رأي

السلطة الرابعة بين حـقيقـة المهـنة و واقع النـظام

الصحافة هي السلطة الـرابعة، أو كما يطلق عليـها مهنة المـتاعب.. منذ عاهد البشر الأرض وُسِمت الصحافة بالمتاعب والمخـاطر، إلا أن حلوها يكمن في مرها، ومتعتها تكمن في خـطورتها، بالسلطة الرابعة يسلط الضوء على أي قضية أُريد طرحها وجُعل منها قضية رأي عام، و بالسلطة الرابعة أيضا تُهمل أكبر القضايا و ترمى على حافة الاهتمام والإعلام فلا يُعرج عليها ولا يُشار لها ولو ببنان.

الحقيقة أن مجال عمل الصحفي لا محدود، فباستطاعته أن يمارس عمله وتحرياته للحقائق بكل حرية و طلاقة، سعيا لإعلام المجتمعات بالحقيقة وما خفي منها، وهو طبعا حق مشروع لا نقاش فيه، حق الجميع في معرفة الحقيقة الكاملة لكل ما يدور حوله، حتى ما يخدم أجندات النظام وأهدافه، مادام النظام نظاما وضع أساسا لخدمة المصلحة العامة للشعوب التي ترشحه، ومادام من يحمل النظام فردا من الشعب تمت تزكيته لحمل أثقالهم على كواهله، فلا بد أن تتساوى المصالح والفوائد كما يجب أن تتساوى الحقوق والواجبات.

وعلى ذكر الحقـوق، فإن للصحافة الحق في النقد اللاذع لأي خطأ صدر سواء من رئيس أو مرؤوس، ولها كامل الأحقية في الحياد، فكما تغطي نشاط الحزب الحاكم، تستطيع تغطية نشاط الحزب المعارض بنفس النسبة والجودة، ولها أن تدق ناقوس الخطر و تسلط الضوء على قضايا الفساد والانحراف متى ما تناسب ذلك، خدمة للمصلحة العامة والتي يجب أن تصب أخيرا في مصلحة الشعوب والمجتمعات، فالصحافة الملتزمة بقواعد المهنة من شأنها إعلاء الحق و خدمة الحقيقة وتحقيق العـدل باستقلالية وموضوعية، وبهذا تصدرت الصحافة قائمة المهن، لتحتل بذلك المركز الرابع في هرم السلطة، لما لها من تأثير مباشر في المشاهد عبر ترويج القضايا و نشـر الانشغالات، والذي يتأتّى عن طريق الاحتكاك الواقعي بحساسيات الشعوب. ولكن الـواقع غير ذلك تماما، فالصحافة وبكل أنواعها أصبحت ميدانا تم شراؤه واحتلاله لخدمة الأهداف الخفية للأنظمة الحاكمة والمصالح الشخصية، تماما ككل ميدان سبقها، فبعد أن كانت تتمتع بالاستقلالية والنزاهة والشفافية، تم عزلها لإعادة برمجتها على بث ما يخدم مصالح جهات مسؤولة وخاصة وحجز ما يتنافى مع ذلك. والمقصود بما يخدم المصالح الخاصة، هو تحويل الصحافة لمنفذ للفتن والتضليل عن الحقائق، وكأبسط مثال واقعي، فإن الاحتجاج والاعتصام للمطالبة بالحقوق أمر مشروع، إلا أنه لم يسبق مشاهدة اعتصام صحفيين للمطالبة بحقوقهم المهضومة سيما في المؤسسات الخاصة، فأصبح الصحفي مضللا عن حقه لاهثا وراء مبدأ المهنة وركيزتها وهو المصلحة العامة، متناسيا بذلك ضرورة اعتصامه واحتجاجه سعيا لاسترداد حقه، تماما كالطبيب والطالب والمعلم…، فضلا عن هذا، فإن استئجار الرأي العام وصرفه عن القضية من طرف مؤسسات الحاكم يعد بالنسبة لكل صحفي نزيه يعي معنى مهنة الصحافة ومبادئها، خيانة عظمى لشرف وزملاء المهنة، فأن تستأجر جهات معنية صحفيا في قناة تلفزيونية يتحدث عن مشاريع الدولة وإنجازاتها وتدشيناتها وترميماتها ومهرجاناتها، كنوع من الاستعباد، بدل أن يتحدث عن قضية تمس الوتر الحساس، ألا وهي إيصال صدى الصوت المستضعف، وكشف الغطاء عن ما يجب الاهتمام به فعلا، يعد في حد ذاته جريمة متكاملة الجوانب بالنسبة للصحافة كمـهنة، فما يجب على الصحفي النزيه عندئذ إلا المحاربة لإثبات نزاهته كصحفي يعمل وسط قذارة لعبة سياسية، تتمثل في الإستعباد الإعلامي عندما يُفسح المجال لانتهاك حرمة الصحافة، يضيع حق المواطن في معرفة الحقيقة، ويخلط الإعلام بين وظيفته و الصحافة كمهنة، و هنا يبقى السؤال مطروحا: متـى تـعتق رقاب الصحفيين؟ ومتى تكشف حقـائق الصحافة ؟

رحمــة ربيعــي