رأي

العرقية سيف بيد المثقف لا يقطع به إلا رأسه

 علاء الدين حسو 

 

راقب العجوز ما ستفعله الفتاة…

دنت الفتاة من حديقة منزله، ووضعت الكتب أمام بيته ثم غادرت بصمت. وبعد قليل، جاء شخص آخر يحمل كتبًا من كتب العجوز،  وضعها على أرض الحديقة وانصرف. وبدأ الناس يتوافدون إلى بيت العجوز،  ويضعون كتبه التي ألفها ثم ينصرفون دون أن ينطقون ببنت شفة أو يقومون بأي فعل والعجوز واقفٌ يراقب ما يجري أمام بيته، حتى تكدست كتبه و باتت جبلًا تسد عليه الهواء.

 

إنه الروائي النرويجي كنوت هامسون. الذي كتب أشهر رواية عن الجوع، وأفضل من كتب عن المهمشين، وندد بالحياة المادية،  وجشعها،  ويُقال إنه استطاع أن يجمع ميزات ديستويفسكي وبروست وبلزاك. و هو الحاصل على  جائزة نوبل للأدب في عام 1920.

 

هذا الداهية القادم من أسرة فلاحية فقيرة، المكتفي بالتعليم المتوسط، عاش طفولة قاسية، جعلنا نتعاطف مع بطل روايته ” الجوع”، حين صور لنا شخصية كاتب بلا اسم،  يسد جوع بطنه حين تُنشر له مقالةً يكتبها على أرصفة الأزقة وتحت مصباح الشارع، أو في غرف مهجورة  أو أمكنة معزولة على ضوء القمر، منددًا بالحالة المادية والجشع المادي،  متعاطفًا مع الفقراء والمهمشين الذين يشبعون بطونهم بالنظر إلى قطع اللحم المعروضة، أو يتغاضون عن الخيانة الجسدية لقاء حفنة من المال.

 

هذا الكاتب المبدع وقف مع الانسانية، وصور لنا بطله في رواية “الجوع” على أنه صاحب عزة وكرامة،  رفض السرقة أو المغريات من أجل سد جوعه،  وهو مبدع رواية (فكتوريا) التي تناقش قصة حب بين ارستقراطية وابن طحان مثقف، هو من صور لنا الحب كما قال في الرواية ”  الحب حمم بركانية تسيل في الأحشاء، تتفتح كالأقحوان في الليل وتنغلق مع أول لمس كشقائق النعمان.” هذا الكاتب الإنساني، حين سطع نجم هتلر أيد النازية، وبارك احتلال الفوهرر لبلده. فكتب مقالة في عام 1940 – وهو في الثمانين من عمره ! تخيل-  تحت عنوان الألمان يقاتلون من أجلنا، وبدأ يتبنى الرأي النازي والفكر القومي الألماني  ويدافع عنه.

 

بعد انتهاء الحرب، اعتبرته النرويج خائنًا،  لكنها لم تعدمه، ولم تحرق كتبه، بل تجاهلته، ورمت كتبه في وجهه، وكانت هذه أقسى عقوبة ينالها، حيث لا يوجد عقوبة أصعب من تجاهل  الكاتب. وهكذا كانت نهايته نادمًا متحسرًا، ولم يشفع له تبريره حين كتب كتابًا  في آخر عمره وهو في المصح  تحت عنوان ” على الدروب حيث ينبت العشب.”

 

في المقابل،  كان معاصره ابن اقليم الباسك،  الفيلسوف والروائي  ميغيل دي اونامونو،  يمجدّ الفاشية ويدافع عن القومية العرقية،  ووقف مع الطاغية الاسباني فرانكو – الذي اعاده لمنصب رئاسة جامعة سلامنكا التي كان رئيسًا لها و طرده الاشتراكيون وقتها –  إلا أن انسانيته أنقذته في آخر حياته.

 

لقد انتقد سياسة الطغاة ، ووقف في وجه الجنرال ميلان – أحد أشد رجال الديكتاتور فرنسيسكو فرانكو الذي حكم بالدم أربعين عامًا – والذي وصف إقليم الباسك وكاتالونيا بالخلايا السرطانية و ضرورة القضاء عليها، وكان ميلان أعورَ فقال له ميغيل، اسبانيا من دونهما عوراء مثله. وكاد يعدمه لولا اهتمام زوجة فرانكو التي كانت معجبة به وحاضرة ذلك  الاجتماع . ومات بعد ذلك بفترة وجيزة وتطوع أولاده مع الجبهة الشعبية.

الى اليوم ، لا يتوقف الجدل حول هذين الرجلين، بين مؤيد ومعارض، ولكن حين يتم النظر إليهما من وجهة نظر إنسانية يكون  الفارق جليًّا ، فالاول قد قتل انسانيته بينما الثاني أطلقها.

 

علاء الدين حسو :

كاتب واعلامي، يكتب الرواية والقصة والمسرح، له كتابان في الترجمة من التركية إلى العربية، ويقدم برامج اذاعية سياسية وثقافية ، يشغل حاليا منصب مدير اذاعة فجر التي تبث بالغة العربية  من تركيا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق