أحوال عربية

العراق … فصل السلطات أم تقاسمها ؟

عباس عبود سالم

الضجة الاعلامية المثارة ضد رئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي ليست بالامر الجديد فقد سبق ان اثيرت ضجة اسفرت عن اقالة الدكتور محمود المشهداني وابداله بالدكتور اياد السامرائي لرئاسة مجلس النواب.
و الامر لم يكن ناتج عن خلافات شخصية او سياسية بقدر ما يكشف عن خلل بنيوي في العملية السياسية والنظام السياسي القائم على تعدد الرئاسات وازدواجية السلطات لا الفصل بينها.
فتركيبة العملية السياسية لدينا تقوم على ثنائية السلطة التنفيذية رئيس جمهورية – رئيس وزراء و اتساع حدود عمل الرئاسات للسلطتين القضائية والنيابية.
مع اغفال ما تتميز به الدول البرلمانية من حدود فاصلة بين السلطات وفق مبدا (فصل السلطات) وان تاثير البرلمان عادة يكون بوجوده كمجلس تمثيلي نيابي لا بشخص رئيسه الذي يختلف عن رئيس الوزراء، كوّن سلطة رئيس البرلمان ادارية وسلطة رئيس الوزراء سيادية.
ولو اخذنا النظام البريطاني والتركي قبل التغييرات الاردوغانية والباكستاني، نجد ان سر نجاح النظام البريطاني في التزام السطات بحدود واجباتها، ومن النادر ان تتدخل الملكة بالشؤون العامة، او تحاول التاثير في الشارع او ممارسة اي دور يفهم منه الدخول في المعترك السياسي، وكذلك على طول التاريخ الانكليزي الحديث منذ ونستون تشرشل وطوني ايدن ومارجريت تاتشر وجون ميجر وتوني بلير لغاية بوريس جونسون لم نلمس ثنائية في السلطة رغم تعدد مؤسساتها، مجلس لوردات مجلس نواب مجلس عموم محكمة عليا، لم يتزاحم الرجال على الظهور والتصريح والاختلاف بخصوص الملفات السياسية حتى حكومة الظل التي تشكلها المعارضة في انكلترا لاوجود اعلامي لها ولا جيوش الكترونية توظفها للتسقيط ولا تتغنى بتبليط شارع في لندن او افتتاح نافورة في مانشستر بقدر وجودها الحقيقي الذي يتمكن من قياسه عقل الناخب البريطاني.
في حين يختلف الامر قليلا في التجربة التركية قبل المرحلة الاردوغانية حيث الصراع الحزبي الذي عادة ما يتم تصفيره بانقلاب عسكري كل عقد ليقوم الجيش بتاديب الساسة قبل ان ينتهي الامر باصلاحات دستورية اردوغانية حولت النظام الى اشبه بالنظم الرئاسية.
اما ما يحصل في الباكستان فهو اكثر قربا لما يحصل في العراق من حيث انقلاب مفهوم فصل السلطات الى ثنائية او ثلاثية السلطة وهو الذي يجعل من اسم رئيس البرلمان وقضاة المحكمة مادة دسمة لنشرات الاخبار وبالتالي فوضى وعدم استقرار.
ومايحصل في العراق يكاد يكون اشبه بالسلطة الجماعية او القيادة الجماعية التي تم ابتكارها للحيلولة دون بروز ديكتاتورية جديدة ، والواقع انها اوجدت ثنائية او ثلاثية او رباعية للسلطة يعتمد توزيع القوة والنفوذ فيها على المساحة السياسية للشركاء.
ففي فترة حكم السيد المالكي وخلال رئاسة السيد اسامة النجيفي للبرلمان كان البرلمان اشبه بالسلطة المواجهة او المصد لرئيس الوزراء، وفِي ظل مرض الرئيس طالباني تولدت ثنائية السلطة (النجيفي -المالكي) واخذ النجيفي يصدر نفسه للعامة باسم (الرئيس النجيفي) وبنفس الوقت تعترض اطراف سياسية مقربة منه على توصيف رئيس الوزراء وفضلوا توصيف اخر هو (رئيس مجلس الوزراء) والغاية (رئيس مجلس وزراء) مقابل (رئيس مجلس النواب).
وهذا يعني اختزال النواب في شخص رئيس المجلس الذي اصبح وفق العرف السياسي العراقي يمثل المكون السني اي انه لايتحدث كونه رئيس للمجلس النيابي بقدر كونه ممثلا للطائفة السنية في محاكاة لرئيس المجلس النيابي اللبناني نبيه بري الذي ظل لسنوات ممثلا للطائفة الشيعية في ثلاثية السلطة اللبنانية التي اثبت فشلها الذريع ومن وسط هذه الفوضى طرح المالكي مشروع الاغلبية السياسية للخروج من المازق لكن المشروع اطيح به في مهده.
في النظم السياسية البرلمانية يكون البرلمان اعلى سلطة نعم لكنه يمثل السلطة التشريعية اي( رقابة وتشريع قوانين) وقوة البرلمان تكمن في انه يمثل جميع ابباء الشعب كون النواب دخلوا البرلمان عبر اصوات الجماهير، لكن ان تختزل سلطة البرلمان بشخص او اكثر فهذا تجاوز على روح النظام البرلماني قبل ان يكون اهانة للناخبين وللشعب، فهو يترك للنواب رفع ايديهم و خفظها ويستحوذ الرئيس على الخلطة السحرية للسلطة التي يتقاسمها مع باقي الرئاسات.
وبالتالي تضخم آفة ثلاثية السلطة التي كانت حقبة عبد المهدي افضل نموذج لها، فقد ترسخ مصطلح الرئاسات على انه الاشخاص الثلاثة الذين يقودون العراق.
وفِي الفترات الاخيرة قبيل سقوط حكومة عبد المهدي انظم لهم شخص رابع هو رئيس السلطة القضائية فتحولت الى رباعية كان رئيس الوزراء خلال الشهور الست الاخيرة قبل تشكيل حكومة الكاظمي هو الحلقة الاضعف في هذه الرباعية اي في منظومة السلطة.
ان الامر الواقع السياسي في العراق ليس الا وصفة للخراب والفشل، فغياب فصل واضح للسلطات، وابعاد النواب عن دورهم ودفعهم الى ستوديوهات البرامج التلفزيونية بعيدا عن قبة البرلمان وتهميش دور الشارع او توظيفه باتجاهات مدروسة وتضليل الجماهير سيسهم في تحول النظام البرلماني الى نظام متعدد الرئاسات وهي حقيقة لابد من مواجهتها بالرجوع الى جوهر الديموقراطية التي تقوم على حكم الاكثرية مع ضمان حقوق الاقليات لا على تجزئة السلطة واضعاف الجانب التنفيذي فيها وعلينا الاستفادة من تجاربنا وتجارب الدول الاخرى لغرض تصحيح المسار والا فالهاوية بانتظارنا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق