أحوال عربية

الجنرال سليماني و الدبلوماسي ماكغورك و أطول حروب العراق

سليم الحسني
ــــــــــــــــــــ
بين الرجلين منافسة طويلة في شؤون العراق منذ بدايات العملية السياسية عام ٢٠٠٣ والى الآن، وعليه فأن أحدهما يعرف الآخر ويحيط علماً بطريقته في إدارة الأزمات.

نجح الجنرال سليماني في إدارة التحالفات البرلمانية في الحكومات السابقة، واستطاع في كل مرة أن يتجاوز العقبات العالية، ويُسهّل مهمة تصويت الكتل الشيعية على رئيس الوزراء.

في المقابل، نجح الدكتور ماكغورك في المهمات التي كلفه بها ثلاثة رؤساء متعاقبين (بوش، أوباما وترامب) في الشأن العراقي، وكان كل رئيس يخرج بانطباع جيد عنه، وعلى هذا كان من القلة النادرة التي تحظى باهتمام وثقة أربعة ولايات رئاسية متتالية في البيت الأبيض.

وأكثر ما تميز به ماكغورك نجاحه في تثبيت الدعامات الأساسية لاستراتيجية أميركا في العراق، مثل قانون إدارة الدولة، وضمانات الإقليم الكردي، وثغرات الدستور العراقي، وبدائل الوجود الأميركي بعيد المدى في العراق، وأيضاً تسهيل مهمة الكتل السنية في الموافقة على رئيس الوزراء.

بمقارنة ما حققه المسؤولان الاستثنائيان في العراق، نجد أن الجنرال سليماني غلبت عليه صفة إدارة الأزمات المرتبطة باختيار رئيس الوزراء، بينما اشتهر الدكتور ماكغورك بتحريك العناصر العميقة التي تصنع الأزمات في العراق فيبقيه بهذا الشكل القلق المضطرب.

ومثلما يعرف سليماني القوى العراقية وقادتها، فان ماكغورك يعرفها كذلك وتعامل معها مباشرة، فاذا كان الجنرال الإيراني قد استطاع ان يمد علاقاته داخل الكتل السنية وقيادييها البارزين مثل أسامة النجيفي والاخوان الكربولي وخميس الخنجر، فان المبعوث الأميركي استطاع أن ينسج علاقاته داخل الكتل الشيعية ويفتح علاقاته مع مقتدى الصدر وعمار الحكيم وهادي العامري.

ثمة مساحة مشتركة جمعت الرجلين وجهاً لوجه، تلك هي محاربة تنظيم داعش. ففيما كان الجنرال سليماني يجوب جبهات القتال لمساعدة قوات الحشد الشعبي في معاركها ضد داعش عام ٢٠١٤، فان بريت ماكغورك كان قد نجح في صياغة مشروع التحالف الدولي لمحاربة داعش، وكانت حقيقة هذا التحالف هي إعادة التوازنات العسكرية على الأرض في العراق وسوريا لحماية داعش من الانهيار السريع، وكان يزور المناطق الملتهبة بالمعارك في شمال سوريا وعلى الحدود العراقية، ويلتقي القيادات العسكرية للفصائل الكردية التركية، والكردية السورية وغيرها.

وقد زادت هذه المساحة المشتركة من معرفة كل واحد منهما في طريقة تعامل الآخر مع الشؤون العسكرية، وكيفية تحريك الأوضاع العسكرية باتجاهات سياسية.

يعرف كل من الجنرال سليماني والمبعوث ماكغورك، أن صراعهما على الأرض العراقية وعلى مواقف كتلها السياسية، لا تجوز فيه الأسلحة النارية، ولا حتى الأدوات الجارحة، إنه صراع بالأيدي على جولات غير محدودة العدد. فتلك هي الضمانة لمنع التصادم العسكري المخيف بين دولتيهما.

يتأكد هذا المعنى بالرجوع الى صخب الأيام الحرجة قبل تشكيل كل حكومة، حيث يظهر الخلاف شديداً بين الجانبين الإيراني والأميركي على شخصية رئيس الوزراء، ثم تحدث المفاجأة باتفاقهما عليه، ويسارع السنة والشيعة والكرد الى إعلان موافقتهم في احتفال برلماني صاخب بالبهجة، بعد أن كان قبل أيام أو ساعات صاخباً بالاختلاف.

يتحالف الفرقاء، ينشق بعضهم عن بعض، يتبادلون الاتهامات، يخوضون المفاوضات المغلقة والمفتوحة، يخضعون للتوجيهات والضغوط من قبل الجنرال سليماني والمبعوث ماكغورك، لكنهم في النهاية يسلّمون الى ما يتفق عليه الجنرال والمبعوث.

يجب التأكيد هنا، أن ما يجري مرة كل أربع سنوات، ليس لعبة بين إيران وامريكا، ولا هي اتفاقات مسبقة بين الطرفين، إنه صراع سياسي حقيقي، واستخدام مفرط للعضلات ونقاط القوة، لكن الصراع يصل الى درجة حرجة، يعرف كل من سليماني وماكغورك أن الجولة يجب أن تنتهي فوراً، قبل ان تخرج الأمور عن السيطرة، ويصبح من مصلحتهما الاتفاق سريعاً على شخص واحد، ليكون رئيساً للوزراء، يكرر ما قاله سابقه بأنه لن يخضع للمحاصصة، ولن يستسلم لضغوطات الكتل البرلمانية، وسيستعين بالكفاءات.

يعرف الجنرال سليماني والمبعوث ماكغورك وقادة الكتل ورئيس الوزراء الجديد، أن هذا لن يكون. لكن غالبية الشعب العراقي يصدقون الكلام، ثم يكتشفون الحقيقة فتثور فيهم الشكوى وينبعث منهم التذمر، وبعد أربع سنوات يدخلون موسم النسيان.