رأي

الجيش الجزائري لن يسمح إلا بتكريس أبهى صور الديمقراطية

مع تشبث مؤسسة الجيش الوطني الشعبي بسياسة ضبط النفس، وتحاشي الوقوع في الأفخاخ التي يتم تجديد نصبها كل مرة بأشكال وتقنيات مدروسة للغاية، من قبل دوائر متمرسة في تصنيع الفوضى الخلاقة، بدأنا نسجل حالة من الهستيريا وفقدان الاتزان لدى هذه الدوائر الخبيثة، وبيادقها، إذ بدأت تنتهج سياسة “صنع من الحبة قبة”، فمجرّد رشة للغاز المسيل للدموع من قبل أحد رجال الأمن، تتحوّل إلى جريمة بحق الحراك، وتضييقا على المتظاهرين، بل أكثر من ذلك أن المُهيكلين في تصنيع الفوضى، يروجون صورا لبعض رجال الأمن مرفوقة بتعاليق نارية وتحريضية، على مواقع التواصل الاجتماعي، ومن خلالها، يتحاملون على مؤسسة الجيش الوطني الشعبي.

برأيي أن هذه الحالة الهستيرية، ستزداد في قادم الأيام، لأن مؤسسة الجيش، ستواصل العمل بسياسة ضبط النفس إلى أقصى الحدود، والتشبث بالشرعية الدستورية، لقطع الطريق أمام أي تدخل أجنبي في شؤوننا الداخلية، فالجيش أكد منذ بداية الحراك الشعبي، أنه يسانده ويُرافقه، وأكثر من ذلك يحميه، بخاصة من بعض الجهات التي تحاول اختراقه، وتحويله إلى منصة لممارسة العنف سواء كان لفظيا أو جسديا، وقد عايشنا خلال مظاهرات الجمعة الفارطة، حمل شعارات تحريضية ضد الجيش وقائده، لكننا بالمُقابل لم نسجّل أي اعتقال لرؤوس الفتنة ممن يروجون لهذه الشعارات، وهذا ما شكّل ضربة قاضية لأصحاب المشروع الفتنوي، لأن الجيش بصفته مؤسسة دستورية تحمي البلاد والعباد، ترفّع عن محاسبة هؤلاء البيادق، من منطلق يقينه أن الخطر يكمن في مشغليهم، سواء في الداخل أو الخارج، وهؤلاء المُشغّلين لن يضرّهم إراقة دماء بيادقهم، ما دام ذلك سيُؤجج نار الفتنة في الجزائر، بعكس مؤسسة الجيش والتي أكدت على لسان قائدها الفريق قايد صالح، أنها لن تسمح بإراقة قطرة دم جزائري واحدة، وهنا بيت القصيد، وهنا تكمن أزمة صنّاع الفتنة، فلو افترضنا أن الجيش انساق وراء هذا المخطط الجهنمي، لكُنا اليوم نشهد تدفق وديان من الدماء، ولكنا رأينا وعلى المُباشر تدخل قادة قصر الإليزيه على وجه الخصوص للدعوة إلى إحالة ملف “الأزمة الجزائرية” على مجلس الأمن، وعلى الجنائية الدولية، لكن حكمة الجيش لم تترك لهؤلاء من ذرائع سوى “رشّات متفرقة” للغاز المُسيل للدموع، التي لجأ إليها بعض رجال الشرطة، لدرء خطر على حياتهم، أو لحماية المتظاهرين من الوقوع في الخطر، كما كان الحال مع منع المحتجين من صعود سلالم البريد المركزي، أو التجمع داخل نفق الجامعة المركزية، وفي كلتا الحالتين، لم يكن استعمال الغاز المسيل للدموع، بغرض منع المتظاهرين من التعبير عن مواقفهم وآرائهم، وليسمح لي القارئ هنا أن أحيله إلى متابعة ما ينشر من آراء وتهجمات وتحرشات ضد الجيش الوطني الشعبي وأسلاك الأمن، على مواقع التواصل الاجتماعي، ويتساءل بموضوعية، إن كان هنالك أي بلد في العالم يشهد مثل ذلك، وأكثر من ذلك، هل هنالك بلد يسمح بنشر هذا الكمّ الهائل من الانتقادات اللاذعة، والتي تصل إلى حد السبّ والشتيمة والتهديد، وأحيل القارئ هنا إلى متابعة احتجاجات السترات الصفراء في فرنسا، وما تخلفه من دمار واعتقالات، وما تستهلكه مصالح الأمن هناك من غازات مسيلة للدموع لتفريق المتظاهرين، فبرغم ذلك كله، لم نسمع أصواتا تطالب بمحاكمة “النظام” في فرنسا، وملاحقته أمام المحافل الدولية، لا لشيء سوى لكون الغازات المستعملة هناك، ربما هي من أنواع العطور التي يرش بها رجال الشرطة المتظاهرين، احتفاء بهم.

لا أظن أن أحدا يجادل اليوم في كون الجيش الوطني الشعبي، بفضل مرافقته للحراك الشعبي، قد ساهم في تكريس إحدى أبهى صور الديمقراطية في العالم، وهذا ما أزعج ولا يزال يزعج الحالمين بتحويل الجزائر إلى مسرح للمجازر وإراقة الدماء.

زكرياء حبيبي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق