أحوال عربية

الدولة عندما تكون زائدة عن الحاجة… إسرائيل نموذجاً

ياسر قطيشات

ثمة من يعتقد ان “فضلات” الكائن الحي مهما كان جنسه , هي مخرجات “زائدة” عن حاجتها , لذا يستغني عنها هذا الكائن بيولوجيا بطريقة أو بأخرى , وعلى المستوى الاجتماعي هناك أيضا زوائد عن الحاجة يتخلص منها الإنسان بشتى الطرق , ويعتبرها “كماليات” , وعلى المستوى الاقتصادي يسعى دوما الإنسان الى القضاء على كل مصادر الصرف “الزائدة” عن حده , بل وأحيانا يبتعد عن “شراء” ما لا يستحق شرائه باعتباره “زائد” عن الحاجة .
بيد أن الأمر على مستوى السياسة أو اكثر دقة على مستوى “الكيان السياسي” يبدو صعباً ان لم يكن مستحيلاً بعض الشيء , فعبر التاريخ السياسي لمختلف أشكال الكيانات أو “الكينونات” السياسية كانت هناك بعض الدول من هي “فضلات” زائدة عن الحاجة , ولكن يصعب الاعتراف بذلك أو لا يمكن التخلص منها بسهولة , فيمسي بقاؤها جزء من حتميات القدر السياسي , ومرضٌ مزمن لا بد من التعاطي معه بحكمة واعية , بعيداً عن نبش التراب الذي يرفض أن يلفظها بسهولة خارج حدود المكان والتاريخ , بيد ان فرصة الاعتراف الحتمي بضرورة التخلص منها “كفضلات زائدة عن الحاجة” ممكن في حالة ان تعاملت معها المجاميع من حقيقة أنها “شيء “زائد” بالفعل , وهذا قائم .
وقد تُخلق هذه “الدولة” بمبرر سياسي أو معتقد أيديولوجي أو لتحقيق هدف معين ومحدد لقوى أخرى , وربما وجودها يرتبط “نمواً واستقراراً” بوجود “دولة عظمى” سعت الى توظيفها كإطار “زمني ومكاني” يخدم أطماعها التوسعية , وهي في ذات الوقت تكون على حساب مصالح وجود دول أو حضارة أخرى قيامها حتمي بقانون الطبيعة السياسية والتاريخية .
“وإسرائيل” التي زُرعت في قلب الوطن العربي , لا تخرج عن هذا التوصيف المعياري السياسي , فهي قبل كل شيء وباعتراف العالم أجمع خُلقت ككيان استيطاني , لا جذور تاريخية تحكمه , ولا قيم سياسية تُقيم أركان وجودهِ وتؤسسهِ , وهي قبل ذلك كله كانت وما زالت مجرد فكرة استعمارية صهيونية من قبل الإمبريالية الغربية , سعت الى زرعها في جسد الأمة العربية , كمرض عُضال” يتسم بالديمومة أبد الدهر , وضمن معتقدات ورؤى دينية لا توجد سوى في عقول “جهنمية” صهيونية , روجت لها وأثبتت حقيقة وجودها قبل أن توجد أساساً على أرض الجغرافيا السياسية.
ومنذ ارتباطها كفكرة مع حدود المكان –فلسطين- والزمان – 1948م- كانت إسرائيل معرضة للزوال بين اللحظة والأخرى , فهي من جهة تُعرض للبيع ضمن معتقدات خرافية فريدة تحتفل بها “إسرائيل” رسميا ، وقلما يسمع بها أحد حرصا على هيبة الدولة – كما يدعون – ففي عام 1976م ، أعلنت وكالة أنباء يهودية ان رئيس الكيان الصهيوني باع إسرائيل الى ( جندي درزي ) من مواليد إسرائيل ، وكان هذا عملا بخرافات التلمود خلال السنة الشميطة التي تستوجب إراحة الأرض من الزراعة كل سبع سنوات ، على أساس ان الله –تعالى عن ذلك- نفسه استراح في اليوم السابع من خلق العالم – كما تدعي التوراة – وحيث ان هذا يعني توقف الزراعة سنة كاملة ، فلا حل للمشكلة سوى بيع الأرض كلها شكليا الى أجنبي .
ومن جهة أخرى تسعى دوما الى تثبيت حقيقة أنها خُلقت “لتبقى” , بيد أنها دوما تشك في إمكانية “الوجود” السياسي الحتمي ككيان شرعي وطبيعي , ولا أدل على ذلك من أن النصر الذي يُحققه هذا الكيان , كلما تعزز لديه الرغبة في الوجود , يدفعه الى قدرهِ النهائي في الزوال , بعد أن يتيقن أنه “فضلات” من تاريخ الحضارة الإنسانية . 
يقول عموس ألون –الكاتب السياسي اليهودي- “من نصرٍ الى نصر تسعى إسرائيل الى حتفها” ولعل هذه هي الحقيقة الوحيدة التي ترفض إسرائيل ومن خلفها واشنطن الاعتراف بها عمليا , فالنصر الذي حققته “إسرائيل” منذ عام 1984م وحتى اليوم هو “وهم سياسي” يحسبه الضمأنُ ماء وهو مجرد سراب سرعان ما يتبدد مع انقشاع الغيوم (المظلة السياسية) الداخلية والخارجية عن سماء هذا الموجود افتراضياً.
وربما اقتنعت بعض دول أوروبا الغربية سابقاً بحقيقة هذا الكيان , وربما اضطرت , تحت وقع التأثير البريطاني , بضرورة الاعتراف به والتعامل معه كجزء منن أمر واقع , حتى الولايات المتحدة ذاتها التي تبنته كمشروع أيدو-سياسي منذ أواسط القرن المنصرم , كان تبنيها له يدخل في إطار الافتراض السياسي “شر لا بد من صيرورتهِ خيراً” , بيد أن تفوق هذا “الطفل غير الشرعي” على الأب والأم “غير الشرعيين” أيضاً , بدءاً من بريطانيا ومروراً بأوروبا , وانتهاءاً بالولايات المتحدة , وعلى قاعدة تحقيق المصالح أولاً قبل جلب الطموحات اليهودية الى عقر البيت الغربي , أدى الى فشل فكرة “الضرورات تبيح المحظورات ” أوروبيا وأمريكيا في العالمين العربي والإسلامي , خاصة بعد تثبيت القدم الأمريكي في المنطقة بصورة شرعية منذ حرب الخليج الثانية 1990/1991 .
فأوروبا وعبر مراجعة وجهات النظر المتبادلة إزاء إسرائيل , بدت تتذمر من السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين خاصة , والعرب عامة , وفي مجمل وضعها الاقليمي والدولي الذي امتاز من خلال التجربة السياسية بالاعتماد على وسائل الابتزاز السياسي والاستغلال والمؤامرات لتمرير سياساتها وأهدافها أوروبياً , فأضرت بالمصالح الأوروبية , بما فيها البريطانية , على المستويين الأوروبي – الأوروبي , والأوروبي – الإسلامي , كما تحملت أوروبا مشاكل وهموم اليهود مع العرب أكثر مما تحملته إسرائيل ذاتها , فكل إشكالية تقع هنا او هناك تسعى الدول العربية الى تصديرها الى أوروبا أو اتباع سياسة “الشكوى” السياسية ضد إسرائيل من على المنابر الدولية والمؤتمرات واللقاءات الثنائية والجماعية بين العرب من جهة , ودول أوروبا الغربية من جهة أخرى .
حتى باتت أوروبا تراجع سلوكها الخارجي تجاه القضايا العربية مع إسرائيل , قبل أن تتخذ سياسة معينة أو موقف محدد أو ردة فعل تجاه الطرفين , ولعل هذا ما يفسر ضعف وعزوف الدور الأوروبي عن مجمل القضية الفلسطينية وعن ملف العملية السلمية بالمنطقة منذ عدة سنوات خلت , بل وكثيرا ما تسعى أوروبا الى التفرقة بين السياسة والاقتصاد عند التعاطي مع دول المنطقة العربية , وخاصة الخليج العربي , حتى لا تطغى سياسات إسرائيل العدوانية على العلاقات الاقتصادية الأوروبية – العربية , وأحيانا تظهر السياسة الخارجية الأوروبية بمظهر السياسة المزدوجة التي تحمل في طياتها سلوك ظاهري مفاده دعم اليهود وإسرائيل تحت المظلة الأمريكية أو تماشياً معها , وسلوك خفي يُعطي للعرب تصوراً أنها مع الحق الفلسطيني في إقامة الدولة الفلسطينية ورفض السياسات الأوروبية – الصهيونية . 
أما الولايات المتحدة , فأمست أشبه “بالمختبر السياسي” للأيدلوجيات الفكرية اليهودية من أقصى اليمين الى أقصى اليسار , فهي وان كانت تدعم وتؤيد “الكيان الشاذ” بكل ألوان الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري بما فيه أسلحة الدمار الشامل , الا أنها دوما ترى في إسرائيل عبء على المواطن والسياسة الأمريكية وكثيراً ما برزت على الساحة السياسية الأمريكية أصوات تُنادي بقطع “عُرى” علاقة “الخيانة الزوجية” بين واشنطن وتل أبيب , حيث وعبر عمر هذا الكيان السياسي لم تحاول الولايات المتحدة أن تضر به مجرد محاولة أو تفكير بذلك , بينما سعت إسرائيل الى الإضرار بالمصالح الأمريكية آلاف المرات , بل وكانت –وما زالت- تستخدم أسلوب الضغط السياسي والابتزاز وفرض السياسات الخارجية الأمريكية – عبر وسائل الإعلام اليهودية التي تسيطر على التوجهات السياسية الأمريكية عبر جماعات الضغط اللوبي المتناثرة في مؤسسات الإدارة الأمريكية بما فيها البيت الأبيض- بما يتناقض مع المصالح الأمريكية , وينسجم مع المطامع اليهودية والصهيونية في التوسع والهيمنة , وطالما كانت واشنطن “تتوسل” اسرائيل في اتباع سلوك معين سلمي تجاه قضايا الخلاف مع العرب , خاصة الفلسطينيين , فيكون رد اسرائيل “ليس المطلوب منكم سوى دعمنا وحسب” هذه هي حقيقة علاقة اسرائيل بالولايات المتحدة , والتي جعلت من الأخيرة “أضحوكة” العالم بسبب سحبها الى مواطن الخلل والضعف والإهانة , وأخرها احتلال العراق ضمن المخطط الصهيوني , وانكشاف كل المزاعم الأمريكية حيال الأزمة العراقية أمام العالم أجمع , ولا ننسى بالطبع أحداث 11 أيلول 2001م والتي لم يجرأ أحد عن الكلام حول دور اسرائيل الضالع في هذه الأحداث من بداية الفكرة وحنى نهاية مسلسل “الصدمة” الذي نهجته واشنطن تجاه العالمين العربي والإسلامي بحجة محاربة “الإرهاب” الإسلامي . 
ومع إدراكنا لخصوصية العلاقة غير الطبيعية بين الدول المسيحية الغربية واليهود في كل بقاع العالم – وعلى فكرة هي علاقة جدلية معاصرة لم تنشأ الا مع مطلع القرن المنصرم , وما عدا ذلك فقد كانت العلاقة الدينية بين الطرفين وأيضا السياسية والاجتماعية على أشد حالات العداء والخصام والتوتر , ولا أحد ينكر عمليات الطرد والقتل التي تعرض لها اليهود في أوروبا خلال القرون الخمسة الأخيرة للقرن العشرين – فقد شعرت العديد من دول العالم , وبالذات الغربية , أن اسرائيل باتت عبء ثقيل التحمل في بيئة المجتمع الدولي , وأنها أمست حالة مرضية لا تطاق معها صيغ التبادل والتعاطي السياسي , فهي دوماً في حالة “الدائن” لا “المدين” والآخذ غير العاطي , والجالب للمشاكل غير الساعي للحلول , والباحث عن الفتن والقلاقل غير العامل على تحقيق الأمن والاستقرار بالمنطقة .
الأمر الذي شكل تصوراً وانطباعاً شعبياً أكثر منه رسمياً على مستوى أوروبا والولايات المتحدة , ان الخلاص من هذا “السرطان” السياسي وجودياً خير من علاجهِ “بكيمياء” التودد والسياسة والكياسة , فضرورات المصلحة انتفت بانتهاء تحقيقها في تفتيت وتمزيق الأمة العربية والإسلامية , وفي زرع الخلاف والشقاق في جسدها والهيمنة على مواردها وثرواتها ,و وان كانت تلك أهداف وجود الكيان الصهيوني المصطنع طبقاً لقرارات مؤتمر “بنرمان” البريطاني عام 1907م , فإنها بالضرورة تحققت ومع نهايتها لا بد من الانتهاء من الآثار “والفضلات ” الناجمة عنها والمشكّلة عبئاً على تحقيق المزيد من المكاسب الاستراتيجية , وعلى رأس هذه “الفضلات” الوجودية “اسرائيل” خرافة القرن العشرين .
فان كانت واشنطن قاصدة من احتلال العراق تغيير خرائط الشرق الأوسط ضمن عملية “إعادة فك وتركيب الدول” , وبما ينسجم مع مصالحها العالمية , وراغبة في الخلاص من “الدول الزائدة عن الحاجة” عليها التخلص من سرطان هذه المنطقة أولاً قبل معالجة “صداع الرأس” ( الإيراني او العراقي أو السوري أو حتى الكوري الشمالي ) لأن الدول السابقة وجودها حتمي وطبيعي وتاريخي , أما اسرائيل فزوالها هو الحتمي بقانون الطبيعة السياسية الذي يفترض “وجود دولة زائدة عن الحاجة” في تركيبة النظام السياسي الاقليمي العربي والدولي , وإذا كان مصير كل ما هو زائد عن الحاجة “مكب النفايات” , فان اسرائيل الزائدة عن الحاجة مصيرها “مزبلة التاريخ الإنساني” .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق