مجتمع منوعات

الفرق بين القرية والمدينة والبلد في القرآن الكريم

رحمــة ربيعــي

ـــــــ

تنوعت مناحي القرآن الكريم بألفاظه وآياته ومعانيه، حيث بات بؤرة للإبداع والإعجاز، فاستقطب الإهتمامات لاستخلاص أكبر قدر ممكن من المعاني و الٱلفاظ والتعابير الأدبية، حيث سلط عليه مجموعة من العلماء والمتأملين الضوء لتحليل معاني كلماته و ألفاظه، ودراستها دراسة دقيقة تمكن من الوصول لتعبير مدهش بالغ الروعة والتناسق.

ومثال ذلك إيراد مفردات مختلفة المعنى في سياق واحد، تبدو ظاهرا مترادفات لمعنى واحد، ولكن الإعجاز القرآني يحمل في طياته العديد من المعاني والعبارات، كقوله عز وجل في آي سورة الكهف المتعاقبة، “فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا …”، وفي التي تليها قال : ” وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ …”. فلماذا وضف المدينة بدل القرية؟، وهل المدينة هي القرية ؟

لحكومات البلدان مسميات تطلقها على التجمعات السكانية، وذلك حسب عدد السكان فيها فإذا كان معدودًا تدعى قرية وإذا كان معتبرا فهي مدينة، لكن للقرآن الكريم أسلوب آخر في إطلاق المسميات على التجمعات السكانية.

إذا كان المجتمع في القرآن الكريم كله أقارب فهو بلد، فقد قال سورة البلد، وقال في القحطانيين ” بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ…”، وكانت مكة كلها بطون قريش سماها البلد.

وإذا اتفق المجتمع على فكرة واحدة أو مهنة واحدة سماها القرية، فقال في آل لوط لما اتفقوا على الفاحشة ” وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ الْخَبَائِثَ “، وقال في الكهف لما طردوا الضيوف “فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا … “، ولذلك لم يرد في.القرآن أن قيل “دمرنا مدينة” بل يدمر القرية التي تشترك في الفكرة أو المهنة الواحدة، ولا يدمر حتى يعم الكفر كل المجتمع لذا قيل قرية.

أما فيما يتعلق بالمدينة فالأمر يختلف تمام الإختلاف، فإذا كان عموم الفكر يسمى قرية، فإن شذوذ الفكر ولو بواحد فقط يسمى مدينة، ولا يطلق مسمى المدينة إلا إذا كان المجتمع ينقسم لخير وشر، ويحتوي على عداوة وإختلاف، و كأبسط مثال، فإن يثرب كانت بمثابة الحي بالنسبة لمكة، لكن قيل في القرآن ليثرب مدينة و مكة قرية، لأن أهل مكة إجتمعوا على الكفر، وأهل يثرب منهم اليهود، و المنافقين والمسلمين، قال الله تعالى ” وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ ۖ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ۖ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ …”، وقال “يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ..”، و قال “وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَٰذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ ۖ … “،

وإعجاز القرآن في الكهف، لما سمى القرية قرية حين اتفق أهلها على البخل، لما أضاف الرجل والولدين الصالحين صارت مدينة، لأن فيها شذوذ عن الشر إلى الخير، ولأنها تحتوي كتلتين متناقضتين، فلن يهلك الله مدينة لأن فيها خيرا، ويهلك القرية الكافرة لأنها اتفقت على الكفر.

إن القرآن الكريم واسع المعاني مبحرا شاملا، لذا قال الله فيه ” فإذا قرأناه فاتبع قرآنه”، ومعناه الشمولية والإحتواء لجميع متراميات اللغة والعلوم.