رأي

الجيش مؤسسة دستورية ..لا رهط عساكر

سمير بن عبد الله

ـــــــــــــ
مع بداية العد التنازلي لموعد رئاسيات 2019 بدأت الضغوط من أطراف عدة على الجيش للتدخل في هذه المرحلة المهمة و الحرجة من تاريخ الجزائر من أجل لعب دور في صناعة سيناريو خارج الإرادة الشعبية لتحديد معالم المستقبل السياسي للبلاد ،فكان الرد عاصفا في آخر تصريح للقايد صالح عندما وصف هذه الأطراف بـ “رهط إمكانياتهم محدودة نصّبوا أنفسهم متحدثين بإسم الجيش”.
مواقف الجيش الأخيرة المعبر عنها بالرفض التام و النهائي في بيانات صادرة عن مؤسسة الجيش او تصريحات نائب وزير الدفاع قائد قيادة الأركان احمد القايد صالح ،حول الدعوات التي تطالب الجيش بالتدخل المباشر من أجل تصحيح الوضع في أعلى هرم السلطة الصادرة من قبل بعض إطارات الجيش المتقاعدين أو الدعوات الصادرة من قبل سياسيين في المعارضة ليرافق الجيش إحدى المبادرات التي تم طرحها في الساحة السياسية،يجب تثمينها و الإشادة بها و هذا ما يتوافق مع ما جاء به القانون عند تحديد المهام الأساسية لمؤسسة الجيش في إطار مهمة محورية مركزية ممثلة في الحفاظ على الوحدة الترابية للبلاد و الدفاع عن أمنها .
مواقف يجب ان تكون نابعة عن قناعات تشكلت بمرور الوقت مع ما عاشته الجزائر منذ إنقلاب جانفي 1992 و الأحداث المأساوية التي حلت بالجزائر خلال العشرية الحمراء و ويلات الدم و الدمار التي عانى منها البشر و الشجر على حد سواء ،بل شملت كل مخلوق على هذه الأرض الطيبة ،مواقف يجب أن تكون مباديء تؤسس لمنهج جديد و أسلوب متجدد في طريقة إدارة و تسيير الجيش كمؤسسة وطنية أمنية خاضعة للشرعية الدستورية تعمل وفق ما ينص عليه القانون ،لا مجموعة عساكر يأخذون الأوامر حسب مصالح شخصية من قياداتهم أو بضغوط من عناصر خارج المؤسسة العسكرية لتحقيق مآرب فئوية و مصالح سياسية غير مستحقة إعتمادا على القوة الرادعة و القاهرة للجيش ،لا على قوة كلمة الشعب خلال الإستحقاقات الإنتخابية التي تنظم التداول السلمي على السلطة.
نقول هذا حتى لا تتحول المؤسسة العسكرية لجماعات مرتزقة تعمل بأوامر خارج القانون بتوجيهات من أشخاص نافذين سواء بتغيير الوضع السياسي في البلاد أو المحافظة عليه ،فمثلا عندما تعلق الأمر بفقدان فئة معينة لمصالحها الإقتصادية و السياسية ،كما حدث في 1992 تم وضع الجيش في مواجهة الإرادة الشعبية مباشرة تحت عدة أسباب مهما على شأنها ،فإنها لا تبرر ما تم الإقدام عليه بإطلاق رصاصة الرحمة على الشرعية الشعبية ،فلا يختلف إثنان على أن ما حدث كان إنقلابا صريحا و تدخلا مباشرا في الحياة السياسية ،و من جانب ثان أن لا يكون كذلك التأكيد على عدم تدخل الجيش في السياسة اليوم مبني على مصالح عصب نافذة في السلطة او مصالح قيادة الجيش نفسها ،يجب هنا مراعاة القانون و المصلحة العليا للبلاد ،فقد تعالت الأصوات مهللة في بداية التسعينات بتدخل الجيش،كما هو الحال اليوم كذلك ،لكن في الإتجاه المعاكس فالكل بصوت واحد داعم لموقف الجيش في رفضه التدخل في السياسة ،و من هنا يجب أن يكون الصوت الثابت عبر كل الأزمان أن لا مكان للجيش في العمل السياسي مهما تغيرت و تقلبت  الأوضاع السياسية في البلاد بشرط أن يكون المتحكم فيها إرادة الشعب و إختياره الحر .
جيش محترف ، مصطلح رائع لن يطبق على أرض الواقع إلا إذا حسمت المؤسسة العسكرية امرها و وضعت خط أحمر تحت كلمة سياسة و تجعل الإبتعاد عنها و عدم التدخل في الشأن السياسي، تقليد و عرف لا يمكن تجاوزه بأي شكل من الأشكال و تحت أي ظرف من الظروف ،و تترك تنظيم الحياة العامة للسياسيين في جو ديمقارطي حر يكون رأي و إختيار المواطن هو الفيصل فيه ، و تتفرغ لمهمتها الأساسية في حماية الحدود الوطنية و الحفاظ على الوحدة الترابية للبلاد .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق