دراسات و تحقيقاتفي الواجهة

الجزائر من أزمة نظام إلى أزمة سياسية مفتوحة

مترجم / حسين بلالوفي*


***

لم تسقط الأزمة السياسية التي تهز الجزائر اليوم من السماء. إنها تندرج في استمرارية لأزمة سابقة، أزمة النظام، مُعمِّقةً ومُتوِّجةً إياها. وتدل كل المؤشرات على أن النظام السياسي الراهن مُشرف على نهايته. ويدل وعد بوتفليقة بتنظيم ندوة وطنية شاملة مفتوحة لكل القوى، عند انتخابه لعهدة جديدة من خمس سنوات، على أن السلطة ذاتها أدركت أن نظامها لم يعد يطابق مصالح القوى الاجتماعية السائدة، وأنه يتعذر إبقاؤه على حاله، وأنه يستدعي تغييرا. لكنه يجرب مناورة أخيرة بأمل مواصلة الإمساك بعملية التغيير المُحتَّمة. كما كان الأمر سابقا، بخاصة بعد أكتوبر 1988.

لقد حل أوان التغيير. لكن ثمة أسئلة عديدة لابد لها من جواب. أولها: هل سيحصل هذا التغيير، أم أن البلد سيسقط مرة أخرى تحت سطوة نظام مستبد؟ وثانيا: كيف سيحصل هذا التغيير، هل في الدم والدموع أو بلا إفراط في الهزات الفجائية والخسائر؟ هل سيكون بضربة من داخل السلطة أم بالتعبئة الشعبية؟ أم بكليهما؟ وثمة سؤال آخر: إلى ماذا سيفضي هذا التغيير؟ كل هذه الأسئلة هي ما يتطلب توضيحا من خلال صراع مختلف القوى الاجتماعية على الساحة السياسية، دون إدعاء إتيان إجابات نهائية طالما الوضع السياسي متحرك.

أولا- في أصول الأزمة

عودة إلى أزمة النظام

تتجلى أزمة النظام، التي باتت قديمة، في أزمة تمثيل متجسدة بالمقام الأول في استنكاف شعبي كثيف على صعيد الانتخابات. فحسب أرقام المشاركة الرسمية، المضخَّمة بنحو ممنهج، لم يكن ثمة سوى نسبة 50.7% من المصوتين في آخر انتخابات رئاسة في العام 2014، مقابل نسبة 74.56% في انتخابات 2009. خسر المرشح بوتفليقة، بين الانتخابين، 4.5 مليون صوت. ومع ذلك يحتكر التحالف الرئاسي (جبهة التحرير الوطني، التجمع الوطني الديمقراطي، الحركة الشعبية الجزائرية، تجمع أمل الجزائر)، وتوابعه ضمن أرباب العمل (منتدى رؤساء المؤسسات) وضمن الأجراء (الاتحاد العام لعمال الجزائر)، والحكومة والإدارة، لاسيما بفضل قنوات التلفاز العمومية والخاصة، حياة سياسية فاترة تُهمِّش كل معارضة. وما خلا زبائن النظام، لا يصوت معظم الجزائريين. وليس ملايين منهم، وبوجه خاص الشباب، مسجلين في قوائم الانتخابات.

وليست المؤسسات “المنتخبة” الرئيسية تعبيرا عن نتائج الانتخابات. وتوجد رئاسة مجلس الأمة (غرفة البرلمان الثانية)، ومنصب الوزير الأول، تِباعاً، بيد عبد القادر بنصالح وأحمد أويحيى، قائدين من حزب الأغلبية، التجمع الوطني الديمقراطي. وكانت انتخابات مجلس الأمة في ديسمبر العام 2018 مسرحا لتزوير كثيف بين أحزاب “متحالفة” من “الأغلبية الرئاسية” لصالح جبهة التحرير الوطني التي يرأسها بوتفليقة شرفيّاً.

وأكد الانقلاب على سعيد بوحجة، رئيس المجلس الشعبي الوطني، في أكتوبر العام 2018، انعدام مصداقية المؤسسات. فقد جرت إزاحة الرجل بنحو غير قانوني من منصبه ومن مكتبه من قبل جلاوزة حزبه ذاته (جبهة التحرير الوطني) وآخرين من تشكيلات “التحالف الرئاسي”. وتقمص الوزير الأول أحمد أويحيى شخصية بسمارك ليعلن أن “القوة فوق الدستور”.

لكن الأزمة ألمّت في النهاية بحزب السلطة الرئيسي، حزب جبهة التحرير الوطني. وفي غياب تام للشفافية، جرى في نوفمبر 2018 خلع الأمين العام والقيادة الانقلابية، ليس بتصويت من “القادة” بل بقرار صادر عن رئاسة الجمهورية. وبات الحزب منذئذ في عز “إعادة تنظيم”، وهذا عشية انتخابات أبريل المقبل.

وليست أحزاب المعارضة بمنأى عن الاستنكاف الشعبي، إذ تجهد بكل اتجاهاتها للإقناع وللتعبئة، وتعيش أزمات متواترة. والأمر عينه قائم لدى هيئات أرباب العمل ونقابات العمال.

لم تعد أغلبية الجزائريين تؤمن بإمكان تناوب سياسي في إطار النظام القائم. ولم يعد للإسلاميين الجذريين، الذين كسبوا قلوب العديد من المواطنين/ات في سنوات 1980-1990، مصداقية سياسية؛ لكن لم تفلح أي قوة في شغل المساحة المحررة بهذا النحو.

تخللت حكم بوتفليقة، الذي بدأ قبل 20 سنة، جملة فضائح مذهلة ومتوالية: تهريب كوكايين، قضايا فساد في العقار، الأوراش العمومية الكبرى (الطريق السيار شرق-غرب) وتسليم صفقات لشركات أجنبية متعددة الجنسية (قضايا متعددة سونتراك-المجموعة البترولية اليطالية ENI –وفرعها Saipem)، وقضية رفيق خليفة في تبذير المال العام لصالح شركة أنشاها فاعل في البورصة، وعمليات خصخصة بالدينار الرمزي… وقائمة الفضائح أطول من أن تُسرد، لكنها تشترك كلها في كونها تتعلق بأعضاء من النومنكلاتورا (وزراء، مسؤولي شرطة وجيش…) و/أو أبناء طبقة برجوازية الأعمال الجديدة.

ينظر جزائريون كـُـثر إلى الفساد كمجرد انحراف عن معيار مجرد، ديني أو علماني، يوصي بعدم السرقة. وبهذا النحو تُـدرك الظاهرة في بعدها الأخلاقي الصرف. وتُتعزز هذه الرؤية الأخلاقية العفوية بخطاب المعارضة فائقة الليبرالية التي تردد خرافة رأسمالية بدون فساد حيث يحصل كل واحد على ما يستحق. رأسمالية جيدة قد توجد في مكان آخر، لكن ليس بالجزائر. ويكفي تتبع الأحداث العالمية لتبين أن لا بلد يخلو من الفساد (الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد الأوربي، واليابان، وكوريا الجنوبية، والبرازيل…)، لا بل إن بعض الدول “الجديرة بالاحترام” مختصة في تدوير المبالغ المالية المتأتية منه: سويسرا، ولوكسمبورغ وموناكو و باناما وجزر أخرى ليست عذراء بالقدر المتصور… هذا لأن الفساد ليس انحرافا. إنه، بالعكس، ضرورة موضوعية لدى المالكين، المرغمين على التقاتل إلى الأبد بقصد الحفاظ على حصصهم من السوق، والحصول على حصص جديدة، وملء دفاتر طلبياتهم، وإبعاد منافسيهم والإفلات من الضريبة التي تأخذ أموالهم لبناء الطرق والمدارس والمستشفيات… الفساد منظومة، أو هو بوجه الدقة جزء من النظام الرأسمالي.

كان للفساد بالجزائر دور تاريخي خاص في أثناء الأربعين سنة الأخيرة. إذ أسهم، إلى جانب قوانين تفكيك القطاع العام، في نزع ملكية الشعب الجزائري العائدة إليه شكليا عبر الملكية القانونية العامة: مقاولات، أراضي زراعية وحضرية، ممتلكات منقولة وعقارية… و أسهم في الاستحواذ على التجارة الخارجية للاستعاضة عن الاحتكار العام القديم باحتكار خاص. ليس الأمر إذن حادثة طريق، ولا حتى بدرجة أقل خطأ أو انحرافا، بل عملية لا غنى عنها لتمكين أقلية غير مشروعة من مراكمة رأس المال فيما سواد السكان الأعظم يتعرض لسيرورة بَلْــتَرة تُرغمه على بيع قوة عمله لأجل العيش. ولم يغب بُعدُ الفساد هذا عن أفهام السكان الذين أدركوا ما يقيمه من علاقة بين السلطة والثروة. شهدنا بهذا النحو تركزا للسلطات وصعودا ملازما للسلطوية. وجرى تعزيز على نطاق كبير للسلطة التنفيذية في مختلف مُدد حكم بوتفليقة. ولا ينبع الطابع الرئاسي المفرط للدستور المفصل على قياسه، وظهور عبادة شخصية مغالية ومضحكة، من جنون عظمة أسطوري لدى الشخص وحسب. إنهما يعبران بنحو أوْكدَ عن الضرورة الموضوعية لتركيز السلطات حول شخص لتوحيد مختلف الزُّمر وفرض سياسات معادية للشعب ليست بالضرورة محل إجماع حتى داخل السلطة. تلك كانت، مثلا، حالة المسألة الأمازيغية، مع الاعتراف بلغة البربر لغة رسمية وإحداث أكاديمية وطنية للغة الأمازيغية…، التي حسمها بوتفليقة، بضغط من الجماهير، فيما لا إجماع داخل السلطة حول الأمر. كذلك شأن مسائل اقتصادية واجتماعية: عمليات خصخصة، ودعم لأسعار مواد الاستهلاك، وسعر الغاز والكهرباء، والماء… بيد أن الوجه الآخر للعملة يكمن في ما أدى وسيؤدي إليه تركيز السلطات من صعوبة تشكيل إجماع داخلي لتعيين الخلف.


لا يمكن لرفض أي تفاوض وحتى مجرد تشاور مع أحزاب المعارضة، ومع النقابات وغيرها من الجمعيات، ولغياب مساحات وهيئات توسط لتدبير سلمي وشرعي للتناقضات في المجتمع وحتى داخل السلطة، وللنيل المتكرر من الحريات الديمقراطية والنقابية (عرقلة حق الإضراب، والتظاهر، والاجتماع، والتنظيم…)، ولقمع كل الاحتجاجات، ولانحياز المغالي لقنوات التلفزيون العامة والخاصة (المحدثة بشكل غير قانوني من قبل مقربين من السلطة)، وللتهديدات المستورة بالكاد لكل من وزير الدفاع ووزير الداخلية، لا يمكن لذلك كله إلا أن يستثير تعبئات شعبية، وقد استثارها فعلا. ليس الثوريون من يثير الثورات بل الأنظمة المستبدة.

ويؤكد تكاثر تصفيات الحساب الداخلية والقرارات المتناقضة تصدع تجانس السلطة. فقد جرت تنحية رئيس مصالح الأمن، الجنرال محمد مدين المسمى “توفيق”، الثابت بهذا المنصب، بعد سنة من إعادة انتخاب بوتفليقة لمرة رابعة في العام 2014. وأُعيدت هيكلة مصلحة المخابرات والأمن التي كان يشرف عليها. وأفضى تفتيش سفينة على متنها 701 كيلوغرام من الكوكايين إلى تنحية عبد الغني هامل رئيس الإدارة العامة للأمن الوطني. ولم يبق خلفه سوى بضعة أشهر، وقام وزير الداخلية بتجميد عدة تدابير اتخذها المُنحّى منها تعديلات داخل مصالح الشرطة. وجرى منع مسؤولين كبار بالجيش الوطني الشعبي من مغادرة التراب الوطني، وتجميد حساباتهم البنكية قبل اعتقالهم. وبعد مدة أطلق سراحهم بلا تعليل. وأُخلي يوم 26 فبراير 2019 سبيل سبعة أطر سابقة بالشرطة متهمة بالمس بسلامة أمن الدولة بعد مظاهرات عناصر شرطة محتجة على ظروف العمل الصعبة في العام 2014.

تتمثل إحدى أمارات أزمة النظام في عجزه عن استكمال عملية إصلاحات اقتصادية هيكلية شرع فيها قبل أربعين سنة. فقد بدأ التوجه نحو الليبرالية منذ العام 1980، لكن الدولة تواصل إدارة الاقتصاد. وتظل الثروات الطاقية (محروقات) والمنجمية ضمن الملك العام على حساب أنصار الليبرالية الفائقة بالسلطة وبالمعارضة والقوى الامبريالية (مجموعة السبعة الكبار) ومؤسساتها المالية (صندوق النقد الدولي و البنك العالمي…). وعادت إلى كنف الدولة مقاولات عمومية ضخمة جرت خصخصتها ( الشركة الوطنية للحديد الحجار لصالح ArcelorMittal، واسمدال التي غدت فرتيال بعد أن أصبحت المجموعة الاسبانية Grupo Villar Mir مالكة أغلبية الأسهم…). وتم، بفضل تعبئة عمال المُرَكّب، إحباط محاولة علي حداد، رئيس نقابة أرباب العمل (منتدى رؤساء المؤسسات) لشراء حصص المجموعة الاسبانية، بتواطؤ أويحي الوزير الأول. وأجبر بوتفليقة الحكومة على ممارسة حق الشفعة لصالح الدولة التي باتت تحوز من جديد أغلبية أسهم هذه المقاولة. ولم يصدر الرئيس قانون البيع الرخيص للمحروقات المصادق عليه في العام 2005 وجرى تعديله أخيرا سنة بعد ذلك. ويستمر منذ عشر سنوات قانون الاستثمارات القاضي بحيازة المقاولات الجزائرية المتشاركة مع أجانب أغلبيةَ الحصص (51/49). و يتراجع الاستيراد بقوة بفعل تدابير حكومية (نظام حصص، منع، رسوم مرتفعة جدا…) ومن جهة أخرى تواصل الحكومة بناء مساكن اجتماعية ودعم الأسعار، والحفاظ على مجانية الصحة والتعليم العموميين، ورفض الاستدانة الخارجية…

هذا التناقض بين الوجهة الجلية صوب أفق ليبرالي من جهة، ومن جهة أخرى التوقفات والانعطافات والتراجعات الدائمة، يؤجج منذ سنوات عديدة التوتر داخل النظام ويُغلّ يدل الحكومة عن الإجبار. كما يغذي معارضة ديمقراطية فائقة النزعة الليبرالية وكذا استياء شعبيا متناميا. تطول البطالة نسبة 11.7% من السكان النشطين، وتبلغ أوجا بنسبة 28.3% لدى الشباب (16 إلى 24 سنة). ولا يجد ذوو الشهادات فرص عمل فيما نسبة 43% من الأجراء غير مسجلين في الضمان الاجتماعي. وتهوي القدرة الشرائية لدى العمال والعاطلين والفلاحين بلا أرض والفلاحين الفقراء وصغار الحرفيين والتجار… بفعل ارتفاع الأسعار، وانخفاض قيمة الدينار وركود الأجور والمعاشات. وتتضرر الطبقات المحرومة بشدة من تراجع التزام الدولة بخدمات التعليم والصحة. إن السلطة تعيد النظر في ما تبقى من الدولة الاجتماعية.

وبالمقابل تحابي هذه السياسة الطبقات السائدة (رأسماليون جزائريون وأجانب، مالكو أراض، مستوردون، تجار كبار، مهن حرة سامية،…) المستفيدة من نزع ملكية الشعب الجزائري غير المشروع (خصخصة، “شراكة” القطاعين العام والخاص…) وما تمنحها السلطة من مساعدة سخية. الشركات متعددة الجنسية المتفاخرة بتصدير الأسمدة والإسمنت (فرتيال،لافارج…) إنما تفعل ذلك بفضل دعم الدولة للغاز. يُصدر الاسمنت بنصف السعر وتشهد مقاولة سونيلغاز عجزا بمقدار 23 مليار دولار!

وبوجه ما تُبدي الجماهير من مقاومة مشروعة، يظل القمع جوابا وحيدا: لجوء إلى القضاء لعرقلة حرية الإضراب، تحويل قانون العمل إلى قانون الرأسمال، والاعتقال المتعسف للموظفين ولمُدوّني إِنترنت، ومنع المظاهرات واستنطاقات للمناضلين وتنكيل بمشجعي فرق كرة القدم… ويهاجم أرباب عمل القطاعين الخاص والعام النقابيين مباشرة: سونيلغاز، شركة الطيران، ليبرتي، سڤيتال… وتدافع السلطة بجلاء متزايد عن مصالح الطبقات السائدة الكمبرادورية التي تمثل حصان طروادة حقيقي للامبريالية.


تتجلى بوجه الدقة إحدى آخر أمارات أزمة النظام، وليس أقلها شأنا، في ما يواجه من صعوبة مقاومة الضغوط الإمبريالية. لا تزال السلطة تساند قضية الشعبين الفلسطيني والصحراوي، ورفضت أن تكفل التدخلات الامبريالية في ليبيا وسوريا واليمن… وترفض أي مشاركة للجيش الوطني الشعبي في عمليات خارج الحدود، وكذا إقامة قواعد عسكرية أجنبية في الجزائر. و لا تقبل إرساء مراكز عبور للمهاجرين… لكنها تراعي النظام السعودي المجرم وتدافع عنه باطراد، ولا تعبر عن موقف علني بصدد زعزعة استقرار فنزويلا، واتضح عجزها عن عرقلة “عودة إسرائيل” في منطقة الساحل، وعن الاعتراض على تكاثر القواعد العسكرية والتدخلات الأمريكية أو الفرنسية في المنطقة… ومؤخرا، في فترة 18 فبراير إلى 1 مارس وحدها، شارك الجيش الوطني الشعبي فيما يسمى “Flintlock 2019” تحت إشراف قيادة القوات الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم). وشهدت مناورات “« Phoenix Express ” التي نظمتها افريكوم في اليونان في مايو العام 2018، مشاركة قوات البحرية الجزائرية… نلاحظ إذن انعطافا أكيدا في السياسة الخارجية لا يمكن إلا أن يغذي التناقضات داخل نظام موجه تقليديا نحو الاتحاد السوفييتي ثم روسيا (في المجال العسكري بوجه خاص)، ومتمسك سابقا بعدم انحيازه.

يمكن استنتاج أن النظام الجزائري ليس ملكيا ولا جمهوريا حقيقيا. ليس ديكتاتورية، ولا ديمقراطية. ليس تيوقراطية و لا نظاما علمانيا. ليس مناصرا للامبريالية، لكنه لم يعد مناهضا لها. ليس ليبراليا فائقا لكنه ليس مناهضا لليبرالية. ويؤدي عجزه عن حسم تناقضات المجتمع الجزائري، وكذا تلك التي تخترقه، إلى إعادة إنتاج دائم لشروط الأزمة. وتدل جموديته هاته عن عجزه عن إصلاح ذاتي. إننا، والحالة هذه، محكومون بأن نعيش مجددا أزمات سياسية عنيفة إلى هذا الحد أو ذاك تنطوي على خطر التحول إلى أزمة للدولة ملائمة لثورات لكن أيضا لمغامرات امبريالية.

أزمة هيمنة

بعكس خطاب أنصار الليبرالية الفائقة، تحيل أزمة النظام إلى الرهانات والصراعات الطبقية التي تخترق المجتمع الجزائري. وتنبع بوجه أخص من قصور هيمنة الطبقات السائدة.

سياسة إضفاء الليبرالية تنهجها البرجوازية الداخلية. وليس قسم الطبقة هذا وطنيا بمعنى ما بات عليه من افتقار لمشروع سيادي، ورفضه مواجهة النظام الامبريالي العالمي اقتصاديا وسياسيا ودبلوماسيا. لكنه لا يزال تابعا للطلب العمومي وبحاجة إلى حماية الدولة كي يراكم بوجه السوق العالمي.

يصطدم هذا القسم بعقبتين. تتعلق أولاهما بمقاومات نشيطة وأخرى سلبية من قبل الجماهير وقسم من جهاز الدولة. يضطر باستمرار هذا القسم الذي تقوده السلطة، كي يمرر إصلاحاته، إلى المراوغة والتقدم والتراجع. ولم يفلح، حتى الآن، في إتمام إصلاحاته الاقتصادية الهيكلية، ولم يندمج كليا في النظام الإمبريالي… لكنه لا يريد، بالعكس، العودة إلى سياسة تنمية وطنية وإلى مقاومة النظام الامبريالي كما لا تزال تفعل، كليا أو جزئيا، بانسجام وعزم متفاوتين، بعض الدول: إيران، وكوريا الشمالية وكوبا وفنزويلا وسوريا ولبنان…

هذا القسم من البرجوازية، يجبره تطبيق سياسته الاقتصادية والاجتماعية الليبرالية (تجميد الأجور والمعاشات، النيل من مكاسب قانون العمل، البطالة،…) على المراوغة، لكنه لا يتردد في استعمال القوة ضد الجماهير العمالية والطبقات الشعبية التي ترفض تبخر مكاسبها. بهذا النحو يتضح عجز قسم البرجوازية هذا عن نيل القبول لدى ضحايا الاستغلال والسيطرة.

تتمثل العقبة الثانية بوجه قسم البرجوازية الداخلي في عجزه عن الحصول على موافقة قسم البرجوازية الآخر، القسم الكمبرادوري المدافع عن تصور ليبرالي فائق للاندماج والخضوع للسوق العالمي وللنظام الامبريالي. تعزز هذا القسم كثيرا في العقود الثلاثة الأخيرة مستفيدا من الحرب الأهلية التي يسرت تخريب المقاولات العمومية ونهبها بأوامر من صندوق النقد الدولي (خطة التعديل الهيكلي الموقعة في العام 1994)، وتحويل اقتصاد الجزائر من اقتصاد يروم الإنتاج والصناعة إلى اقتصاد بازار قائم على التصدير والاستيراد. يُزايد هذا القسم الكمبرادوري ولا يكف عن تأكيد نقص إرادة السلطة في مضمار الإصلاحات الهيكلية والاندماج في السوق العالمي.

يقع قسم البرجوازية الداخلي إذن في كماشة الجماهير الشعبية من جهة والقسم الكمبرادوري المدعوم من الامبريالية من جهة أخرى.

سار القسم الكومبرادوري منذ سنوات عديدة نحو الظفر بالسلطة، ولديه أحزاب شكلية تقليدية أهمها حركة المجتمع من أجل السلم – من تيار الإخوان المسلمين، والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية ذو الاتجاه العلماني، وحزب طلائع الحريات للوزير الأول السابق علي بنفليس، وبعض الأحزاب والشخصيات المتجمعة في حركة المواطنة… لكنه يستند وبوجه خاص على حزب حقيقي، عضوي، مشكل من وسائل الإعلام التقليدية والالكترونية، وهيئات التفكير think tanks وحركات مثل التي تساند الاوليغارشي الاول بالبلد يسعد ربراب، وشخصيات تشكل مجموعة أكثر دينامية في الغالب من الأحزاب الشكلية. يحظى هذا القسم الكومبرادوري بدعم المراكز الإمبريالية (قوى غربية، صندوق النقد الدولي، البنك العالمي…) التي تمارس ضغوطا مستمرة على السلطة الجزائرية.

ويؤثر هذا القسم على جزء هام من الأشخاص والمجموعات بالقسم الخصم ، يشاطره في الجوهر رؤيته لضرورة إصلاحات اقتصادية واجتماعية هيكلية، لكنه لم يتجرأ لحد الآن على اتخاذ موقف لصالحه خشية ردود فعل السلطة. بوجه عام يسهم بقوة اندماج أغنياء جدد في النظام عبر الأحزاب والمؤسسات المنتخبة (المجلس الوطني الشعبي، ومجلس الأمة، و المجالس الشعبية للولايات والمجالس الشعبية البلدية،…)، وكذا الحضور المباشر أو غير المباشر للعسكر أو لأقاربهم في أوساط الأعمال، في تغيير ميزان القوى لصالحه. لأن خصمه الذي يقود البلد اليوم يعمل لصالحه بفعل عدم انسجامه الذي يجعله عاجزا عن العودة إلى تنمية وطنية واجتماعية. يلزمه لذلك الاستناد على الجماهير الشعبية ، وهذا ما يصر على رفضه.

يشهد إذن القسم الكمبرادوري دينامية صاعدة. ويعمل للظفر بالهيمنة داخل الطبقات السائدة. لكن علاقاته مع القوى الرأسمالية العالمية والدول الامبريالية تُبعد عنه قسما من الدولة العميقة الجزائرية المتحدرة من حرب التحرير الوطنية ومن سياسات التنمية الوطنية لعقدي الاستقلال الأولين. هذه القطاعات متطلبة جدا فيما يخص الاستقلال والأمن الوطنيين. ومن جهة أخرى يكابد القسم الكمبرادوري أجَلّ المصاعب في نيل قبول ضحايا الاستغلال والاضطهاد لأن مشروعه الاقتصادي والاجتماعي فائق الليبرالية أقسى وأشرس إزاء الجماهير. فهل يمكنه في هذه الشروط أن يبلغ سدة الحكم بصناديق الاقتراع؟ وإذا بلغها، بالاستفادة من أزمة أو لكونه يمثل حاليا البديل السياسي الوحيد عن السلطة القائمة، ماذا سيكون رد الجماهير الشعبية؟ وبما أن العمال والعاطلين والشباب ليسوا بأي وجه على استعداد لقبول تلك السياسة، ثمة احتمال قوي أن يحكم هذا القسم، المدعي الديمقراطية، بكيفية معادية للديمقراطية لتمرير جرعة وصفته الليبرالية الفائقة.

قصور الهيمنة هذا لدى قسمي البرجوازية هو أصل أزمة النظام، أي عجزه عن الحكم بنحو موحد وبنيل القبول لدى ضحايا الاستغلال والاضطهاد. لا يمكن إذن إضفاء الديمقراطية على النظام. تستمر هذه الأزمة منذ سنوات وتتعمق. وشهدت تسارعا خلال العام 2018.

ثانيا: أزمة سياسية مفتوحة

انتقال إلى أزمة سياسية 

كان لأزمة الهيمنة أن تتواصل بضعة أشهر إضافية، وحتى بضع سنوات. لكن انتخابات رئاسة أبريل المقبل كانت العامل المفجر للازمة السياسية مع إعلان ترشيح بوتفليقة لعهدة خامسة، ومع ما بلغت الوقاحة واحتقار الشعب بزعم أن المواطنين مبتهجون لهذا الترشيح، وحتى طلبوه بإلحاح. وهذا ما لا يمكن للجماهير، ولا لمختلف المعارضات، أن تتقبله.

لم تكن أي قوة سياسية أو اجتماعية، حتى 21 فبراير 2019، تتهدد السلطة. ولم تكن هذه موضوع اعتراض سوى بالكلام، من قبل معارضين عاجزين ومُهمّشين. وحتى إضرابات العمال التي كانت تميل إلى التكاثر لم تكن تخيفها فعلا. لذا كانت تستعد لإعادة تنصيب الرئيس المنتهية عهدته، أو بوجه الدقة، تنصيب صورته المستعرضة بكل المناسبات (حفلات رسمية، تجمعات…) من قبل المتحمسين له وأنصاره المُغرضين. كان الوضع القائم يبدو أفق البلد غير القابل للتجاوز.

مثل يوم 22 فبراير نقطة القطع بما ميزه من اجتياح جماهيري هائل، بعد دعوات مجهولة المصدر في شبكات التواصل الاجتماعي، للساحة السياسية؛ تلاه بعد أسبوع تدفق شعبي غير مسبوق تاريخيا في ولايات البلد الثمانية والأربعين.

غيرت هذه التعبئة الشعبية التوزيعة السياسية. وحطمت جدار الخوف، وأتاحت استعادة حق التظاهر بالبلد برمته، ولا سيما بالعاصمة حيث جرى منعه منذ العام 2001. وحَدَتْ بالحكومة إلى معاقبة بعض العمدات المنتمين لأحزاب التحالف الرئاسي ممن عرقلوا مساعي مرشحين للحصول على الكفالة من المواطنين. وأجبرت وسائل الإعلام العامة، بضغط من مستخدميها (صحفيين وتقنيين،…) على عرض الوضعية بالبلد بنحو أكثر إنصافا. وحررت الكلام والمبادرات ومهدت طريق احتجاجات ومظاهرات مختلف الفئات الاجتماعية: طلاب ومحامين ومدرسين وأطباء وذوي مهن شبه طبية وفنانين وكتاب وتلاميذ… وكانت ذروة هذا كله في مسيرات يوم 1 مارس المطالبة برحيل النظام كله وليس بوتفليقة وحده.

دفعت هذه المظاهرات المتواصلة حتى الآن، والتي من شأنها أن تتخذ بعدا جديدا يوم 8 مارس، النظام إلى إطلاق مناورة أخيرة سعيا إلى مواصلة التحكم بينما هو فاق المبادرة على نحو لا يمكن بعدُ قول إن كان مؤقتا أو دائما. في رسالة محسوبة على بوتفليقة تُليت بالتلفزيون، اقترح المرشح أن ينظم، في حال إعادة انتخابه، ندوة وطنية مفتوحة شاملة في سياق الاقتراع من أجل تحديد إصلاحات سياسية، وكذا اقتصادية لم يطاب بها المواطنون في أثناء المظاهرات. وستحدد تلك الندوة تاريخ انتخابات رئاسة قبل الأوان يلتزم بوتفليقة بعدم الترشح لها.

لكن هذا جُحْر سبق للجزائرين أن لُـدغوا منه… فعشية ذلك الإعلان ذاته، تفجرت مظاهرات شباب عفوية بمدن عديدة، تلتها في اليوم التالي مظاهرات طلاب جديدة بكل ربوع البلد، وإعلان مجهول المصدر عن إضراب عام في أسبوع 10 إلى 15 مارس. وباتت الحركة الشعبية موحدة على نحو لا سابق له حول شعار “لا للعهدة الخامسة” ورحيل النظام برمته.



المعسكران المتقابلان

يتواجه منذ يوم 22 فبراير معسكران. معسكر السلطة والمعسكر الشعبي أو معسكر الشعب. ويجمع كل معسكر بداخله قوى اجتماعية متباينة ليست لها نفس المصالح.

يضم معسكر الشعب فئات اجتماعية وقوى سياسية مختلفة وحتى متعارضة لكن موحدة بأهداف سياسية آنية: عدم تجديد عهدة بوتفليقة وتغيير النظام، مع أن هذا الشعار الأخير غير معبر عنه بهذا النحو. ويمثل هذان المطلبان محرك هذا المعسكر وإسمنته. ويحظيان بدعم كامل القوى السياسية المعارضة، من ديمقراطيين ليبراليين (علمانيين و إسلاميين معا)، وأحزاب يسار بالمعنى الواسع: جبهة القوى الاشتراكية وحزب العمال وحزب العمال الاشتراكي وجملة مجموعات يسارية مهيكلة إلى هذا الحد أو ذات.

بات هذا المعسكر يضع على رأس مطالبه رفض انتخابات 18 أبريل، متغذيا في ذلك بديناميته الخاصة. وليس لديه برنامج سياسي أكثر تبلورا، وليس مهيكلا، ولا ناطقين باسمه، وليست لديه قيادة محددة ومعترف بها. بيد أن مكامن ضعفه تشكل بنحو مُفارق، في هذا الطور، نقاط قوة و لا تمنعه من الإمساك بالمبادرة وخوض الهجوم وكسب مزيد من صنوف الدعم والانضمام.

يُكثر هذا المعسكر، ككرة نار متحركة، التحركات النضالية: مظاهرات ضخمة أيام الجمعة في ولايات البلد الثمانية والأربعين، ومظاهرات دائمة ينظمها طلاب وتلاميذ ومحامون وفنانون ومستخدمو الصحة… إنه في وضع هجوم. وبعد إعادة فرض حقه في التظاهر، يوجد في طور الانتقال إلى مرحلة أعلى، مرحلة الإضرابات. إضرابات محلية أو قطاعية أولا( تم الشروع فيها في بعض الجامعات، ومرتقبة يوم 13 مارس في قطاع التربية الوطنية بدعوة من التكتل النقابي المستقل…) ثم إضراب عام في فترة 10 إلى 15 مارس بدعوات مجهولة المصدر أو صادرة عن بنيات نقابية قديمة جرى بعثها بالمناسبة، مثل الكونفدرالية النقابية للقوى المنتجة. ويروج في إنترنت شعار العصيان المدني مأخوذا من نصوص الجبهة الإسلامية للإنقاذ المروجة في أثناء الإضراب العام الذي دعا إليه هذا الحزب في يونيو 1991.

تتيح هذه الدينامية الهجومية للمعسكر الشعبي كسب مزيد من الدعم من النقابات العمالية، ومن الجمعيات والحركات. كما يسجل أيضا انضمام شخصيات منها على سبيل المثال أعضاء من منظمة أرباب العمل (منتدى رؤساء المؤسسات) المساندة لبوتفليقة، وعمدات ومناضلين من جبهة التحرير الوطني… كما تجدر الإشارة إلى حالات انضمام دالة سياسيا. مثل التحاق المنظمة الوطنية للمجاهدين التي كانت العمود الفقري لـ”الأسرة الثورية” التي كانت السلطة تستند عليها، والتي تندد، فضلا عن دعمها للمتظاهرين، بـ”تضارب أقسام نافذة داخل السلطة ورجال أعمال بالغي الفساد استفادوا بكيفية غير مشروعة من المال العام”. كذلك شأن جمعية قدماء وزارة التسليح والاتصالات العامة لحقبة حرب التحرير، وهي سلف مصالح الاستخبارات الجزائرية، بقيادة وزير الداخلية السابق دحو ولد قابلية.

يتكون معسكر السلطة أساسا من أجهزة: رئاسة الجمهورية، وقيادة الجيش، والدرك الوطني، ومصالح الأمن والإدارة العامة للأمن الوطني والحكومة ومؤسسات أخرى (المحكمة العليا، المجلس الدستوري، المجلس الوطني الشعبي ومجلس الأمة…)، وأحزاب التحالف الرئاسي، والجهاز الإعلامي العام والخاص، وقيادات المنظمات الذيلية للسلطة: الاتحاد العام لعمال الجزائر، ومنتدى رؤساء المؤسسات، والاتحاد الوطني للنساء الجزائريات، وزهاء عشرة من المنظمات ذات النفوذ الديني: زوايا صوفية وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين. 

هذا المعسكر منظم جيدا ومنضبط ولديه القوة العمومية، والإدارة، وجهاز إعلامي ضخم ووسائل الدولة المالية والمادية. لكنه، بالعكس، فقد المبادرة، ويوجد في وضع دفاعي، ويزداد عزلة ويفقد كل يوم من الدعم قسطا إضافيا.

بات هذا المعسكر موضوع اعتراض قوى وعازم من الشارع فداخ. كان بالأمس متعجرفا ومحتكرا الكلام الإعلامي، فلم يعد قادته يجدون آذان صاغية وحسب، بل باتوا خُرسا. وقد توقفت كليا حملتهم لصالح العهدة الخامسة. وبات متعذرا عليهم تنظيم تجمعات ولم يعودوا يظهرون في قنوات التلفزيون التي كانوا يحتلونها طيلة عقود.

الوحيد الذي يعبر اليوم هو رئيس ذلك ” الأبكم الكبير”! عضو الدائرة الرئاسية الجنرال أحمد قايد صلاح يحذر ويتوعد ويؤكد أن الجيش الوطني الشعبي ضامن لاستقرار البلد ولتنظيم انتخابات الرئاسة في الأجل المرتقب. لذلك بات هذا الموعد نقطة تركز الصراع السياسي. إلغاء / تأجيل موعد الاقتراع او الحفاظ عليه. ما يعني أن القائد الوحيد الذي يتكلم يوجد على خط دفاع “الشرعية” و “المشروعية”. مشكله افتقاد المشروعية السياسية لفرض خياره. إن لديه طبعا القوة (جيش، درك) كي يقمع عند الاقتضاء ويرسي ديكتاتورية. لكن قمعا بهذا الحجم، وإرساء دولة حالة استثناء، يستلزمان مسبقا نزع أقصى لشرعية المعسكر الخصم واستعادة المبادرة. و الحال أن معسكر الشعب استخلص دروس التجربتين الليبية والسورية. إنه شعبي وجماهيري وسلمي، ويدعو الشرطة والعسكر إلى عدم القمع ويرفض دور حصان طروادة لصالح الامبريالية.

ما من سبب موضوعي يتيح اليوم تبرير لجوء محتمل إلى القوة. ومن جهة أخرى، من شأن هذا الحل أن يكون من أضعف الحلول من حيث حظوظ النجاح. فسيؤدي بلا شك إلى إضراب عام وعصيان مدني، وقد يُولد الفوضى وتدخلات أجنبية كثيرا ما ندد بها نائب وزير الدفاع ورئيس القيادة العليا للجيش الوطني الشعبي.

ثمة أخيرا مشكل ردود الفعل داخل قوات الأمن ذاتها. السلطة الجزائرية من الأكثر عتمة، وتعطي انطباعا بأنها لم تخرج أبدا من السرية المميزة لحرب التحرير الوطني. لكن ثمة مؤشرات تدل بالأقل على وجود انزعاج داخلها، وحتى انشقاقات كان لها بلا ريب دور في ظهور الحركة، لاسيما بفضل الطابع المتستر للشبكات الاجتماعية. يجب تفادي السذاجة. أن تكون المظاهرات عفوية لا يعني أن لا يد خفية تتدخل في إطلاقها. لا وجود لحركة بهذا الحجم خالصة بنحو كيميائي. وإن تلاعبات محتملة من عناصر مستاءة من مصالح الأمن، التي جرى تفكيك العديد من هياكلها في السنوات الأخيرة، سيكون لها في حال تأكدها أن توضح بوجه خاص أن الأزمة الراهنة ليست فقط أزمة بين الطبقات الدنيا والطبقات العليا، بل أيضا أزمة بين الطبقات العليا. إن تعبئة جماهير هائلة أمر يؤكد ببساطة أن الانزعاج كان قائما وعميقا. وكما في العام 1988، لا يفضي فتيل قد تشعله أياد غير بريئة بالقدر المفترض إلى انفجار إلا إن كان برميل البارود (الاستياء)مملوءا من قبل.

لهذه الأسباب مجتمعة، يظل إمكان قمع بالغ الحدة، سيتطلب بلا شك حمام دم، قائما دوما، لكنه قليل الاحتمال راهنا بفعل ما يحبل به من أخطار على من سيطلقونه أنفسهم. 

وضع توازن نسبي

عشية فصل 3 إلى 8 مارس لم تضعف التعبئة الشعبية. إنها بالعكس تنغرس بين الطلاب والأساتذة الجامعيين والتلاميذ والمحامين والفنانين، وكذا بين فئات مهنية تُكثر التجمعات والمظاهرات والتي تشرع بطريقة ما وبنحو ناقص ومتفاوت في سيرورة تنظيم ذاتي.

إن لقوة الحركة هاته عواقب عديدة. ينسحب مترشحون واحدا تلو آخر من المهزلة الانتخابية ليوم 18 أبريل، على غرار رئيس حركة مجتمع السلم. وكان آخرون، غالبا ما يمثلون أحزابا (جبهة القوى الاشتراكية، والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية)، أعلنوا رفضهم المشاركة في الاقتراع. وغادر مقران ايت العربي، المحامي الموقر المدافع عن حقوق الإنسان والمناضل الديمقراطي، حملة المرشح اللواء المنشق علي غديرين ، وكذا العملية الانتخابية. ورغم إصرار السلطة غير المفهوم على التمسك بها، فقدت انتخابات الرئاسة مصداقيتها. وباتت المعركة السياسية تجرى خارج الميدان الانتخابي، إنها في الشارع.

وتتجذر المعارضات اليمينية واليسارية. وقام الوجه الرمزي للمعسكر الديمقراطي الليبرالي الفائق، رئيس مجموعة سيڤتال، يسعد ربراب، الذي ينظم منذ شهور عديدة تعبئات لعمال ومستخدمين بدعم من أحزاب المعارضة فائقة الليبرالية للاحتجاج على “تجميد الاستثمارات” من قبل السلطات العمومية، قام بإلغاء المسيرة المقررة ليوم 5 مارس في تيزي اوزو (منطقة القبايل). لكنه برر فعله بأن اللحظة “ليست للمطالب القطاعية”، بل “لتغيير النظام”. ما أبعد زمن كان يقول بوجوب ابتعاد رجال الصناعة عن السياسة.

ومن جانبها، تدعو أحزاب جبهة القوى الاشتراكية وحزب العمال وحزب العمال الاشتراكي إلى دعم الحركة الشعبية، ورفض الاقتراع الرئاسي وتأييد انتخاب مجلس تأسيسي. ويدعو حزب العمال إلى خلق لجان شعبية وإلى تضافر القوى الداعمة للمجلس التأسيسي، ويعتبر أن هدف فترة الانتقال نهب الجزائر. وأعلنت جبهة القوى الاشتراكية سحب كل نوابها من المجلس الوطني الشعبي ومن مجلس الأمة. ويدعو حزب العمال الاشتراكي، الذي تقدم باستمرار بشعار المجلس التأسيسي، إلى تنظيم الجماهير الذاتي وإلى إعداد إضراب عام بقصد قلب ميزان القوى. وعلى غرار حزب العمال، يرفض حزب العمال الاشتراكي التدخلات الامبريالية، ويناضل من أجل دخول العمال ونقاباتهم الحركة بمطالبهم الخاصة. ويدعو الحزبان إلى استعادة المناضلين الحقيقيين للاتحاد العام للعمال الجزائريين. ويتعزز مسعى اليسار بالمواقف المتتالية للنقابات المستقلة الداعية إلى الانضمام إلى الحركة، والمنادي بعضها بإضراب عام. وتعارض قطاعات من الاتحاد العام للعمال الجزائريين زمرة الأمين العام المعادية للشغيلة والمؤيدة لبوتفليقة، وتدعو إلى اجتماع لقيادة منظمتها.

بات جليا أن الطبقات الدنيا لم تعد راغبة. وقد عبرت عن ذلك بوضوح وكثافة بكل السبل الممكنة، لاسيما في الشارع.

لكن رغم النواقص المتكاثرة والمتسارعة بقدر تطور الحركة الشعبية، لا تزال الطبقات العليا قادرة. ليست قادرة على كل شيء، لكنها لا تزال قادرة على القمع. ويقوم الجيش بتجميع قوات قرب المدن ومحاور البلد الإستراتيجية الكبرى.

لسنا في وضع ثوري، لكننا في وضع لا ينقصه الكثير ليغدو قبل ثوريا. وسيتوقف تطوره على ثلاثة عوامل:

استمرار دينامية التعبئة الشعبية السلمية، المنظمة ذاتيا بإطراد، وتعززها.
مدى تعمق التناقضات داخل معسكر السلطة وقبولها أو رفضها تغييرا سياسيا عميقا.
مقدرة القوى السياسية لمعسكر الشعب على الحفاظ على وحدة الحركة مع فتح آفاق قلب نهائي لميزان القوى لإرغام السلطة على التنازل.


الرهانات السياسية الآنية 

من جانب السلطة، يتجلى الضغط للإرغام في إبقاء ترشيح بوتفليقة، رغم أنه مرفق بمناورة رامية إلى كسب الوقت لإطفاء الحريق. لكنه يواجه معارضة متنامية في الخارج وحتى داخله. ويؤدي تصلب موقف السلطة حاليا إلى صعوبة أي مساومة.

ويتسع معسكر الشعب بشكل بطيء لكن أكيد، ويتعزز ويتنظم. وليس لهذا المعسكر أي مصلحة في تصادم مع السلطة. إنه بالعكس بحاجة إلى وقت كي ينغرس ويتنظم بنحو أفضل فأفضل. وتتضح بوجه خاص ملحاحية إعادة بناء قاعدته الشعبية (عمال، عاطلون، متقاعدون، طلاب، تلاميذ) بعد ما تلقت من ضربات اجتماعية وسياسية كبيرة في العقود الأربعة الأخيرة: انقلاب وحرب أهلية، وخطة التصحيح الهيكلي، ونيل من المكاسب الاجتماعية، وقمع… ويجب عليها في الآن ذاته أن توضح منظوراتها السياسية، وتختار بين خياري المعارضة فائقة الليبرالية واليسار.

هل ثمة لدى المعارضة فائقة الليبرالية، المنتمية في هذا الطور إلى معسكر الشعب، إرادة ووسائل مواصلة دعمها للتعبئة الشعبية، أم أنها ستنتهي إلى مفاوضة السلطة حول خروج من الأزمة لصالح الطبقات السائدة؟ هذه الفرضية الأخيرة محتملة. إنها، إذ تعتبر أن أوان سيطرتها التاريخية قد حل وأن عليها أن تحكم لا أن تسود فقط، تنوي أن تنهي كل عرقلة لانتشارها. هذا ما يفسر جذرية موقفها من السلطة. تنوي البرجوازية اغتنام الفرصة التاريخية كي تبعد نهائيا البرجوازية الصغيرة الماسكة حتى اليوم بأجهزة الدولة، والتي لجمت تطورها منذ أمد طويل. لكنها تخشى، في الآن ذاته، أن تتجاوزها الجماهير الشعبية التي لن تكتفي برفعها إلى سدة الحكم، بل ستنتهي إلى التقدم بمطالبها الخاصة وأهدافها السياسية الخاصة. لقد أكدت الثورة غير المكتملة بتونس أن سقوط الديكتاتورية وإرساء ديمقراطية برلمانية برجوازية ليس نهاية التاريخ. ليس لسواد الشعب الأعظم. إن انخراط الاتحاد المحلي للاتحاد العام للعمال الجزائريين في المعقل العمالي الرويبة الرغاية شرق الجزائر قد أوضح الرهانات بإبراز ما تتطلع إليه الطبقة العاملة:

“لا يمكننا البقاء على هامش التطلعات الشعبية العميقة المعبرة عن نفسها، نضم أصواتنا لتأييد تغيير للنظام. نريد نظاما يحافظ على ملكية الشعب غير القابلة للتصرف فيما يخص الثروات الطبيعية للأمة، ويعيد الاعتبار لدور الدولة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية ومحاربة الفقر واللامساواة. نظام يتميز عن الأوليغارشيات ويعيد تثمين العمل ويضع الإنسان في مركز التنمية. نظام يضمن الحريات الفردية والجماعية وحرية ممارسة الحق النقابي”. إنه النقيض التام لمشروع الجناح فائق الليبرالية. هذا ما يجعل هذا الأخير، المناصر لمسار اقتصادي أكثر جذرية من مسار السلطة القائمة، يتقدم بمنظور انتقال يفضي إلى انتخابات رئاسية.

ومن جانبه، يقترح الجناح اليساري للمعسكر الشعبي (جبهة القوى الاشتراكية، حزب العمال، حزب العمال الاشتراكي) بكيفية منسجمة على هذا الحد أو ذاك، حلا من أسفل يعيد إعطاء الكلمة للشعب ويعيد له فورا دور السيد الوحيد عبر منظور انتخاب مجلس تأسيسي. سيكون هذا المجلس، بنظر حزب العمال وحزب العمال الاشتراكي، مكلفا بتحديد طراز النظام المطلوب، وبإعلان فوري لقيام الحريات الديمقراطية وتلبية التطلعات والمطالب الاجتماعية للعمال والمحرومين بلا انتظار. ويقترح حزب العمال الاشتراكي بناء تلاق ديمقراطي مناهض لليبرالية وللامبريالية يضم الأحزاب والنقابات والحركات الاجتماعية التي تشاطر تلك الرؤية. لكن لديها تأخر يجب تداركه.

في انتظار ذلك، يجب رفع مستوى الضغط بقصد إجبار السلطة على التخلي النهائي عن اقتراع 18 أبريل. ولا غنى عن مواصلة المظاهرات. لكن موجة بالغة القوة وحدها قادرة على إرغام السلطة على التنازل.ويجب منذ الآن تعميم فكرة الإضراب العام.

الجزائر، 7 مارس 2019



*حسين بلالوفي صحفي ومنسق سابق لهيئة تحرير l’Alger républicain من العام 2003 إلى 2008، . مؤلف كتابين : الديمقراطية في الجزائر . إصلاح أم ثورة؟ و الشرق الأوسط الكبير: حرب أو سلام؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق