رأي

الجماعة

 

 

د. محمد ابراهيم بسيوني

 

عملت حاضنة الإخوان على تسويق فكرهم بمحاولة التأثير على الولاءات الوطنية لحساب شعاراتها المتطرفة، وموّلت لذلك عملاءها “المتحدث منهم والساكت”. بعض المتأثرين بفكرهم يستلم بعض المسؤوليات ثم يسلمها لمن يوفقه بالفكر غير معتدين بالكفاءة، سلسلة يوظفون بعضهم البعض حتى لو كانوا من غير الكفاءات ويدافعون عن بعض حتى في الباطل. والكارثة عندما يصرحون أو يلمحون للجيل القادم منهم أن من يملك القرارت نحن في “مستقبلك” وكما تشاهد .. عندها يكسبون أكبر عدد من المتعاطفين معهم.

 

لاتزال المعارك والخلافات مستمرة حول وقائع الجزء الثاني من مسلسل الجماعة الذي كتبه الاستاذ وحيد حامد، وهو من أبرع كتاب السيناريو الذين شهدتهم مصر. يبقى هذا الجدل دليلاً على نجاح العمل وقدرته على إثارة اهتمام الجماهير من عامة ونخب. من الملاحظات الموجودة في المسلسل مفردات لم تكن موجودة آنذاك، منها العسكر التي كانت تستخدمها السيدة زينب الغزالي ومرشد الإخوان المستشار حسن الهضيبي عند الحديث عن الضباط الأحرار، أيضا مصطلح أخونة المؤسسات. ايضا الرئيس جمال عبد الناصر، لم يكن لديه أي صداقات كرجل دولة بمعنى الكلمة، الاستاذ سيد قطب كان أحد الشخصيات المدنية التي تعرف عليها الرئيس جمال عبد الناصر، ولكن لم يكن صديقا ولم يكن بهذا الحجم المبالغ فيه. ومن الأخطاء التي وقع فيها المسلسل أن يجلس الاستاذ سيد قطب على رأس الطاولة في اجتماع لمجلس قيادة الثورة في مواجهة رئيس الجمهورية اللواء محمد نجيب، وكأنه ند له، فهو مشهد غير واقعي وضد تركيبة وعقلية الجيش، التي لا تثق بالمدنيين بهذه الصورة الكبيرة التي قدمها الاستاذ وحيد حامد، فالعسكريون لديهم حذر كبير، ولا يسمحون لمدني أن يجلس بهذه الطريقة المسيطرة على الجلسة، وكأنهم يصغون لتعليماته برفض حل جماعة الإخوان، ولو تمت الاستعانة به كمستشار ليكون جالسا على كرسي خلفي مجاور لطاولة الاجتماع كان أفضل، ولكن أن نرى سيد قطب يحرك مجلس قيادة الثورة، هذا لا يعقل.

معظم الجدل السياسي الصاخب الذي أحاط بعرض الجزء الثاني من المسلسل تركزت على نفي صحة انتماء الزعيم جمال عبدالناصر لجماعة الإخوان المسلمين، وأبعد الانتباه عن الرسالة الواضحة التي ينطوي عليها المسلسل، الذي يربط باقتدار بين الماضي والحاضر ويلقي بالدروس تحسبا للمستقبل. في مذكراته المنشورة عام ١٩٩٢ بعنوان “الآن أتكلم” يذكر الاستاذ خالد محيى الدين أن حسن البنا قد سعى لشده هو وجمال عبدالناصر برباط وثيق إلى الجماعة، فقرر ضمهما معا إلى الجهاز السري، لكي يرضي حماسهما الوطني من جانب، ويضمن كسب مجموعة الضباط الأحرار للارتباط بالجماعة من جانب آخر. ويؤكد الاستاذ خالد محيي الدين أن جمال عبد الناصر وهو، ذهبا معا للقاء المسؤول الأول للجهاز السري عبدالرحمن السندي، وأنه اصطحبهما إلى غرفة مظلمة، حيث قاما بوضع أيديهما على مصحف وسيف شعار الجماعة، وأنهما رددا خلف صوت صالح عشماوي يمين الطاعة للمرشد العام، وأنهما أعلنا بيعتهما التامة والشاملة له على كتاب الله وسنة رسوله، ولأن تلك واقعة يرويها شاهد عيان، وأحد قادة ثورة يوليو فلا يجوز التشكيك فيها أو القول إن عضوية جمال عبدالناصر في الجماعة أمر لم يحسمه التاريخ، لأن التاريخ يكتبه أيضا وفي الأساس شهود العيان، ممن كانوا طرفا أصيلا في أحداثه ووقائعه. كما أن نفي الواقعة كان يجب أن ينسحب على شاهدها خالد محيي الدين، وقت نشر كتابه قبل ٢٥ عاما، لا إلى مسلسل الاستاذ وحيد حامد، الذي ذكرها فضلا عن أن النفى ينطوى على مشاعر غير مبررة بالخزي من تلك الواقعة، مع أنها تنصف الرئيس جمال عبدالناصر من سيل الأكاذيب والافتراءات التي كالها له قادة الجماعة. فقد تعامل معهم منذ البداية بحسن نية، وحين أدرك أنها جماعة تسعى لفرض وصايتها على الثورة، وأن تكون مرجعا ورقيبا أخلاقيا وشرعيا لقراراتها وقوانينها، تحققت شكوكه بأنها ليست جماعة دعوية تبشر بقيم الدين الإسلامي العليا، وأنها استخدمت الانتماء جمال عبد الناصر وأغلب أعضاء مجلس قيادة الثورة لمصر. الرئيس جمال عبد الناصر قال من قبل ان كل من ينضم إلى تنظيم الضباط الأحرار عليه أن يتجرد من بدلته التي يرتديها، سواء كانت إخوانية أو وفدية، وينتمى لهذا التنظيم الوطني. اخيراً الممثلين الرئيسيين في العمل وهم صابرين في دور زينب الغزالي وياسر المصري في شخصية جمال عبد الناصر وعبد العزيز مخيون في دور الهضيبي ومحمد فهيم في سيد قطب فرضوا وجودهم وأدوا ادوارهم ببراعة.

 

د. محمد ابراهيم بسيوني

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق