رأي

الشر والظلم منظومة واحدة من العار تفكيكها فئويا وجهويا !

 

قال تعالى:”وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ” .

احمد الحاج

ﻻ أحب وﻻ أثق كثيرا بالتقارير والتصريحات التي تعمل على تفكيك منظومة الشر والظلم خلال التعاطي معهما فإن كان الشر أو الظلم ” كرديا ” على سبيل المثال أذاعت به وإن كان “عربيا ” صمتت ” والعكس صحيح ، اذا كان” شيعيا ” طارت به وإن كان ” سنيا ” خرست ، والعكس صحيح ، الشر هو الشر ، والظلم هو الظلم وعليك أن تتعامل مع جميع ملفاتهما كمنظومة واحدة وﻻتحاول تفكيكهما فئويا وجهويا وتفصيلهما على مقاس – المؤسسة ورئاسة التحرير – فملة الشر والكفر والطغيان واحدة وتناول الموبقات واﻵثام إنما تكون لذاتها لغرض مكافحتها وليس لعناوين شخوصها بغية التشهير بهذه الجهة أو تلك لإضعافها وإدخالها في حسابات الحقل والبيدر ضمن حرب المناصب والتحالفات السياسية والعصبيات القومية والقبلية المستعرة في العراق حاليا !
فإذا كنت محللا ومراقبا سياسيا أو صحفيا فحارب الشر كله ، وأرفع من شأن الخير كله جملة وتفصيلا ولا تكن ممن قال فيهم الشاعر قديما :
إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا .. مني وما سمعوا من صالح دفنوا
صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به .. وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا
الشر لايُجزأ وﻻيفكك وكل تعامل مع أي من ملفاته فئويا ومناطقيا وكيفيا سيعطي إنطباعا بأن المجعجع بمحاربته ليس من أعداء الشر بل من أنصاره وأعوانه جزئيا أو كليا !
قديما قالوا إن”الحانات مقامات”ففيما كان اﻷثرياء يرتادون حاناتهم اﻷنيقة ويحتسون مشروباتهم باهظة الثمن ، كان الكادحون يرتادون حانات – حقيرة – ويعاقرون أحط المشروبات ومنها ” عرق ابو كلبجة ” الذي سمي بهذا الإسم لكونه شديد الإسكار ما يفقد الشخص توازنه ويدفعه للعبث المفضي الى السجن – يعني الكلبجة – تماما كالمخدرات التي أبتلينا بها بعد الغزو الغاشم 2003، دخول الثري الى الحانات خمس نجوم كان يتعامل معه على أنه إتيكيت ورومانسية ومدنية و” أووو لالا ” ، فيما دخول الكادحين الى الحانات الرخيصة كان بنظر المجتمع إنحطاطا وسوقية يطلق على مرتاديها لقب ” العركجية ” بينما جلسات الصنف اﻷول كانت تسمى ” جلسة عمل مسائية لوجهاء القوم في اﻷندية الترفيهية والنقابات الاجتماعية ، الصالونات اﻷدبية والمنتديات الثقافية ” واﻻ قلي مالفرق شرعا وعرفا بين سُكرين سواء أكان في نادي الصيد والعلوية أم كان في ساحة التحرير وكورنيش الاعظمية ؟
القتل وسفك الدماء المحرمة ، إزهاق اﻷرواح البريئة والمقابر الجماعية كلها جرائم بشعة إستشرت في العراق كله بما يستدعي مكافحتها والقضاء عليها برمتها والتحذير من آفاتها القاتلة جملة واحدة وﻻيكون ذلك بتَخير المقابر الجماعية الصدامية وتسليط اﻷضواء عليها فحسب مقابل إغفال عشرات المقابر الجماعية المماثلة التي حدثت أيام الطائفية وفي المناطق التي تشهد نزاعات وتوترات عرقية ومذهبية واجتياحات ارهابية طيلة الفترة الماضية فهذا تحيز خبيث يراد منه تكريس الشر ﻻ إجتثاثه واقعا !
إنتقاد ظواهر التعذيب وإنتهاكات حقوق الإنسان في المعتقلات والسجون ومراكز الإحتجاز يجب أن لا تقتصر على حقبة سياسية معينة من دون أخرى بل ﻻبد من تناول الظاهرة المقيتة ككل – أي ظاهرة التعذيب – في كل اﻷنظمة التي تناوبت على حكم العراق وكلهم قد تورط بها بشكل أو بآخر من دون إستثناء للحد منها والقضاء عليها ونهائيا !
الاستعانة بالمستعمرين ” أميركا ، بريطانيا ، فرنسا ، روسيا ” وبقية الشلة اﻷمبريالية لإزاحة صنم حاكم يجب أن لاتكون -حلالس – في العراق تحت يافطة التغيير أو التحرير أو إرساء الديمقراطية ، – حرامس – في ليبيا ، اليمن ، سورية ،كونها إحتلالا غاشما ، فكلها إستعمار بغيض وبمثابة سبة سيدونها التأريخ ليصم المتورطين بها مهما كانت ذرائعهم وعناوينهم بالعار والشنار كما وصم ” ابن العلقمي” منذ سقوط بغداد على يد هولاكو سنة 656هـ والى يومنا ، الدول الاستعمارية لا تُجيش جيوشها وتسير أساطيلها لإنقاذ الشعوب المسحوقة على يد فراعنتها الذين نصبتهم على رقابها سلفا وسكتت عن جرائمهم عقودا ، إنها تفعل ذلك فقط عند تغير موازين القوى وإحتراق أوراق عملائها بعد – تخليلهم كالطرشي- لإحتلال البلدان المقهورة والمحكومة بالحديد والنار بهدف سرقة ثرواتها ونهب خيراتها بذريعة تخليص الشعوب من طغاتها وتحت شعار ” جئنا محررين لافاتحين ” !
ملفات التهجير والإختفاء القسري والإختطاف والمداهمات والإعتقالات العشوائية يجب أن لايتعامل معها مناطقيا وفئويا وطائفيا ، إن كانت في حقبة زمنية ما ، أو رقعة جغرافية ما – فبها ونعمت – أما إن كانت في أزمنة وأمكنة أخرى فهي إنتهاكات صارخة لحقوق الإنسان يجب مناهضتها وفضحها بكل الوسائل ، ﻷن ذلك التحيز المفضوح من شأنه أن يضع المتصدين لتلكم الملفات موضع الريبة والشبهة وبالتالي فإن صيحاتهم في هذا المجال ستكون مفرغة من محتواها ، وﻻرجع صدى لها ما يجعلهم ينفخون في قرب مثقوبة ﻷن اﻷصل في ذلك هو مناهضة التهجير والإختطاف والإعتقال العشوائي في كل اﻷزمنة واﻷمكنة ﻷنها ظلم بواح حرَّمتهُ الشرائع السماوية كلها وﻻمجال لتخير مظالم من دون أخرى ﻷهداف سياسية وفئوية فهذا هو الظلم بعينه !
هذه النظرة العنصرية البغيضة أحادية الجانب التي أبتلي العراق بها لفتح ملف وإغلاق آخر بناء على العصبيات تجدها جلية في عقول وأمكنة اﻷبالسة ويفترض أن ﻻتجد لها مثيلا في أمكنة الخير فالكل هناك يجب ان يكونوا سواسية داخل المساجد كأسنان المشط لافرق بين ابيض وﻻ اسود ، احمر وﻻ اصفر ، عربي واعجمي اﻻ بالتقوى ، يصلون صفوفا مرصوصة تجمع غنيهم وفقيرهم ، أميهم وعالمهم خلف إمام واحد يقر بأنه ليس بأفضلهم ..وبناء عليه فلم ولن تسمع بعبارة ” المساجد والمصليات مقامات ” ولعل في نفرة الحجيج وطوافهم وسعيهم وإحرامهم اﻷبيض خير شاهد على دور الاسلام العظيم في تذويب الفوارق الطبقية ونشر الخير العميم بخلاف الشر الذي يعمل على ترسيخها بين بني البشر ومحاربة بعضها عند الحاجة لتبرير جرائم الثأر والانتقام والاستعباد بما يناسب كل حقبة على حدة ليعلي أقواما ويهوي بآخرين وفقا لمصالحه !
اليوم وعندما أقرأ وأتابع ملف القمار والمخدرات في العراق وأكتشف أن العراق أصبح مصنعا للكرستال ، زارعا للخشخاش ، ممرا للهيرويين والامفيتامين والترياق ، وأن معظم حالات الانتحار من أعلى الفنادق التي تضم الصالات إنما هي جرائم قتل يرمى خلالها الضحايا بعد إفلاسهم وخصامهم مع مسؤولي الصالات وجلهم من المافيات الروسية واليونانية واللبنانية والقبرصية والتركية من الطوابق العليا ، وأن هناك من يبيع عرضه مقابل تسديد ديونه ، وأن هذه القاعات ليس بوسع حتى مدراء الفنادق وعناصر اﻷمن السياحي دخولها ، وأن هناك محامين في القاعات مهمتهم مساومة الضحية على بيته ، بستانه ، مزرعته ،عقاره لتسجيل عقود البيع فورا في حال لم يتمكن من التسديد ، وأن القاعات مرتبطة بجهات نافذة جدا لحمايتها ، وأن قاعة للروليت أفتتحت بعد يومين فقط من القبض على – حمزة الشمري – في ساحة اﻷندلس وسط بغداد ، وأن هناك أبوابا خلفية يتسلل من خلالها اللاعبون حتى عند غلق واجهة الفندق أمام الناس ، وأن بعض الصالات تكون فوق مطاعم عائلية معروفة ، ﻻ أمتلك اﻻ ان أنبهر بديننا العظيم الذي حرَّم وشدَّد وغلظَّ عقوبات هذه الموبقات والكبائر وﻻ أملك اﻻ أن اصلي على المبعوث رحمة للعالمين  صلى الله عليه وسلم الذي ما أمرنا بشيء اﻻ وفيه مصلحتنا وما نهانا عن شيء اﻻ وفيه دمارنا وحقا إن صريح المعقول ﻻبد أن يوافق صحيح المنقول ، وهاهو الشر يتعاظم شأنه في العراق بسرعة مطردة والمطلوب هو المزيد من الهمة والاصلاح يا أهل الخير والصلاح من جميع المكونات قبل فوات اﻵوان ! اودعناكم اغاتي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق