أحوال عربية

العراق تلغيز الوضع عفوي ام مخطط ؟

صلاح المختار

وصلني قبل اشهر تعليق يبدو ظاهريا ظريفا لكن الوضع الذي يصوره اكثر بكثير من الظرافة، فهو يخفي الغاما خطرة تتفجر واحدا اثر الاخر بتوقيتات معدة بدقة،فيتشكل في النهاية خراب لاحدود له في الفرد والمجتمع والدولة ،واول الالغام هو انه ينطوي على معان كثيرة متناقضة ونتائج مدمرة ولكن تدريجيا ،فعندما تلقيته قبل شهور كان رد فعلي الابتسامة سخرية من الوضع العربي، وكان ذلك مرغوبا من قبل من صنع التناقضات الحالية،لكنني حينما تلقيته مرة اخرى قبل بضعة ايام فكرت اكثر بمغزاه فكان رد فعلي مختلفا تماما فقد انتبهت للغز الكامن فيه ولم انتبه للايحاء السابق وهو السخرية ، وهذا طبيعي ومستهدف من قبل من وضعه في حالة تناقض متعمد مع الهدف السابق وهو الابتسام والسخرية، واكيد ان غيري عندما قرأه واجه نفس الانطباعات المتناقضة ، فما هي الحكاية اصلا؟ دعونا اولا نقرأ التعليق :

(حاول ان تفهم بالعربي وليس باي لغة أخرى : حسني يسجن مرسي،ومرسي يسجن حسني ،ومرسي يعين السيسي،والسيسي يسجن مرسي ،والسيسي يفرج عن حسني ،فهمت شَـي ؟ طيب حاول تفهم دي !إيران مع بشار الاسد وبشار ضد الاخوان ،إيران مع حماس ،حماس مع الاخوان ،والإخوان ضد ايران ،دول الخليج ضد ايران ،وضد الأخوان دول الخليج مع السيسي ،والسيسي مع بشار ،دول الخليج ضد بشار ،دول الخليج مع تركيا،تركيا ضد بشار وضد السيسي ،تركيا مع الاخوان ،دول الخليج مع امريكا ،امريكا ضد الإخوان ،والإخوان مع حماس ،حماس ضد امريكا ،امريكا ضد روسيا،روسيا مع السيسي،والسيسي مع بشار،امريكا ضد بشار،وامريكا مع السعودية،والسعودية ضد قطر،وقطر مع امريكا،وايران ضد امريكا،والعراق مع ايران،وايران مع قطر ،فهمت شَـي ؟! القذافي كان صادق يوم قال :من أنتم — ومن نحن بالضبط ❗)

الاطار العام للتعليق صحيح ومن كتب التعليق قد لا يكون له دور سوى تصوير ما يحدث، ولكن الواقع المصور بكل تناقضاته غير المفهومة ليس تحولات طبيعية بل هو ثمرة عمل مخطط ومدروس، فاللغز هو في الواقع تلغيز متعمد وليس لغزا صنعته الاحداث العفوية ، فمن قام بالتلغيز ولماذا ؟

1-بعض من يعيش الالغاز الحالية ويعجز عن فهمها او حلها يعتزل الحياة ويستسلم لما يجري نتيجة العجز عن الفهم وهذا هدف مطلوب خلقه بهذاالتلغيز .

2-ومن لاينسحب من الانغماس في العمل ضمن هذه الاحداث الملغزة يصبح عرضة لغياب اليقين في تفسير الذي يجري فتكون النتيجة الطبيعية هي فقدان البوصلة وهو هدف مطلوب ايضا .

3-وعندما تفقد البوصلة تجد نفسك وسط حالة تجرك الى تعطيل المنطق وصولا احيانا لتعطيل الضمير! فمادام كل شيء غير مفهوم ولا يقيني فان الحياة والوجود كله غير يقيني بقيمه وقوانينه ومعتقداته واخلاقه، فيترتب على ذلك تحول الانسان الى الة وظيفتها تسجيل ردود الافعال فقط دون فعل او مبادرة ، وهذا هدف مطلوب ايضا .

4-وبتأثير النقاط الثلاثة المذكورة يتفتت الناس وتتشرذم الاحزاب والكتل الضخمة ويتحول المجتمع الى جزر منعزلة صغيرة، حتى لو كان عدد الشعب عشرات الملايين ،لايفهم بعضها البعض الاخر ، فتنحل الرابطة الوطنية وتضمحل الهوية القومية وتفتح كافة الابواب لدخول كافة المفاهيم المعادية لملء الفراغات، وهي مفاهيم وممارسات غريبة ومخربة معدة سلفا ونجد نماذجها في المجتمعات الغربية، وهكذا تخلق مشكلة اخرى لم تكن موجودة وهي تصادم القيم والقناعات بصورة عدائية وجذرية وهو هدف مطلوب.

5-في مرحلة متقدمة من التلغيز بصبح الانسان فردا عاريا وحده حتى وهو وسط اهله واصدقاءه لانه جرد من تربيته وقناعاته التقليدية وزرعت فيه التناقضات الحادة بما في ذلك التناقضات القيمية والاخلاقية،فيصبج الانسان انانيا ومزرعة لاي بذرة تحط فيه وينغمس في هموم مزرعته الغنية بالفايروسات التي تقلص مساحة راحته وتغرقه في الام لاتطاق تلغي محيطه البشري وتجعله لايشعر الا بالغربة التامة وهذا هدف مطلوب .

6-كل ما تقدم يوفر البيئة الافضل للسيطرة على اي شعب تنجح فيه عملية تلغيز ما يحدث ، فيستعمر بقوة نزع اللحمة الاجتماعية وتهديم القيم الاخلاقية وانهاء التأثيرات الوطنية بصفتها هوية الانسان، وبتشويه المفاهيم والروادع الدينية بصفتها عاصمه من الانحراف وبلا جيوش احتلال ،فتصدر الفتاوى من داعش وخامنئي ونغولهما المتخفين تحت عمامة اسلامية مع ان من توضع فوق رأسه قد يكون جاسوس صهيوني او امريكي او بريطاني ،وتروج ممارسات عجيبة تتناقض مع جوهر الدين كقطع الرؤوس بلا رحمة وتحكم الاميين بالناس باسم الدين وتكفير الملايين والتبرك بخراء واماكن بول اشخاص او لعق احذيتهم ورفع مستوى افراد ماتوا منذ قرون فوق مستوى الانبياء وتأليههم…الخ،فيصبح لدينا جزء كبير من الشعب متشرذما وكل فرد منه عبارة جزيرة منعزلة ليس اكثر، ورغم انه شعب بعد بالملايين الا انه يتحول الى كم فقط يمكن جمعه في قلعة واحدة اسمها الخضوع واللامبالاة ، فهل يوجد استحمار ، وهو اخطر من الاستعمار ، افضل وارخص من هذا ؟

يبقى السؤال الاهم : من يلغز الاوضاع؟انه من لديه اهداف استعمارية وخطط غزو، فالغرب الاستعماري والصهيونية هما من دشن عهد الاستعمار لكنهما اضافا اسرائيل الشرقية اليهما بصفتها خزان الاحقاد المتطرفة على العرب والاطماع الجيوبولتيكية في اراضيهم ومواردهم والتي تكونت وترسخت قبل نشوء امريكا والصهيونية والاستعمار الاوربي، ومن يلغز عمدا هو هذه الاطراف الثلاثة، وما استخدام الانترنيت كوسيلة لتغيير محركات الانسان جذريا الا ستراتيجية غربية صهيونية لتحقيق هدف استعباد الانسان ،وهو ما نرى نتائجه الان فالانسان في عصر الانترنيت ورغم انه اصبح يعرف اكثر من ابيه وجده الا انه فقد الارادة الحرة وصار نصف روبوت يتلقى وعيه ومحركاته الاخلاقية والعامة من الانترنيت، وهو في طريقه ليصبح روبوتا كاملا .

وتختلف اساليب اسرائيل الشرقية في تلغيز الاحداث فتنشر الخرافات العجيبة وتتعمد اعادة الامية ونبش قبور الماضي واحياء امواتها، ويصبح الواجب الاهم هو اللطم واعادة تمثيل احداث مضى عليها اكثر من 1400 عام وبروز الاستعداد للقتل والانتقام وابادة الاف الناس سنويا من اجل من قتلوا قبل اكثر من 1400 عام! وهو سلوك لايترك الا الكوارث والثأرات المتكررة فاليوم هناك جلاد وغدا سيصبح ضحية الانتقام حتما، وهكذا تتواصل وبلا توقف الا كهدنة كوارث الانتقامات الدورية وبلا نهاية فتتقلص مساحات الامل وينتهي الانسان تدريجيا ويسود الحيوان المشوه التكوين والذي لايعرف الا اكل ضحاياه وهم احياء .

هل تحتاج الغاز الحاضر للمزيد من التفسير؟ فقط نؤكد على ان كلمة السر التي تفتح كافة امكانيات استحمار الانسان هي جعله مضطربا وغير واثق من شيء فيصبج مستسلما لما يحيط به بعد ان فقد الحصانة والتي يوفرها يقين الايمان بقضية عامة وهذا اليقين هو نبع القدرة على الوعي الصحيح.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق