أحوال عربية

السعودية بعد قضية الخاشقجي… يجب التحرك بسرعة الآن

مروان صباح

لعل علائم اكتفاء النيابة العامة من التحقيق وارتيائها ضرورة تحويل قضية الصحافي جمال الخاشقجي إلى القضاء السعودي كانت خطوة استباقية لأي مغامرات ممكنة أو كامنة وبالتالي منذ ذاك الإنتقال خرجت القضية من دوائرها التنفيذية وباتت في عهدة القاضي الذي سينظر فيها وسيصدر حُكمه لاحقاً ، أي أن الأمور ستتوقف عند هذا الحد وأي تدخلات خارجية في المستقبل أو ضغوط بالطبع ستحال بطبيعتها إلى المحكمة وَلا يصح ايضاً للجهات التنفيذية أو الجهات العليا تقديم معلومات أو تطورات أو ردود أو تتماش مع أي ضغوط جديدة ، باستثناء المحكمة أو من ينطق باسمها أما الحديث عن ضرورة كشف مزيد من المعلومات أو الإستمرار في مسلسل العواصف المتتالية ، على سبيل المثال ، كما صدر مؤخرًا بعدم كفاية الإجراءات التى اتخذت فهو أمر مبالغ ويتوجب إهماله بقصد وعدم التعاطي معه تحت أي ظرف .

للمرء أن يِدّع جانباً تداعيات القضيّة ، بل ما يهم المملكة وحلفائها من سياقات مقتل الخاشقجي ، تلك الحملة الدولية الشرسة التى أرادت استنزاف الخزينة وعصر ولي العهد الأمير محمد بن سلمان سياسياً في الحاضر والمستقبل ، وهنا لا يتوانى المرء أن يجزم بأن حافر الكمين استطاع إيقاع جميع الاطراف به ، نعم قد نجح بمقاصده المتعددة بنسبة كبيرة وهذا يكشف بأن المملكة العربية السعودية أصبحت في دائرة الاستهداف وخطواتها وتحركاتها ونمو مشروعها الجديد مراقب بحساسية وبجاذبية عالية ، وعليه لا بد من إعادة رسم مسار الإصلاح والنهوض والتعايش مع البيئة المحيطة بالخليج ، على وجه الخصوص التشكيلات العسكرية والأمنية التى ينبغي لها الخروج من أنماط التقليدية والعمل على تأسيس قوات خاصة على مستوى المملكة التى ينبغي لها أن تتمتع بامتدادات ايضاً في مناطق النزاعات مع تكثيف حركة الإنتاج العسكري بمجالاته المتعددة الذي يتيح من خلاله دراسة طاقات البشرية المنتجة واختبارها وإعادة تدريبها وتأهيلها من أجل الوصول بها إلى أقصى إنتاجية ممكنة بالاضافة إلى هذا وذاك الحفاظ عليها ورعايتها وبالتالي تضمن ( المؤسسة الراعية ) حيويتها وعطائها ومستوى جودتها وايضاً لا بد أن يتزامن ذلك مع وضع خطط تلزم القطاع الخاص بتلبية السعودية والخليج ومصر والأردن بالمواد الاساسية من الزراعة والمواشي وتبعاتهما ، لأن كما حضرت هيبة المال والعقود التجارية التى أوقفت بدروها التمادى على الرياض وأبقته ظاهرة صوتية فقط ، فإن القوة العسكرية المستقلة تحصن المملكة والخليج والحلفاء من أي تمادي أخر في المستقبل .

طوال القرون تعاقبت الحقب التاريخية المديدة على سجلات التاريخ وحسب التجربة المعاصرة تبين بأن الجيوش الكبيرة لا تصلح للحروب الطويلة أو تلك القصيرة ، بل تجارب مثل كتائب القسام وأخواتها أو حزب الله في لبنان كانت الأمثل والأصلح في جميع الأوقات ، تعتمد هذه التشكيلات اولاً على بناء عقيدة القتال لدي عناصرها وثانياً على معرفة الأرض وبناء قواعد تحتها التى تمكنها من توريط اعدائها بمستنقعات حروب العصابات وتعيق التفوق الجوي بالطبع مع امتلاك سلاحين الجو والبحر سيوفران نتايج سريعة وحاسمة .

تعاقبت خلال قضية جمال إجراءات تمييزية من الغرب بل تمكن الإعلام الغربي مدفوع من قنوات سرية من ابتزاز السعودية بقضية الخاشقجي والمطلوب كان ومازال إضعاف مشروع الثنائي السعودي الإماراتي ، وهذا طبيعي كون الماضي يحمل سلسلة تصفيات لمشاريع عربية مماثلة ، لكن ذلك المسلسل الثقيل المفضوح والمكشوف والركيك قد بلغ مستوى الصلافة ويستوجب الآن الرد عَن سؤال كبير ، كيف السبيل للخروج من هذا التكبيل الذي فرضوه ، لا بد من تحقيق اولاً انتصار سريع وكبير ، في اعتقادي اليمن ، إذ حقق التحالف العربي انتصاراً فيه سيكون مخرج يؤدي إلى سلسلة انتصارات في ليبيا ومواقع أخرى سنأتي عليها لاحقاً ، أي في مقام أخر ، بل الانتصار سينهي كل هذا الضجيج والعجيج الذي تتكفل عناصر صغيرة من تأديته نيابةً عن واضع مشروع ارباك المملكة وإدخالها في دوامة التعطيل اولاً ومن ثم الاستنزاف .

المشوار طويل والأبقى لمن لديه نفس أطول ، اليوم السعودية وحلفائها يواجهون أكثر من جبهة ، منها المسلحة وأخرى صوتية زنانة كالإعلام وايضاً اقتصادية ، لهذا لا بد من التعامل معها بشكل امتصاصي وبتجاهل مقصود مع وضعها بين دوائر المراقبة إلى أن ينتهي التهديد الذي يحيط بجغرافية الخليج وعمقه التحالفي ، وايضاً من فضائل التذكير ، اليوم تركيا لديها 600 مشروع عسكري وتعتبر الشركتين التركيتين اللتين تهتم بتصنيع السلاح ومشتقاته من 100 شركة عالمية ، بل أصبح الجيش التركي وأجهزته الأمنية بما فيهم الشرطة يعتمدون عسكرياً وفنياً واتصالاتياً على 70 ٪‏ من الإنتاج الوطني مع تبني الحكومة مشروع فتح الأبواب أمام طلاب الجامعات والمعاهد ولمن يرغب بتقديم أفكار تطويرية أو جديدة ، لهذا قد تَكُون أزمة الخاشقجي مفتاح للتغير الجذري والانقلاب على النمط التقليدي السائد منذ عقود طالما السعودية والخليج يملكون وفرة من المال والاقتصاد المزدهر بالطبع يقابلهم دول تعتمد على تجارة السلاح الفردي والمتوسط والمخدرات بأصنافها أكثر من اقتصاد الدولة ويتحكم في تركبيبتها منطق الاثنية والمذهبية والقبائلية أكثر من ما تظهره من عقائد زائفة ، لهذا هناك فرصة كَبِيرَة .