رأي مجتمع منوعات

الجديدُ في عِلمِ الوراثةِ: هل تُحدّدُ الجينات مسبّقا صفات الكائنات الحية؟

محمد كشكار
ـــــــــــــ
1. براديڤم (إطار تفكير) “الكل وراثي” (Le tout génétique)
في مقال بعنوان “السبب والنتيجة في علم الأحياء” 1961، يميّز “أرنست ماير” بين مقاربتين مهمتين تصفان أنواع الأسئلة المطروحة في البيولوجي:ا
المقاربة الأولى تتمثل في “البيولوجيا الوظيفية” التي تحاول أن تفهم آليات الوظائف البيولوجية كالتنفس والهضم والطرح داخل الخلية، أصغر وحدة تركيبية ووظيفية في كل جسم حي. في هذا الإطار، تُطرح أسئلة من نوع “كيف؟”. والطريقة المعتمدة هي طريقة “فيزيائية-كيميائية” تسعى جاهدة لإعادة الظواهر الملاحظة إلى آلياتها الفيزيولوجية الدقيقة. يستشهد ماير بكلود برنار الذي يُصِرُّ على إضافة مفهوم “خطة التنظيم” للاختزالية “الفيزيائية-كيميائية” لكي نفهم “علم الوظائف الحيوية”. من الواضح أن فكرة كلود برنار تفوح منها رائحة “مذهب الإحيائية”، لكن ماير بيّن كيف أن “البيولوجيا الجزيئية”، بفضل اكتشاف “الشفرة الجينية”، قد أعادت صياغة هذه الفكرة وخلّصتها من سياقها الإحيائي. تنطوي فكرة “خطة التنظيم” على “غائية” على حافة شكل من أشكال “قصدية” الحياة أو “قصدية” الحي (للحياة وللحي هدفٌ بيولوجيٌّ محدّدًا سلفا)، وهذا مما لا يقبله فكر علمي مادي. غير أن الملاحظة المباشرة، خاصة ملاحظة “تطوّر الجنين” في رحم أمه، من نطفة إلى جنين كامل الأعضاء والوظائف، توحي بقوة وجود مثل هذه الغائية سلفا في جينات هذا الأخير. يؤكد ماير أن هذا المشكل قد حُلَّ بفضل الاكتشافات المؤسِّسة للبيولوجيا الجزيئية والتي تتجسم في اكتشاف تركيب الحمض النووي وخاصة الشفرة الجينية.

لقد مكّنتنا هذه الاكتشافات من التعامل مع آليات تركيب وصُنْعِ البروتينات على أنها آليات “نقل معلومات”، ووصفٍ لجزيئات ضخمة، الحمض النووي والبروتينات، بأنها جزيئات حاملة لمعلومات وراثية. لقد سمح لنا في الواقع اكتشاف الشفرة الجينية (مفتاح التطابق بين تركيب الحمض النووي وتركيب البروتينات) من التعرض بكفاءة لفكرة المعلومات الوراثية في البيولوجيا. انطلاقا مما سبق وبسرعة رهيبة ينتقل ماير من الشفرة الجينية إلى فكرة “البرنامج الوراثي”. بالنسبة له وبوضوح: البرنامج الوراثي كُتِبَ سلفا في جينات الحمض النووي، وهذا البرنامج يوفّر لنا تفسيرا آليا ماديا وليس إحيائيا للتطور الموجّه للكائنات الحية. يتراءى لنا أنْ ليس لهذا التطور غاية – لا – له غاية، لكنها غائية حدثت بصفة آلية. حول هذا الموضوع، اخترع ماير عبارات، سوف تَعرِف شهرة كبيرة مثل عبارة “القصدية الآلية”. تتوفر في هذا النموذج كل مظاهر القصدية لكنها تبقى فقط مظاهرًا، لأن تنفيذ البرنامج الوراثي في الخلية يقع آليا ويشتغل مثل برنامج الحاسوب، يعني دون قصد أو بقصد آلي بواسطة آلة الخلية لتركيب وصنع البروتينات. قِسْ على ذلك تطوّر أو عمل الكائنات الحية الذي نستطيع فهمه وتفسيره بالتنفيذ الآلي البسيط للبرنامج الوراثي دون اللجوء لقصد أو نية مسبقة روحانية أو فكرية. يحاول ماير تجاوز الغائية الروحانية التي تحدد هدفا مسبقا للحياة بفكرة أن الهدف موجود ماديا وآليا في الحمض النووي لكن غير مقصود روحانيا أو ما ورائيا.

المقاربة الثانية تتمثل، حسب ماير أيضًا، في “البيولوجيا التطوّرية”، التي لا تبحث في كيفية عمل أجسام الكائنات الحية بل تسأل لماذا هم هكذا يشتغلون كما هم يشتغلون؟ لا يجب أن نحمّل هذا السؤال صيغة غائية مِثل: من أجل ماذا هم هكذا؟ بل نترجمه إلى السؤالين التاليين: كيف حصل هذا؟ كيف تمت الأشياء بهذه الصفة؟ يتعلق الأمر إذن بالجانب التاريخي للبيولوجيا ويستحضر ماير أكيدا النظرية الداروينية الجديدة الكلاسيكية القائلة بـ”التحول النوعي” و”الانتقاء الطبيعي”. التطور البيولجي هو الذي ينتج كائنات حية غائية في ظاهرها لكن هي ليست كذلك حقا لأنها تشتغل بواسطة برنامج وراثي مسبق.

هذا ملخص لأسس “براديڤم” قائم الذات هو براديڤم “الكل وراثي” (Le tout génétique) وهو براديڤم يُدرَّس على نطاق واسع وقد حظي بتطوّر كبير وما زال إلى اليوم يتعزّز بصفة مذهلة. مع ذلك نلاحظ منذ أمد قصير نوعا من الإضعاف التدريجي لهذا البراديڤم. كيف نفسّر هذا التناقض؟
بغض النظر عن ضعفه المفاهيمي، الذي سوف نرجع إليه في مقال آخر، لقد أثبت استغلال هذا الإطار من التفكير خصوبة علمية عالية وسمح بتطوّر خارق للعادة للنتائج التجريبية الحيوية. بلغ هذا الاستغلال قمته مع مشروع اكتشاف جينات الحمض النووي البشري (انخفض تقديرها العلمي في الـ46 صبغية الموجودة داخل كل خلية بشرية من 100 ألف جينة إلى ثلاثين ألف فقط سنة 2000). استغل هذا الاكتشاف بعض المؤمنين بالحتمية البيولوجية أو الوراثيين وقالوا لنا: ما دام كل شيء مكتوب في البرنامج الوراثي فيكفي أن نحل شفرته ورموزه حتى نفهم كل طبيعة الكائن الحي مهما كان، بكتيريا أو إنسان أو أي كائن حي آخر. من هنا أتت الفكرة الداعية لقراءة تسلسل المعلومات المبرمجة في الجينات حتى نكتشف – مثل قائمة معلومات في برنامج حاسوب – منطق طبيعة تنظيم الجسم البشري.
يبدو أن الاستغلالَ المفرط لهذا البراديڤم هو الذي كشف عن ضعفه بنفسه وبدأت تتزعزع بجدية فكرة “الكل وراثي”. هذه الفكرة تقول أن كل أو جل تطوّر وعمل الأجسام الحية مقرر مسبقا ومكتوب في جينات البرنامج الوراثي في الحمض النووي لكل كائن حي. بدأت هذه الفكرة تعوض تدريجيا بنموذج أكثر تعقيدا. يرتكز هذا النموذج الجديد على جملة من الأفكار كالتفاعلات والتأثيرات المتبادلة بين الوراثي، الذي لا ننكر دوره المركزي، وبين ما “ما بعد الوراثي” (L`épigenèse) الذي بدأنا نتلمّس أهميته. هل يبشر هذا الانزلاق الفكري بولادة براديڤم جديد؟

2. براديڤم “ما بعد الوراثي” (L`épigenèse)
في مارس 1997، نشرت مجلة “طبيعة بيوتكنولوجيا” مقالاً ممضى من قِبلِ أستاذ البيولوجيا الخلوية والجزيئية بجامعة بركلاي، ريشار سترومان. المقال أثار قليلا من الضجة، كيفما يشير إلى ذلك العنوان “الثورة الكونيانية القادمة في البيولوجيا”، وكما ورد أيضا في العنوان الفرعي للمقال “ما بعد الوراثي ونظرية التعقيد”، يحلل فيه سترومان ويقول: يتكون هذا البراديڤم المنبثق والجديد، من مفهومَيْ ما بعد الوراثي والتعقيد (La complexité) ويضيف إليهما مكونًا ثالثًا أو مفهومًا ثالثًا، مفهوم “التنظيم الذاتي” (L`auto-organisation).
لقد انبثقت البيولوجيا الجزيئية (La biologie moléculaire) من شَلاَّلٍ رائعٍ من الاكتشافات وأوجدت خلال بضع سنين حلولا لسلسلة من المشاكل الكبرى تخص الحمض النووي الحامل المادي للجينات وتركيب البروتينات بجميع مراحله الوسيطة. لكنها وقعت في خطأ نظري وإبستومولوجي يتمثل في اعتقادها تفسير كل الوظائف الخلوية اعتمادا على هذا الجزء الأساسي من المعلومات الجديدة وقد جرّنا هذا التوسع الفاحش إلى تمشّيات مغلوطة أفضت بدورها إلى سيطرة براديڤم “الكل وراثي”. رغم أن البراديڤم الجديد الذي سُمى “ما بعد الوراثي” عرف كيف يصلح البراديڤم السابق “الكل وراثي” ويكمّله بإضافة تمثلات أكثر تعقيدا تدخل في حسابها آليات ما بعد الوراثي في عمل وتطور الكائنات الحية، لكن وللأسف لقد سبقه براديڤم “الكل وراثي” وأرسي عديد المعتقدات غير العلمية في المجتمعات العلمية، نستحضر من بينها على سبيل الذكر لا الحصر، المعتقد المركزي المتمثل في التفسير الخطي البسيط لمراحل صنع البروتينات من جينة إلى أنزيم إلى وظيفة أو صفة خلقية. نعلم منذ وقت طويل أن هذا التسلسل المبسّط المكتشف لدى الكائنات غير مكتملة النواة (Procaryotes) كالبكتيريا لا يصلح لتفسير نفس الظاهرة عند الكائنات مكتملة النواة (Eucaryotes) كالإنسان: قد تشارك عدة جينات أو مورّثات في التعبير عن صفة واحدة من الصفات الخلقية أو قد يساهم جين واحد في التعبير عن عدة صفات وراثية كتحديد الفصيلة الدموية مثلا. ونعلم أيضا أن هذا التسلسل الخطي ذو الاتجاه الواحد، من الحمض النووي (ADN) داخل النواة إلى نسخته على شكل حمض نووي ريبي (ARN) داخل السيتوبلازم وصولا إلى ترجمة هذا الأخير إلى بروتينات مسؤولة عن الوظائف البيولوجية. براديڤم “الكل وراثي” لم يعد قادرا وحده على تفسير تركيب وصنع البروتينات داخل الخلية الواحدة مهما كان اختصاصها، عصبية كانت أو عضلية أو دموية أو جلدية أو قلبية أو شحمية أو رئوية أو كبدية أو عظمية أو غيرها. نواجه هذا النموذج الخطي الناقص بنموذج أفضل يتكون من علاقات رجعية ذات اتجاهين وليس اتجاه واحد: الجينات تتدخل في صنع البروتينات والبروتينات بدورها تؤثر على عمل الجينات، تنبثق الوظيفة البيولوجية ليس فقط من بروتين واحد وإنما من التفاعل الذي يتم بين عدة بروتينات، كل هذه الشبكات من العلاقات المعقدة التي حدثت في السيتوبلازم ترجع وتؤثر من جديد في عمل الحمض النووي داخل النواة وفي عمل نسخته من الحمض النووي الريبي داخل السيتوبلازم. بصفة عامة، نلاحظ بروز براديڤم واعد يجدّد الاعتناء بـ”الجزيئات الناقلة للمعلومات” ولا يختزلها في جينات الحمض النووي فقط، مثل جينات الحمض النووي الريبي أو جينات العضيّة الخلوية المتخصصة في التنفس الخلوي وإنتاج الطاقة (Les mitochondries) أو جينات في السيتوبلازم أو في البروتينات. ينتقل إذن مركز الاهتمام والثقل من براديڤم “الكل وراثيّ” (حيث يُختزل كل شيء في المصدر الأصلي أي الحمض النووي) إلى براديڤم “ما بعد الوراثي” (حيث التحليل أصبح أكثر تعقيدا مما يجبرنا على إقامة حلقات من العلاقات الرجعية، علاقات تنطلق من “أ” نحو “ب” ثم ترجع نحو “أ” في كل مرحلة من مراحل صنع البروتينات بين الحمض النووي والبروتينات وبين البروتينات والوظائف البيولوجية).

المصدر: كتاب “نهاية الكل وراثي”، هنري أتلان، مطبعة إينرا، باريس 1998، 91 صفحة. ترجمة مواطن العالم محمد كشكار، دكتور في إبستمولوجيا تعليم البيولوجيا (جامعة كلود برنار-ليون 1 بفرنسا، 2007)