رأي

الثورة، الشعب، الجمهورية، الحرية….في المزبلة !!!

هكذا تحول جامعة الجزائر أرشيف وتاريخ الجزائر

مراد سيد علي

تساءلت كثيرا عن سبب سكوت القائمين على شؤون تاريخنا عن الأرشيف الوطني الخاص بالثورة الموجود في فرنسا ،لكني قلت في قرارة نفسي (وخارجها ) ربما هم يُحضرون لشيء يخدم قضية استرجاع الأرشيف …وفرحت حينما سمعت أن التعديل الدستوري يهدف ” إلى ترقية كتابة التاريخ وتعليمه للأجيال الناشئة مع التأكيد على أن الدولة هي الجهة المخولة بهذا العمل ، كما يرمي التعديل إلى تضمين الدستور نصا يؤكد على ترقية كتابة التاريخ وتعليمه للأجيال الناشئة بصفته ملكا يتقاسمه جميع الجزائريين لحفظ وتخليد الذاكرة الجماعية للشعب الجزائري وتعزيز المبادئ التي قامت عليها الأمة الجزائرية ” كلام جميل لا يفهمه إلا من أبى .
وزادني ارتياحا تعليق الأستاذ المحترم محمد القورصو الرئيس السابق لجمعية مجزرة الثامن ماي 1945 على التعديل بقوله “إضافة مادة في الدستور الجزائري لحماية رموز الثورة كانت ردا على كل من يحاول المساس بالثورة الجزائرية من أي شخص ومن أي جهة كانت – ونضع سطرين على من أي جهة كانت -” كما اعتبر القورصو التعديل ردا على النائب نور الدين آيت حمودة ورد على القانون الفرنسي الممجد للاستعمار” .”
كم هو جميل هذا الكلام خاصة حينما يصدر من شخصية لها باع كبير في كتابة التاريخ الوطني والتحقيق فيه ، وقلت مسليا نفسي أن الأرشيف الموجود في فرنسا سيعود بفضل هذه الجهود الجبارة وتذكرت قول السفير الفرنسي للصحافة يوما ” لم نتلقى أي طلب رسمي من الجزائر بخصوص الأرشيف ” هذا يعني أن عملية تسليم جزء من الأرشيف الموجود في فرنسا للتلفزيون الوطني ومتحف المجاهد ما هو إلا مبادرات من جانب فرنسا العجوز تحاول من خلالها تدعيم أواصر “الصداقة والمحبة بين الشعوب “…ياو فاقوا …
ولن أخونكم بإرهاصات كانت تجوب أرجاء فكري حول ما يمكن أن يكون في الأرشيف الذي نريد استرجاعه من فرنسا والذي يحمل في طياته معالم مرحلة مهمة من تاريخ الجزائر …(الماضية) والذي يمكن أن يتضمن مواد سمعية بصرية ومكتوبة كالوثائق والجرائد التي صدرت في تلك الحقبة والتي تعتبر مرجعا هاما للحقائق والوقائع التي ميزت فترة ما قبل 1962 ،ولعل العالم التاريخي القورصو يعرف أهمية الصحف في التأريخ لحقبة زمنية معينة وهذا ما تدل عليه مؤلفاته التي استند فيها إلى الجرائد الفرنسية التي كانت تصدر في تلك الفترة بالجزائر.
ثم لماذا لا نستفيد من مثال حي آخر وهو كتابة تاريخ جمعية العلماء المسلمين وكتابات الشيخين البشير الإبراهيمي وإبن باديس ،ألم تلعب جريدتي البصائر والشهاب والأمة… الدور الكبير في حفظ هذا التراث الإنساني العظيم، ونقلت لنا مآثر العلماء ومنحتهم وجودا عظيما في ذاكرتنا الجماعية.
ربما وجدنا قليلا من ذاكرتنا الماضية أي قبل 1962 لكن من يحفظ لنا ذاكرة ما بعد 1962…؟؟؟ لماذا تعتبر مؤسساتنا الحاضر مجرد مرحلة لايجب الوقوف عندها أو استرجاعها للعبرة والتفكر ولتفادي الأخطاء …؟؟؟لماذا إنجلترا والولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا … تولي إهتماما بماضيها وحاضرها ومستقبلها بينما نحن لم نحصل على كل الماضي ونفرط في الحاضر و لا نستطيع التفكير في المستقبل … ؟؟؟
هذه الأسئلة هجمت علي ذات عشية من يوم 16 من شهر الثورة نوفمبر بعد أن توجهت على عادتي وعلى غير عادتي إلى كلية العلوم السياحية والإنغلاقات الجوية وغيوم الإعدام والإنفصال…أبحث عن أستاذ أحترمه لفقره وصمته وغيابه المستمر عن الكلية …وأمام مكتبة قسم الإعلام أثارت إنتباهي أجمل وأروع “مزبلة” رأيتها في حياتي ،إنها مفرغة الكلية أو “مفرغة واد سمار الكلية” وأعتقدكم غير مستغربين من هذا لأنه شيئ عادي في مؤسسة خرج منها سياسيون وإعلاميون وعلماء في الإعلام و… وتخيلت نفسي فيصل القاسم في الإتجاه المشاكس في الجز(ا)يرة ،وتوالت الأسئلة وأنا أمسك دهشتي في رأسي ….
صدقوني… الشعب، الثورة، الجمهورية، الحرية، الصحافي…المساء، الدعوة الإسلامية، أخبار العرب، LE MONDE، المنبر، EL MOUDJAHID، المنقذ، النصر،الخبر،الوطن ،الشروق … الكثير من المجلات و الدوريات وأوراق النقاط الخاصة بالطلبة القدامى وربما الجدد.
إنه تاريخ من الأفكار و الأحداث منذ 1962…،إنه ذاكرة في مزبلة الكلية ، لم أتمالك نفسي أمام إغراء العناوين و أمام اللون الأصفر للجرائد وحجمها الكبير “تابلوايد” والكل ينظر إلي كأني مجنون أو متشرد أو …أبحث عن شيئ مفقود …؟؟؟
تصوروا أني ذهبت إلى غاية 30 مارس 1969 على كبوة مجلة المجاهد كان عددا غنيا ب 50 صفحة تكتب فيه أقلام ذات وزن غليظ وعريض أمثال أحمد بن علو ، لخضر ضرباني ،حسن بهلول ، الدكتور أبو العيد دودو ،عبد الله شريط ،عمر البرناوي…
المواضيع تراوحت بين المحلي والدولي أهمها روبورتاج بالصور عن الصحراء الكبرى ومشاكل التنمية …وحديث عن الدعايات المغرضة ضد (البقرة الحلوب) سوناطراك؟ ويكتب الدكتور أبو العيد دودو عن الشاعر الألماني فريديريك هولدن ،ونجد في العدد نفسه حديثا عن الدورة الأولى للمجلس الإقتصادي والإجتماعي حينما كان “جهازا فعالا يساعد السلطة على تطبيق سياستها الإقتصادية والإجتماعية والسعي لإيجاد سياسة واضحة المعالم في ميدان الأجور والأسعار يخفف الكثير من أعباء النمو(هكذا وجدتها..)…وغيرها من المواضيع الرائعة وغير الرائعة … ولن أعلق”
وأنا أنقب عثرت على جريدة الثورة السورية التي تحمل شعار وحدة حرية اشتراكية ،وهي تحوي العديد من الأخبار الدولية العربية خاصة ماتعلق منها بالصراع العربي الإسرائيلي …
عامين من اعتلاء زين العابدين بن علي “لا كرم الله وجهه” رئيس تونس الدائم حتى في تسريحة شعره الذي لم يتغير لونه ولا طعمه ،تتحدث عنه جريدة” الحرية ” لسان حال التجمع الدستوري الديمقراطي بكل فخر و اعتزاز جاعلة منه منقذ تونس ومحررها من الأفكار والتقاليد البالية ،متجاهلة بورڤيبة الذي لم يعرف قبل عامين من هذا العدد أنه سيكون في منفى لا يختاره ولا يُفرض عليه ….
جريدة الشعب في عدد يوم 8 ماي 1991 تقدم للقراء مناظرة بين السيد عبد الحميد مهري الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني سابقا و السيد عباسي مدني رئيس ما كان يعرف بالجبهة الإسلامية للإنقاذ وهي منقولة عن التلفزيون حينما كان تلفزيونا يقدم الرأي والرأي الآخر وحينما كان هناك من يجيد فعلا فن الكلام والمجادلة ،المناظرة تحمل الكثير من الدلالات السياسية ،وأعتقد أنها منقولة للتأثير على الرأي العام الذي فاته متابعتها في التلفزيون خاصة الأفة لاني لفت انتباهي جزء من الحوار فمهري يقول لعباسي “يجب أن تكون الإنتخابات على مقاس الشعب لا الأحزاب ” وعباسي ( يخشن في راسه ) ” إما قبول شروطنا وإما الإضراب ” ومن بين الشروط هي أن تنظم الإنتخابات التشريعية والرئاسية (ضربة وحدة)،وقرأت باستغراب قول عباسي “أنه كان رجل إطفاء في الأزمات التي تقوم بين بعض التنظيمات والحكومة… ” المهم المناظرة تحمل الكثير من البذور التي زُرعت لتُخرج نباتا غير طيب وهو الإرهاب… فرغم أني لست آفة لانيا أو فيسيا ( من فيسي wc أكرمكم الله ) إلا أني لمست في كلام مهري حكمة وتعقل ورغبة في توريط الخصم …أما مداني غير المدني فتقرأ في كلامه دعوات إلى الخروج والعصيان في حال لم يتم الرضوخ إلى شروطه ولو على حساب الأحزاب ومؤسسات الجمهورية وبعض الشعب … الوثيقة ذات أهمية كبيرة لدارسي هذه حقبة 1991 وما تبعها من أزمات …
في الصفحة 11 تقدم الجريدة حوارا مع المفكر العربي ” برهان غليون ” يعبر فيه عن خشيته من أن يؤدي الخوف على الديمقراطية إلى إجهاضها ” وبالفعل أجهضت الديمقراطية ليس بالخوف عليها ولكن بالخوف منها ….”
في عدد آخر صادر بتاريخ 27 سبتمبر 1993 جاء على صدر الصفحة الأولى أن وزير الإتصال محمد مرزوق أنذاك يلتقي بمسؤولي المؤسسات الإعلامية ليبحث معهم سبل “الشفافية في التسيير وتيسير الوصول إلى مصادر الخ”ـبر ” عرفت من خلال هذا أن كل وزراء الإعلام والإتصال إلى غاية بوكرزازة يبحثون في القضية نفسها وهي الوصول إلى مصادر المعلومات وربما سيبقى الأمر كذلك مع الشاعر الهمام ميهوبي…”
ولازلت أغوص في العناوين حتى شدني عدد من جريدة “المنقذ ” لسان حال الجبهة الإسلامية للإنقاذ “الفيس” المحظورة ،جاء على صدر الصفحة الأولى من العدد الأول وبالبنط العريض مكتوبا ” نداء إلى الشعب الجزائري ” وهو عبارة عن بيان موجه للمواطنين بمناسبة إعتماد الفيس ” تدعو فيه الشعب إلى الوقوف إلى جانبها …” ويضيف البيان موجها للقارئ نداءه ” …نشعرك بالمسؤولية الخطيرة وأنها مشتركة إذ تتطلب الدعم المادي والمعنوي …” وتستحضر في ختام البيان الآية الكريمة ” “انْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ” التوبة 41…”وأنا أقرأ هذا النداء شعرت شعورا غريبا وكأن هناك مؤامرة تحاك ضد الأمة وأن FILS LE الإبن غير الشرعي للديمقراطية على الطريقة الجزائرية ،هو المنقذ من خلال جريدة المنقذ …وهنا عرفت جزءا من أسباب الفتنة التي أصابت الجزائر 10 سنوات وتزيد…
الكل ينظر إلـي البعض استهجن الأمر والبعض اعتقد أني مجنون والبعض وقف يصور والبعض عبس وبسر ثم أدبر واستكبر وأنا لا أرفع رأسي خشية تضييع عنوان حتى وقعت عيني ويدي على جريدة “المنبر” نصف شهرية لسان حال الجمعية الشعبية للوحدة والعمل لصاحبها المهدي (غير المنتظر) عباس علالو المعلول بقضية التطبيع الجزائري مع إسرائيل ولمن لا يعرفه يسأل عنه الأستاذ الصادق سلايمية ، المهم وجدت في ثنايا الجريدة حديثا عن الإسلام والمسلمين واستغربت لوجود علالو وسط علماء مسلمين “ملتحين ” وهو يحمل صلعه “ومستاشه – شلاغمه- ” شنباته ،وفي هذا العدد الصادر في جانفي 1992 نجد تغطية لوقائع الملتقى العربي الإسلامي الذي نظمته الجمعية تحت عنوان “الإسلام دين ودنيا ” أو كما نقول بالعامية “شوية لربـي وشوية ل”ڤلبـي ” وكل شيئ حسبهم إذا اختلط بالدين فإنه يصبح مباحا …ولازلت أنقب… !!!”
ولم أجد الوقت كافيا للتقليب والتنقيب ورغم ذلك وجدت أناملي تداعب صفحات أول جريدة كان يصدِرها قسم الإعلام والإتصال بالعاصمة إسمها “الصحافي” وهي مجلة دورية يصدرها طلبة السداسي الثامن “لم أفهم طلبة السداسي الثامن” تراوحت مواضيعها بين أخبار جامعة الجزائر والتعليم العالي في الجزائر وبعض المواضيع الأدبية ،الملفت هو الأقلام التي كتبت في هذا العدد الوحيد نجد المعلقة والصحفية بالتلفزيون الجزائري ورئيسة مكتب تلفزيون الخليفة نيوز سابقا السيدة صوريا بوعمامة ،أحمد فضيل “ربما من عائلة مدير الشروق ” ،محمد مرباح “ربما من عائلة قاصدي مرباح رحمه الله ” ،مسالتي العزيز ،رابح خذري ،لوصيف سهيلة ….
جريدة النصر يوم 16 مارس 1992 مع قدوم المرحوم محمد بوضياف من منفاه الإختياري إلى رئاسة الجمهورية ،تنشر له الجريدة على صفحاتها حوارا قام به مع مجلة “روز اليوسف ” المصرية صرح فيه ” جئت لإسترجاع هيبة الدولة ،وتسليم السلطة للشباب …كما دعى إلى احترام الديمقراطية و الإعتراف بالأحزاب ” بالإضافة إلى حديثه عن المحاسبة وإطلاق شعار من أين لك هذا ؟ (الجميل ) في الجريدة نفسها ملف حول محاكمة الوزير الأول الأسبق من جانفي 1984 إلى نوفمبر 1988 السيد عبد الحميد إبراهيمي بخصوص قضية 26 مليار دولار …ومازال الحال كذلك على ذلك وقتل أبو الضياف وجاء ضيفا ورحل صيفا ولم تسلم السلطة للشباب ولا أحد احترم الأحزاب ولا أحد تعرض للحساب .
أطرف ما قرأت في الصفحة الثامنة حوار مع مواطن يدَّعي أنه المهدي المنتظر والذي صرح أنه ” يحمل أكبر معجزة …وسيجعل من خنشلة قدوة للبشر..” ولن أعلق…؟؟؟
في الجريدة نفسها لكن في عدد آخر حديث عن أجواء اليوم الأول من حالة الطوارئ المفروضة في البلاد عقب توقيف المسار الإنتخابي وحل الفيس ، وفيه خطاب للرئيس الراحل محمد بوضياف يشرح فيه دوافع إعلان حالة الطوارئ…ولم تبرح حالة الطوارئ مكانها منذ أن قتلوا بوضياف إلى غاية كتابة هذه السطور …!!!
في أحد العناوين وجدت حديثا عن البطاطا وارتفاع سعرها ولجوء السلطات إلى الإستيراد من كندا كان هذا في نوفمبر 1993 والشيء نفسه حدث في 2007 …ولازال للبطاطا حديثها (والفاهم يفهم )….
جريدة المساء في عددها الموافق ل 18 ماي 1990 في صدر صفحتها الأولى عنوان كبير ” نيلسون مانديلا يحل ببلادنا ” ويصرح ” تلقيت تكويني العسكري هنا وجيش التحرير هو الذي جعل مني رجلا ” كان هذا في يوم كانت الجزائر قبلة للثوار بينما هي اليوم قبلة للصعاليك و(ماهر حسني ونانسي عجرم …) لأجد في عدد آخر عنوانا بالبنط العريض ” جنوب أفريقيا ثلاثة قرون من الأبارتايد تطوى “….
وللألم بقية… لكني لن أزيد على هذا لأنني لو كنت أملك شيئا من المواطنة لرفعت دعوى قضائية ضد كلية العلوم السياسية والإعلام ،ولشكلت منظمة للدفاع عن التاريخ في الصحافة الوطنية …لكن عندما أتذكر أن المعهد الذي درس فيه آلاف الصحافيين ويزاول فيه الدراسة آلاف مشاريع صحافيين ،و به أساتذة مثل السعيد بومعيزة و تمار وبوخنوفة و بوكروح… والأدهى والأمر أن يكون عبد العالي رزاقي صاحب الكتابات الجميلة ساكتا على هذه الجريمة …!!!
فلماذا أكون مواطنا أدافع عن تاريخ أمة في صفحات صفراء باهت لونها لا تسر الناظرين فلست أفضل من رزاقي ولا بوعقبة ولا أساتذة العلوم السياسية والإعلام …للإشارة فقط المزبلة الصحفية بقيت أكثر أسبوع كامل في مكانها وربما لازالت ولا أحد تحرك أو كتب على المهزلة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق