إذا رغبتم في توقفي فعليكم أن توفروا لي معاشا وسألزم بيتي، وبعد بضعة أسابيع علقوا اسمي على باب المدرسة وقد حكموا علي بالإعدام،ففرت بجلدي”
من الطريف أن السفارة الأمريكية أخذت على محمل الجد ظاهرة رفض الفرنسية في الجزائر،حيث تؤكد العديد من البرقيات أن مصلحة الأمريكيين من هذه الظاهرة سيفتح آفاقا جيدة في تعلم الانجليزية.
اهتم الدبلوماسيون الأمريكيون بمشاركة “عبد العزيز بوتفليقة” في 15 أكتوبر 2008كـــ”مدعو خاص” لمؤتمر المنظمة العالمية للفرنكفونية (
OIF). وغداة المؤتمر كتبوا تقريرا مطولا خصص لتعليم اللغات في الجزائر، والملاحظ أن الأجيال الجديدة تعرف ثلاث لغات ؛العربية والفرنسية والانجليزية ،ولكنها لا تتقن أيا من هذه اللغات الثلاثة بشكل كامل.
قدم رجال الأعمال [الجزائريون] على هامش مائدة إفطار نظمت بإقامة السفير شهادتهم ،وبينوا أن سياسة التعريب القسرية أنتجت «جيلا ضائعا» غير قادر على أن يكون له مستوى في لغة.
أكد المدير الفرعي لشركة نورثروب غرامان على أنه يتوجب إعادة تسجيل المهندسين والمحاسبين في أوروبا حتى يكون لهم مستوى ملائما في اللغة الفرنسية.
أكد أحد مدراء مجموعة (
BTP ETRHB)** أن أغلب الشباب الجزائري غير قادرين على التواصل إلا فيما بينهم،وهو ما يجعلهم عرضة للايدولوجيا المتطرفة. النخبة الجزائرية فقط هي القادرة على السماح لإرسال أبنائها إلى المدارس الجيدة في فرنسا وكندا.
ألهمت هذه الملاحظة أستاذا جامعيا في العاصمة كان محبطا من مستوى طلبته” غير معقول أنتم جهلة وبثلاث لغات” فالانجليزية التي لا توسم بثقل الماضي الكولونيالي تشهد هي الأخرى على استحالة الطريق الثالث.
ومع ذلك فإن المجتمع الجزائري يقاوم “فكل يوم ألاحظ بأسى وغضب تراجع الفرنسية في الجزائر ـــــ مثلما يرثي الكاتب بوعلام صنصال ـــ وابتهج كل يوم أرى فيه الكثير من الشباب وخاصة الفتيات يعبرون بشكل جيد بهذه اللغة، مع أنهم نتاج المدرسة الجزائرية المسماة المدرسة الأساسية المنكوبة بسياسة التعريب والأسلمة والجزأرة، والموجهة بقسوة من قبل الحكومة منذ بداية 1980 ،ويعد الإنتاج الأدبي، هنا، دليلا ، سيما وأنه كتب بالفرنسية، وكتب أكثر فأكثر من قبل نساء ورجال تخرجوا من المدرسة الأساسية”
تعد الجزائر بعد اثنين وخمسين سنة من الحرب البلد الفرنكفوني الثالث في العالم بعد فرنسا وجمهورية الكونغو الديمقراطي،حيث يتحدث واحد من ثلاثة جزائريين الفرنسية ويكتبها، وهذا يؤكد أن بلدا تعداد سكانه 39 مليونا يتفوق على كل من البلجيك أو الكيبك[في تعداد الناطقين بالفرنسية].ويبدو أن الكاتب والمسرحي الجزائري “كاتب ياسين” كان محقا؛ فاللغة الفرنسية “غنيمة حرب” وقد قام الشعب الجزائري باستثمارها حيث تقدمت الفرنسية بالفعل.
ثمة مفارقة تاريخية غير مفهومة بشكل كبير ،إذ وطيلة الفترة الكولونيالية الطويلة تم استبعاد الأهالي (الأنديجان) من التعليم النظامي، ولم يكن في سنة 1920 سوى 84 طفلا و7 بنات من أصل ألف (1000) متمدرس. والجدير بالذكر أن الأعداد تزايدت في 1962 حيث التحق بالمدرسة 40% من الأطفال الذكور، و22% من الإناث.
بول سيبلوت (
Paul Siblot) الأستاذ المرموق في علوم اللغة بجامعة مونتوبللي الثالثة (Montpellier 3) يُشهد والده شارل الذي كان يعمل معلما بالجزائر في هذه الفترة ” كان والدي مسيحيا متدينا ،وانخرط في الحزب الشيوعي الجزائري لأنه كان يتألم من الطريقة التي يُعامل بها تلامذته،فعندما اجتاحت المجاعة منطقة تنس في عام 1938 مات من تلاميذه الكثيرون، وفي مقابل العديد من نداءات الاستغاثة التي وجهها للسلطات العمومية، أرسلت إليه هذه الأخيرة كمية من الجير لأجل دفنهم.وبعد بضع سنوات عندما كان معلما بالمتيجة طلب من رئيس البلدية مسترجعات من الكراريس والأقلام لمدرسة الأهالي،غير أن رئيس البلدية رفض الطلب وأعتبر أن الطباشير يكفي لهؤلاء.وكتب إلى المدير …وبعد فترة وجيزة تم تحويل رئيس البلدية إلى مكان آخر” 
كانت أولوية الجمهورية الجزائرية غداة الاستقلال هي الدفع بالأعداد الكبيرة إلى المدرسة، حيث ساهم حوالي 60000 متعاون تقني فرنسي في عملية التأطير، خاصة المعلمين، وذلك في الفترة الممتدة ما بين 1965/1970 ، غير أنهم عادوا إلى بلادهم إثر بوادر التوتر التي ظهرت بين البلدين حول مسألة المحروقات.
بقيت الفرنسية ــــــــــ لفترة طويلة ـــــــــ لغة التعليم العالي مفروضة كلغة للاقتصاد والانفتاح على العالم.ولقد تجذرت اللغة الفرنسية في الجزائر بفضل البث الفضائي، والجالية في الضفة الأخرى من المتوسط، وبفضل التعاون الثنائي، وذلك على الرغم من المراسيم [التي تصدرها] السلطة.
صارت لغة المعتدي هي لغة التمرد وحرية التعبير، “لغة فولتير” مثلما يقال لها في الجزائر هي إرث سابق على الفترة الكولونيالية ؛فالجرائد الفرنكفونية حوالي ثلاثين يومية وأسبوعية، والجرائد الرياضية [باللغة الفرنسية] هي الأكثر مقرؤية ، لقد كان “هدف التعريب هو منع الجزائر من أن تدخلها أفكار حديثة ستقود الشعب ذات يوم إلى معارضة السلطة، لقد همش التعريب قطاعا واسعا من الشعب ،البربر، وخاصة القبائل، ودفع بهم إلى المنفى”يتابع بوعلام صنصال القول.على الرغم من استفتاء الجزائريين حول الفرنسية فغن الحكومة الجزائرية تصر على خطها السياسي.
الأجيال الجديدة حرة في تفكيرها، وهي تسير في إتجاه معاكس؛فهي لا تعرف الخطاب الإيديولوجي الوطني الذي تغذى عليه آباؤهم، والذي لا ينتسبون إليه. لقد لاحظت [الأجيال الجديدة]أن الفرنسية موجودة في الجزائر وأنهم يتبنونها عندما يجدون فيها مصلحتهم، وذلك بحرية أكبر؛ لأنه ليس مطلوبا منهم استخدامها بطريقة أكاديمية.وهذه [الأجيال]لا تهتم بكونها لغة المستعمر (الذي لا تعرف عنه شيئا)، فالفرنسية بالنسبة لها كالإنجليزية بالنسبة لآخرين وسيلة اتصال” يضيف الكاتب. 
وهكذا فمع حوالي 13 مليون من الفرنكفونيين فإن الجزائر تفضل البقاء خارج المنظمة العالمية للفرنكوفونية التي تضم -مع ذلك- ثمانين عضوا ،والتي يحضر الرئيس “بوتفليقة” إلى قممها بانتظام،ولكنه يتظاهر في الذهاب إليها كأن الأمر قد تم بالصدفة.
ستربح المنظمة نفوذا بدخول الجزائر إليها، والعكس صحيح،غير أن الدولة الجزائرية تفضل تحاشي هذه الأداة،إذ ترفض الجزائر إجراءات الانضمام التي تتطلب من الدولة المرشحة أن تتقدم بطلب للحصول على العضوية،بينما يعود قرار القبول إلى مجلس الأعضاء الذي يضم في صفوفه إسرائيل.وتأمل الحكومة الجزائرية أن يقبل طلب الجزائر دون مناقشة ولا تصويت.
كيف يُبرر هذا الرفض؟ باسم الماضي الكولونيالي؟ كل الفصام الجزائري يكمن في هذين السؤالين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق