ثقافة

الشرق والغرب لا ينفصلان…! …. قصة

نبيل عودة

منيرة ورائدة صديقتان منذ أيام الثانوية. ربط بينهما رابط صداقة إنسانية أشبه بتلاحم جبلين لا يمكن الفصل بينهما. طالبتان تتمتعان بجمال خاص. منيرة سمراء لها سحر الشرق، رائدة شقراء لها سحر الغرب. الأهل يتندّرون ان الشرق والغرب لا يلتقيان ولا يتفاهمان الا بمنيرة ورائدة. مرورهما في الشارع من البيت الى المدرسة صباحاً او من المدرسة الى البيت بعد انتهاء الدوام، يكاد يصيب الشارع بجلطة دموية توقف حركته، حتى عجائز البلد لا يتذكرون روحين بمثل هذا السحر الصارخ للسماء تمشيان على الأرض.

فجعت البلد بنبأ وفاتهما في يوم واحد.

قال شيخ البلد: سبحان الله على حكمته، جعلهما صديقتين في الحياة وفي الممات!!

واضاف:حكمة الله لا تناقش ولا اعتراض عليها الا من فاقدٍ للإيمان!

هذه تفاصيل ما بقي في الذاكرة من سيرة الصديقتين… منيرة السمراء ورائدة الشقراء.

******

منيرة ورائدة تجلسان متلاصقتين داخل الصف، حتى مدير المدرسة لم ينجح في الفصل بينهما لتخيف الثرثرة أثناء الدروس، فكان الانتصار الأول للصديقتين.

طيلة أيام العطل والصديقتان معاً. إذا نظّم أهل منيرة مشواراً ما، لا ترافقهم ابنتهم الا بضمان مرافقة رائدة لهم، العكس صحيح ايضا وهذا هو الانتصار الثاني.

هذه العلاقة وطّدت الصداقة بين العائلتين لدرجة التخطيط لمشاويرهما بشكل مشترك وهذا النصر الثالث. على الأغلب لا تتناول الواحدة طعامها الا برفقة صديقتها، كثيرا ما كان تناول الغذاء في بيت واحدة والعشاء في بيت الأخرى وهذا النصر الرابع والحاسم، لا ضرورة لانتصارات أخرى، لأن طلباتهما باتت تنفَّذ على أكمل وجه.

انهما “توأمان لم يلدهما رحمٌ واحد”. كما كان يقول الأهل بسعادة لهذه الصداقة القوية التي أبعدت البنات، كما يظن الأهل، عن الاستجابة لمعاكسات الصبيان والرجال المسحورين بجمال الشرق وجمال الغرب لدرجة الحلم بجمع الشرق والغرب في سرير واحد.

الصديقتان تحدثتا بجرأة وعلى مسمع من الأهل عن معاكسات المسحورين بجمالهما، وكيف جعلتا من بعض الجريئين مضحكة أمام الناس.

هذا طمأن الأهل ان سيرة البنات “عال العال”. الواحدة منهما تحرس الأخرى.

الوشوشة بينهما لا تنتهي بعودة كل صديقة لبيتها، فما ان يحطا ركابهما في منزليهما الا والتلفون يُحجز لساعات من اجل استمرار المداولات التي لا تنتهي لدرجة اثارت غضب الأهل لإشغال التلفون وقطع الاتصالات مع العالم الخارجي التي قد تكون هامة، من اجل ثرثرة بنات لا هم ولا غم يشغلهما كما يشغل الكبار من واجبات ومسؤوليات. ان تحرير التلفون من ثرثرتهما يحتاج الى خطة استراتيجية محكمة.

ترددت منيرة عندما تقدم أحد الشباب الناجحين لخطبتها. فكرت ان ترفض، لكنه فتى أحلام عشرات البنات اللواتي كان يسحرهم بمظهره وسيارته الفارهة وبيته الذي هو أشبه بقصور الأمراء. صديقتها رائدة ألحّتْ عليها ألا ترفضه، لأنه “شاب رائع” كما قالت وأضافت:” لا يتوفر صيدٌ مثله كل يوم”. عندما اختلت منيرة به صارحته بأنها متردّدة لأنها لا ترغب ان تصبح زوجة وتتخلّى عن صاحبتها. طمأنها ان رائدة ستظل أفضل صديقة لهما والبيت مفتوح لها على الرحب والسعة، وانه واعٍ لعمق العلاقة بين الصديقتين، “فهذا ليس سراً في بلدتنا الصغيرة”.

منيرة اقتنعت بما قال وتزوجت وسعدت بزواجها وزوجها.

يبدو أن زواج الأولى، او “الفصل بين الجبلين” كما لاحظ الأهل، فتح الباب على مصراعيه أمام رائدة، فها هم العرسان المتنافسون على الزواج من الشقراء المغرية يتدفقون يوما إثر يوم، بخاطبات وغير خاطبات من رجال دين ورؤساء بلديات وزعماء سياسيين وشخصيات اجتماعية وعلمية هامة، من أجل إقناعها بقبول العريس ابن فلان وحفيد فلان المنتمي بقرابة لذلك الزعيم، او تلك الشخصية وهذا كان يشعرها بالاشمئزاز. لم يكن الحديث عن العريس الا بصفته ابن فلان وقريب فلان وامه بنت فلان، و”خاله ابو ضراط كان فارس الفرسان” كما كانت تعلق رائدة ساخرة ومصرة على رفض كل من تقدم عبر احدى الخاطبات او الشخصيات وتضيف “لن أتزوج من سرّ مجهول، انا لست لحمة في ملحمة جزار، لماذا حضرة العريس لا يظهر أمامي ويخاطبني مباشرة بشخصه وليس بنسبه وأهله؟ هل يظنوني مجرد شقراء غبية تنتظر بغلاً (تلفظ الكلمة قصدا بنقطة على العين) تربطه بجانب سريرها لاستعمالها الليلي؟”

كانت تشعر بالمهانة من “التقاليد البالية التي تعتبرها حلْيةً لتزيين غرفة النوم” كما تقول بغضب مندفع. لولا منيرة التي حضنتها ولم تتركها وحيدة في ساعات الشدة تلك، لطردت جميع الخطاب والخاطبات قبل ان يفتح أحد فمه بكلمة ولو كان رسولاً لدين جديد.

“لكننا عرب ولا نطرد الضيف”، كان يصر والدها برجاء ظاهر ويضيف مكسوراً أمام إصرارها: “نستقبلهم باحترام ونصرفهم باحترام”.

كانت تقول لمنيرة وهي ترتجف ضيقاً وغضباً:

– هل يعتبروني بضاعة للبيع باوكزيون الزواج لمن يزيد في النسب؟ لن اتزوج بهذه الطريقة من نكره اسمه ابن فلان وحفيد فلان!!

في الواقع كانت رائدة تقارن من تراه من الخطاب بزوج صديقتها ومكانته، لا تجد بينهم من يناسبها لتكون في نفس مقام منيرة وبمستوى اجتماعي ملائم لصديقتها وزوج صديقتها، هذا أشعلها بنيران الغضب بما بدا لها تقليلاً من قيمتها بأن يتجرأ من لا يسوى شيئاً ان يطلب يدها، لأنها “بنت أمّورة وجميلة وسيرتها حسنة”. كان ينقص ان يضاف بأنها “وجبة ليلية شهية للرجال”.

لكن لكل إشكالية حلاً. فها هو زوج صديقتها يسألها إذا كانت معنية بمقابلة زميل له في العمل، شاب جامعي مجتهد يتوقع ان يكون له مستقبل ناجح. رآها في حفلة عرسه هو ومنيرة، ذاب بسحرها وجمالها ولكنه خجول بطبعه، عندما سمع ان العرسان يتدفقون لطلب يدها تشجّع ليلحق حاله “قبل ان تطير الشقراء من يده” كما علّق بابتسامة زوج منيرة، وكلف هو، زوج منيرة بدور المبادر و”إيّاك ان تسمّيني خاطبة” أضاف ضاحكاً وقال: “ها انا أجسّ نبضك، ما قولك؟ الشاب لا يطلب يدك، لن يرسل اهله او الخاطبات ويريد ان تتعارفا أولاً بدون أي التزام، طبعا كل شيء مفتوح، إما ان تواصلا او يذهب كل واحد في طريقه”.

هذا العرض لقي استحسانها.

صمتت رائدة وراحت تفكر. سألت زوج صديقتها: “هل تنصحني به؟”

أجاب: “لو كانت لي أختٌ لوجدته أنسب الشبان. التقيه قد لا يعجبك، وقد لا تعجبيه رغم جمالك ورجاحة عقلك.”

ابتسمت وقبلت ان تلتقي به.

كان اللقاء أكثر إثارةً مما توقعت. أعجبها بأناقته، هدوئه، رجاحة منطقه، أسلوب حديثه، تعليقاته الحرّاقة على العادات البالية وكأنه يقرأ أفكارها ومعرفته الواسعة او الموسوعية كما أيقنت من أول جلسة معه في بيت صديقتها. شعرت انها تجلس مع إنسان حضاري، يسحره جمالها بالتأكيد، لكنه يبحث عن الزوجة المناسبة أيضا.

كان يتحدث بلا تكلّف. ببساطة وهدوء وبلا عنتريات. تحدث عن نفسه وخططه المستقبلية بمنطق ووضوح ولم يبن لها قصوراً في الجنة، بل طرح أمامها تحدّيات نابعة من التفكير بمستقبلهما المشترك. شدّتها ابتسامته التي تعطي لوجهه بشاشة وراحة لا يملّ الانسان من النظر الى وجهه. الأهم انها شعرت براحة نفسية وهي تبادله الحديث وكانت متحمّسة لكي تلقاه مرة أخرى.

– صيد ثمين كما أشعر؟

علق زوج منيرة ضاحكاً. لم يوضح مَن الصيد ومَن الصائد، لكنها قبلت تعليقه بابتسامة وراحة نفسية لم تشعر بها منذ بدأ الخُطّاب يُخرجونها عن هدوء أعصابها.

تزوجت رائدة، لكنها ثكلت زوجها بعد سنوات قليلة بحادث طرق أليم. صُدمت ورفضت كل عروض الزواج الجديدة التي وصفتها بأنها أشبه بوصفة طبية لمرض اسمه “الترمّل”، هي لا تراه مرضاً ولا تنتظر شفقة رجال رغبتهم بمضاجعتها وليس ببناء حياة مشتركة معها.

كانت رائدة تزداد أناقة وجمالاً، بملابسها التي صارت أكثر احتشاماً من أيام المدرسة والشباب المبكر. لأول مرّة تنتبه منيرة ان الملابس الأنيقة الرسمية الى حد ما، لا تقهر الجمال، بل تجعله أكثر بريقاً.

منيرة احتارت كيف تصمد صديقتها بجمالها الذي “يلوي الرقاب” في كل محضر وموقع، بلا زوج يمتّع لياليها ويدفئ قلبها وهي تلك المرأة التي تشعّ جمالاً وإغراء لا يصمد أمامه الرجال؟

هل حقاً لا علاقة بين المرئي والمخفي؟ بين الجمال البراق ورغبات النفس المخفية؟

– لا أجد الرجل المناسب.

كانت ترد باقتضاب على من يسألها ولا تضيف، بل تبتسم مثل الموناليزا ابتسامة ساحرة تقول أشياء كثيرة ولا تقول شيئاً بنفس الوقت، مما يزيدها جاذبية أنثوية.

توثّقت العلاقات أكثر بين الصديقتين بعد وفاة زوج رائدة، لدرجة ان رائدة لم تكن تتردّد في قضاء بعض الليالي في بيت صديقتها. لم يكن زوج منيرة يعترض، بل يقوم على خدمتهما ويحدثهما بآخر الطرف، يمازحهما بلطافته المعهودة، بل ولا يتردّد ان يسبق زوجته للنوم مبكرا إذا كان على سفر او برنامج عمل او بسبب إرهاق العمل والمسؤوليات ويترك الصديقتين تثرثران حتى يرهقهما السهر.

الإشاعات بدأت تتردّد مستهجنة من هذه العلاقة. لكن السمعة الطيبة لمنيرة وزوجها وخاصة مكانته الاجتماعية وأمواله التي تشتري البلد كلها إذا شاء، كانت كفيلة بإبعاد التعليقات والشبهات تماماً.

صدمت البلد إثر حادث مأساوي غريب.

توفيت الصديقتان في نفس اليوم بشكل غير متوقع وهما في قمة جمالهما. كانتا في قمة توهجهما الأنثوي. يبدو ان الشرق والغرب لا يفترقان حتى في المصائب ومصيبة طرف هي مصيبة الطرف الآخر.

في استراحة السماء حيث يجري الفرز بين أهل الجنة وأهل النار وقعت المفاجأة الكبرى. التقت الصديقتان على غير موعد:

– رائدة.. ماذا تفعلين هنا؟

– متُّ متجمدةً يا صديقتي، وانت يا منيرة، ماذا حدث لك؟

– متُّ بنوبة قلبية.

– وتركتِ زوجك وحيداً؟

– انها مشيئة الله.

– كيف أُصبتِ بالنوبة القلبية؟

– آه يا صاحبتي، انت تعرفين زوجي ورغبته المجنونة بالنساء، كنت أشك بان له علاقات مع غيري، صحيح اني صارحتك بشكوكي ولكنك قلت ان شكوكي غير واقعية وقلت: “انه زوج مخلص وحضاري، انظري كيف يعاملك كملكة، ويعاملني كصديقتك مثل أميرة وليس مجرد ضيفة عندك؟” مع ذلك يا صديقتي رائدة للمرأة مجسات حسية لا تخطئ، كنت أشمّ رائحة المرأة الثانية في ملابسه، في أنفاسه، كان يعترف انه مسحور بجنس النساء، لكنه منذ تزوجني لم يرغب بامرأة أخرى غيري، كان شيئاً يلحّ عليّ انه كاذب. عندما ننصهر لا يناديني باسمي. هل يخاف ان يغلط ويناديني باسم المرأة التي أحسّها بيني وبينه حتى ونحن في قمة لذتنا؟

كنت أحدثك لتساعديني ولكنك شككت بظنوني ووصفت شكوكي بانها أوهام.

استأجرتُ مراقباً، تلقّيت منه يوم نوبتي القلبية تلفوناً، يخبرني بأن عشيقة زوجي دخلت البيت وانه شاهدهما من نافذة البيت يتعانقان يتعريان ويدخلان غرفة النوم. ولكنة لا يستطع ان يؤكد قطعاً ما يجري في غرفة النوم، كما قال. فأثار غضبي لغبائه.

عدت الى المنزل مثل المجنونة لأضبطه في لحظة خيانته.

كان الباب مغلقاً. قرعت بقوةK بعد دقائق خِلتُها دهراً فتح الباب وهو بمنتهى أناقته وملابسه ويمسك جريدته اليومية في يده. فوجئ لظهوري، لكنه كعادته أراد ان يستقبلني بقبلة، دفعته وصرخت بوجهه:

– اين المرأة التي كنت تعاشرها؟

التفت إليّ متظاهراً بالبراءة:

– هل جُننتِK وهل لدي وقت لهذه المغامرات؟

صحت به:

– المراقب شاهدكما تتعرّيان وتدخلان غرفة النوم، بالتأكيد ليس للصلاة؟

ضحك وهو ينكر أي استعداد لخيانتي:

– هل أعد لك كوبَ شاي لتهدأ أعصابُك وشكوكك؟ يبدو ان مراقبك يحب الأفلام العربية والتمثيليات التركية.

كنت أصرخ:

– قل لي اين خبأتها؟

– سأبحث عنها في جيوبي.

قال ضاحكاً وساخراً وبدأ يقلّب جيوب بنطاله ويفرغها.

– هل رأيت؟ لا شيء. ربما هنا في جيب القميص؟ هل من امرأة تملك سحرك لأخونك معها؟

كنت واثقة انه كذاب. دفعته عني وركضت كالمجنونة داخل المنزل. بدأت أبحث في كل شبر من المنزل. وراء الأبواب، تحت الأسرة في الغرف، داخل الخزائن في الحمامات، في الساحات الخلفية، في الطبقة الثانية، في العلية، نبشت الأسرة لعلها مختبئة تحت الأغطية، أعدت التفتيش وركضت للطبقة الثانية صعوداً على الدرج. نزلت ركضاً، خرجت للساحة، أعدت الكرّة مرّات ومرّات وأنا ألهث بصعوبة من الإرهاق والغضب لأني على علم انها مختبئة في منزلي ولم تخرج كما أكد بقوة المراقب الذي استأجرته ولكني لا أنجح في إيجادها. كنت أبحث وانا على يقين ان عشيقته مختبئة في مكان ما. المراقب أكد انها لم تخرج بعد ان اتصلت به للمرة العاشرة، قال انه شاهدني أدخل وانه هو ما زال خارج المنزل وانه التقط صوراً لها للتأكيد على أقواله وسيعدّ لي نسخاً منها. ويؤكد بشكل قاطع ان عشيقة زوجي لم تخرج من المنزل. اذن أين اختبأت؟ عدت أجري من مكان الى مكان والتوتر يضغط على أنفاسي. ركضت صعوداً للطبقة الثانية، مرة أخرى للغرف والخزائن والأسرة، تحتها وفوقها، عدت أجري نزولاً للطبقة الأولى. كنت أزداد قهراً وغضباً وتوتراً وزوجي جالس وكأن الأمر لا يعنيه، يقرأ صحيفته مما أشعرني أني قنبلة موقوتة ستنفجر وتنسف البيت وبما فيه. فجأة لا اعرف ما جرى لي، شعرت بوجع هائل في صدري، فارتميت فوق الأرض، لا اعرف ما جرى بعد ذلك، لكن قيل لي وانا أعبّئ أوراقي الثبوتية قبل الدخول لهذه الاستراحة، اني متُّ جرّاء نوبة قلبية وها انا هنا معك. رغم انك أفضل رفيقة ويسعدني وجودك معي دائماً، لكني لا أتمنى لك الموت المبكر مثلي.

وانت يا صديقتي كيف تجمدت والدنيا صيف وفارقت الحياة؟

– آه يا منيرة يا صاحبتي، لو انك بحثت داخل ثلاجة التجميد لكنت اليوم أداعب زوجك بدل ان يظل وحيداً!!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق