دراسات و تحقيقاتمجتمع

التطرف …. حالة نفسية ..

التطرف:  هل هو نتاج شخصية  محددة أم منهج فكري أكثر منه حاجة نفسية ؟

 

 خيذر بلقاسم

خبير ومستشار في إدارة العلاقات العامة

 

 

 

اعتادت المجتمعات العربية التعامل مع  الظواهر الإجتماعية الجديدة سلبية كانت أم إيجابية من خلال دراسة جوانبها السياسية و الإجتماعية والاقتصادية، إلا أن الجانب النفسي لم يتم اعتباره بشكل كاف رغم أهميته وإذا تم إدراجه غالبا ما تكون عبارة عن جوانب اجتماعية.

سنقوم في هذا المقال محاولة تفعيل الجانب النفسي بتسليط الضوء على ظاهرة التطرف من التطرق إلى تعريفه؛ من هو المتطرف؛ وهل هناك ما يسمى بالشخصية المتطرفة؟ وهل هناك سمات محددة للشخصية المتطرفة؟ هل التطرف استعداد جيني لدى الفرد أم نتاج لظرف اجتماعي أو سياسي؟ فمن خلال هذه الورقة سنوضح بعد تعريف التطرف تقديم قراءة في أنماط الشخصيات لمراجعة هل فعلا التطرف هو نتاج شخصية محددة، لان الشخصية بذاتها لا تُكوِّن تطرفاً، لان التطرف منهج فكري أكثر منه حاجة نفسية، والتطرف فكر بذاته  ينتقيه أفراد وينجذبون إليه لأسباب اجتماعية بشكل أساسي.

ما هو التطرف؟

في البداية، يمكن القول إن التطرف حالة نفسية مرضية تصيب الفرد أو الجماعة. وأصحاب الفكر المتطرف والسلوك التدميري لديهم توجهات وقناعات فكرية معينة لا يرغبون في التخلي والتنازل عنها ومناقشتها مع الآخرين، كما أن الفكر المتطرف نتاج خلل في وسائط التنشئة الاجتماعية، وقد يساعد في نشوء التطرف تزايد فوضى الثقافة والفتاوى العشوائية، خاصة خطب بعض الوعاظ التي تحتوي على أفكار تدعو وتحرض على رفض وكراهية الآخر.

إن تعريف التطرف من الناحية اللغوية مختلف تماما عن المعنى الذي يحياه أغلب الناس في مجتمعاتهم، فهي في المعنى اللغوي تدور حول المبالغة والإفراط وتجاوز حد الاعتدال، أما في التعريف السياسي للمصطلح، فيختلف من دولة لأخرى، فالجماعات التي تعتبرها بعض الأنظمة جماعات متطرفة، أباحت لنفسها كثيرا من الممارسات تحت مسميات، حتى وان كان باطن بعض هذه الممارسات تطرفاً.

والتطرف من وجهة نظر التحليل النفسي، سواء بوصفها انحراف وظائف العقاب للأنا الأعلى أو بوصفها تكوين عكسي ضد الحقد والكره والحسد أو الخجل، أو بوصفه نكوص جمعي عند وجود تهديد بفقدان التعاضد الجماعي –فإن ما يستثير الإحساس التعصبي شخصياً، يظل دائماً الشعور بتهديد الهوية. فالناس يستجيبون بتعصب خصوصاً عندما يتم الاعتداء على قيمهم الأساسية أو ولاءاتهم أو اتجاهاتهم الدينية أو التقليل من قيمتها. عندئذ سرعان ما تنفجر أنماط الاستجابات الراسخة في التطور العرقي phylogénétique وبكلمات التحليل النفسي فإن الأنا في مواقف الخوف الشديد والخجل أو الغضب ينقلب إلى مستوى الوظائف الدنيا للموقف الزوري (البارانويدي- الفصامي)، ويقسم العالم، وأحياناً بطريقة عشوائية كلية إلى فئات خيرة وفئات شريرة. وكل ما هو إيجابي وحقيقي وموثوق يتم حصره بالذات أو في الإطار الداخلي للجماعة الخاصة؛ في حين يتم إسقاط كل ما هو متناقض ومهدد نحو الخارج على قوى الشر العميق، التي يتم تحميلها مسؤولية الشر كلها، التي تعد مقاومتها الحاسمة الخطوة الأولى من أجل ترميم ضياع الهوية المشلولة. ومثل هذه الاستبدادات البين نفسية تنتمي في تعكرنا المزاجي وعنادنا إلى الحياة النفسية الطبيعية.

والتطرف من الناحية المعرفية العقلانية والعاطفية، هو: ” انحراف فكري، حيث تحرف المبادئ عن معانيها، بل وربما تُعطى قيمة عكسية أيضا، فالقتل متاح لأنه يخدم أغراض التطرف وأهدافه وفكره، ومادام يخدم ذلك فإنه أمر مباح في نظر المتطرف، لأن ذلك الانسان يرى أنه يحمي حق الله في هذا المجتمع والذي أهمله الآخرون.

من هو المتطرف؟

   المتطرف هو إنسان انحرافي التفكير، ووجداني في أساسه، يتجنب الوقوع في الخطأ بل ويخاف من ذلك، ونتيجة لهذا فذلك الإنسان يتجنب من هم على غير شاكلته، ولا يتحاور معهم بل ويرفضهم تماما.

كما أن المتطرف في العادة يمر بتشكيل نفسي جديد، والمتطرف أيا كان، يمر بإعادة تشكيل نفسي، حيث يعزل عن بيئته ومجتمعه ثم يعاد بناؤه من جديد بفكر وسلوك متطرف، ومن هنا كان من الصعب تحديد تعريف للتطرف، فهو ينبع بالأصل من أهداف شخصية، ومن أقوال سيدنا علي رضي الله عنه” من أطاع هواه هلك”.

الناحية الشخصية:

هي سلوك متأصل في نفس الفرد مستمد من موروثه الجيني والتربوي يتميز به كل فرد عن من سواه. بمعنى أن هناك استعداد جيني لدى الفرد لانتهاج سلوك معين في الحياة يتزاوج مع أسلوب التربية في فترة الطفولة والمراهقة فينتج الفرد بسماته المختلفة (مثلا: حساس، شكاك، عنيف، نرجسي، متردد…الخ)، ولا يقتصر التأثير غير الجيني على أسلوب تربية الوالدين وإنما تتأثر شخصية الفرد بأفكار المجتمع المحيط به، وحاليا بأفكار العالم الواسع الكبير، حيث تم التأكد من خلال دراسات أن أن التوأمين المتخلقين من بويضة واحدة وتربيا في نفس البيئة لم تكن لهما نفس نمط الشخصية. كما ان للبيئة أثر فمثلا لو أتينا بطفل امريكي و تربا في مجتمع جزائري لنشأ جزائري الفكر والسلوك، فحين تختلف عنه شخصية اخوه الموجود بأمريكا و عاش في امريكا أيضا.

ما المقصود باضطراب الشخصية غير السوية؟

هي نمط من السلوك والخبرات الشخصية لدى الفرد تختلف وتشذ عن ما يتوقع من مثله في مجتمعه ويتمثل ذلك في: غرابة طريقة تفكيره في ذاته والناس و الأحداث من حوله، أي في طريقة تقويم الاحداث والمواقف؛ عدم اتزان مشاعره وانفعالاته (المشاعر ليست متناسقة مع الحدث إما زيادة أو نقصانا)؛ اضطراب القدرة في ضبط الذات وفهم حاجاته وواجباته مقابل حاجات الآخرين؛ اضطراب تعامله مع من حوله، نظرا لانطلاقه في ذلك من سمات شخصيته (مثال: الشك الشديد، التشاؤم الشديد، الحساسية المفرطة …الخ). ويتمثل اضطراب الشخصية في تدهور إنتاجية الفرد الوظيفية أو الزوجية أو الاجتماعية أو الدراسية. وتزداد درجة التدهور تلك كلما كانت الشخصية مضطربة بدرجة أكبر.

ما هي انواع الشخصيات غير السوية؟

حسب التعريف الطبي النفسي، فإن أنواع الشخصيات غير السوية تتمثل فيما يلي: سنقوم باستعراض سمات هذه الشخصيات استعراضا مبسطا ونحاول ان ننظر في خفاياها بحثا عن سمات التطرف ثم نخلص إلى التساؤل التالي: هل التطرف مرده إلى اضطراب نفسي محدد أم هو منهج فكري نتيجة التعامل مع متغيرات سياسية او اقتصادية أو اجتماعية؟ ومما يجدر التنبه إليه هنا هو أننا لا ندرس سيكولوجية التطرف كسلوك، وإنما ندرس ذات الشخصية، فكان لزاما أن نكون واضحي الهدف، لذا قد تجنبنا الحديث عن مجموعات التطرف، وكيف تتشكل، وما هي سمات سماتها.

  • الشخصية الفصامية: تتسم هذه الشخصية بالإنطوائية و العزلة والإنفصال عن الواقع وعدم الرغبة في العلاقات الحميمية، والميل إلى الأنشطة والهوايات الفردية ولا يتأثر عادة بنقد الآخرين كما يتصف ببرودة المشاعر و الانفعالات. ونظرا لسمة العزلة الأساسية في هذه الشخصية، لذا فإن أصحابها لهم أساليبهم التفكيرية الخاصة، لأنهم يستمدون أفكارهم مما يقرءونه ومما تملي عليهم آراءهم أكثر من تواصلهم مع الآخرين لأن البنية النفسية لديهم لا ترغب في الاختلاط بل تستمتع في الوحدة. ومنه فليس من المتوقع أن تسلك مثل هذه الشخصية سلوك التطرف، لكن لانعدام تواصلها مع الآخرين بحد كاف يسمح لها بمراجعة ما تحمله من أفكار ربما تقع في شيء من التطرف خصوصا إذا توافر المناخ الاجتماعي الملائم.
  • الشخصية شبه الفصامية: تتسم بغرابة الأطوار واضطراب إدراك الواقع وعدم سلوك نمط محدد في حياته، بل لا يتنبأ بما قد يفعل أو كيف يفكر في أي مستجد. أفكاره خيالية بعيدة عن الواقع كما ان سلوكياته شاذة عن مثل من يحيا ظروفه. هذا الفرد في العادة واضح الإضطراب للآخرين، إلا أنه قد يتلَّبس فكرة معينة وينافح من أجلها مهما كانت غريبة. هذه الشخصية قد تتطرف لكن الإضطراب الواضح في جوانب حياتها الأخرى يجعل من حولها يدرك أنها مضطربة، اللهم إلا حينما ينقص الوعي والإدراك فيمن حولها أو يكون شذوذها الفكري في فكرة أصلها صحيح.
  • الشخصية الشكاكة (المرتابة): تتسم هذه الشخصية بالشك دون وجود ما يدعم ذلك الشك سوى الظنون التي لا تعتمد على حقيقة. هذا الفرد يكون مشغول البال باحتمال عدم استمرار ولاء رفاقه وذويه له وما مستوى الثقة التي يجب ان يعطيها لهم ويرى أن الآخرين لا يرون حقيقة ما يحاك له، كما انه يتجنب العلاقة الحميمية لاعتقاده أن ما يقوله لغيره قد يستخدمه ضده إضافة إلى أنه لا ينسى أخطاء الآخرين ولا يغفرها لهم ويسعى إلى قراءة المعاني الخفية للحوادث بدرجة تثير توتر من يتعامل معهم من الناس ويربط الأحداث ببعضها بشك شديد،  فهو دائم البحث عن ما يريح شكوكه. هذه الشخصية ربما سلكت التطرف، بسبب الشك المتغلغل فيها ويزداد الشك فيها كلما ازداد عدم الوضوح في الظروف الاجتماعية أو الأنظمة السياسية التي يحياها.
  • الشخصية الحدية: نفسها ذات بعد واحد، فيها التطرف الشديد في التفكير والمفاهيم حيث المثالية الشديدة ثم الخروج من القيم ثم العودة ثانية إلى المثاليات. هو متطرف في علاقاته مع التقلب خلال ساعات أو أيام بين الحب المفرط والبغض المفرط لذات الآخر. عنده اضطراب في تصور الذات كما أنه فجائي في تصرفاته ويتسم بعدم الاستقرار في المشاعر والانفعالات التي تسبق عادة أفكاره. يشعر بفراغ الذات وعدم وضوح الهدف وعنده ضعف في القدرة على ضبط نوبات الغضب. هذه الشخصية عرضة للتطرف، بل هي في ذاتها التطرف، إلا أنها متقلبة، ولذلك لا تستمر عادة في تطرفها، بل تنقلب في الاتجاه المضاد عند أي تغير انفعالي دون الحاجة إلى إقناع فكري.
  • الشخصية النرجسية: شعور غير عادي بالعظمة وحب وأهمية الذات وانه شخص نادر الوجود أو انه من نوع خاص فريد لا يمكن أن يفهمه إلا خاصة الناس. ينتظر من الآخرين احتراما من نوع خاص لشخصه وأفكاره، وهو استغلالي، ابتزازي، وصولي، يستفيد من مزايا الآخرين وظروفهم في تحقيق مصالحه الشخصية، وهو غيور، متمركز حول ذاته، يستميت من أجل الحصول على المناصب لا لتحقيق ذاته، وإنما لتحقيق أهدافه الشخصية. هذه الشخصية قد تتطرف لاقتناعه بفكرة التطرف وإنما لما قد يحصل عليه من أثر دنيوي من ممارسة تلك الفكرة وسرعان ما يتخلى عنها إذا ما وجد مصالح الشخصية في فكرة أخرى بغض النظر عن صواب تلك الفكرة من خطئها (إنه التمركز حول مصلحة الذات لا حول الفكرة). من هاته الشخصية يتولد احيانا قادة التطرف أكثر من الأتباع.
  • الشخصية الهستيرية: تكثر بين النساء بشكل خاص. يشعر الفرد منهم بعدم الإرتياح حينما لا يكون محط أنظار وتركيز الآخرين، لذا تجدهم يعتمدون على مظاهرهم في شد انتباه الآخرين (نظراً لنقص الجوهر) ويسعون لنيل الإعجاب دون تقديم أي أمر ذي عمق أو فائدة، مشاعرهم سطحية وعندهم قابلية شديدة للإيحاء. هذه الشخصية قد تتطرف لكن نظرا لعدم نضجها وسطحية عقليتها وقصر مدى التحمل لديها، فإن تطرفها يستمر متى استمر محط انتباه الآخرين أما حين ينقص اهتمام غيره فإن فكره يتبدل بحثا عن ما يشبع حاجته إلى أن يكون محط اهتمام غيره، و لذا فإن نسبة التطرف فيها نادرة.
  • الشخصية السيكوباتية (الإجرامية-المضادة للمجتمع): تتصف بعدم القدرة على التوافق مع ضوابط و أنظمة المجتمع، وعدم التخطيط المستقبلي والفجائية في التصرفات، كما أنها عنيفة، مخادعة، غير مسئولة وتتصف بعدم التعلم من الخبرات السابقة أو الندم على الأخطاء. ومن هذه الشخصية يكون المجرمون في العادة الذي تخلو قلوبهم من الرحمة. كما أن بعضهم إذا كان ذكيا قد يتلبس صفة مثالية في ذلك المجتمع من أجل بلوغ أهدافه الشريرة. هذه الشخصية قد تتطرف إذا كان سلوك التطرف سيشبع حاجاتها الإجرامية من سرقة أو قتل أو نهب. ويتشكل التطرف عندها بحسب درجة الذكاء لدى ذلك الفرد. إلا أن ما يميز هذا الفرد عن الفرد الذي طرأ عليه التطرف، إن السيكوباتي مضطرب السلوك منذ صغره وليس فقط فكرا طارئاً.
  • الشخصية الوسواسية: تتصف هذه الشخصية بالإنشغال المفرط بدقائق الأمور، وعدم القدرة على التعامل مع روح النظام، و إنما التصلب في التعامل تقيُّدا بحرفية الأنظمة لا معانيها. وهذه الشخصية تبالغ في المثالية والإسراف في العمل بلا استرخاء،  وعدم القدرة على الاعتماد على الآخرين في إنجاز الأعمال، وانعدام المرونة والعناد في ذاته، كما تتسم عادة بالبخل والضمير الحي جداً لدرجة المرض ويبالغ في حفظ الأشياء غير المهمة. هذه الشخصية كسابقاتها ربما تطرفت بسبب الإفراط في دقائق الأمور أكثر من النظر إلى الكليات.
  • الشخصية الاعتمادية: يتصف بصعوبة إنجازه لقراراته وأعماله اليومية دون الرجوع المتكرر الممل للآخرين واستشاراتهم. كما انه لا يعارض الآخرين خوفا من فقدان عونهم ومساعدتهم، لذا فإنه قد يقوم ببعض الأعمال أو السفر لمسافات طويلة كي يحصل على دعم الآخرين. من الصعب على مثل هذا الفرد البدء في مشروع بسبب نقص الثقة لا نقص الطاقة. لا يرتاح للوحدة، ولذا فإنه يسرع في بناء علاقة حميمة أخرى (كمصدر للعناية به) عندما تنتهي علاقته الحميمية الحالية. لديه خوف مستمر، قلق من ان يترك ليتخذ القرار بنفسه. هذه الشخصية ربما سلكت التطرف إذا مكان من هم حولها متطرفون نظرا لنقص الثقة وعدم القدرة على الاستقلال بالرأي.

10-الشخصية التجنبية: يتجنب الفرد تلك المهام الوظيفية التي تتطلب تواصلا مع الآخرين؛ لذا تجده لا يختلط مع الآخرين إن لم يتأكد بانه سيكون محط قبولهم. هناك خوف مستمر من النقد في المحافل واللقاءات الإجتماعية وشعور بعدم الكفاءة، لذا تجده يميل إلى السكوت مع الآخرين. إنه شعور عام بالنقص. هذه الشخصية لا تسلك التطرف عادة لأنها لا تستطيع الإنضباط والإلتزام، لكنها إن سلكت التطرف، فلنفس الأسباب لدى الشخصية الإعتمادية.

11-الشخصية الإكتئابية: ترفض أي عمل أو أي نشاط بسبب كآبتها. تنظر بسوداوية إلى مختلف جوانب الحياة. إنها أعراض الإكتئاب حينما تتمثل في شخصية فرد طول حياته. هذه الشخصية ربما مارست التطرف بسبب نظرتها التشاؤمية وعدم وجود معنى للحياة.

12-الشخصية السلبية العدوانية: العداء للآخرين بشكل غير مباشر، ممارسة الضعف والتمسكن طريقا للتعدي على الآخرين. هذه الشخصية ربما تطرفت إذا كان هناك عائد شخصي وتعدي على الغير نتاجا لذلك التطرف.

13-الشخصية السادية: هي تلك الشخصية التي تستمتع بإيقاع الأذى الجسدي والمعنوي بالغير  وهي محط متعتها. لذا نجد أن تلك الشخصية تبحث عن الوظائف التي آذاها للآخرين عملا مشروعا. هذه الشخصية ربما تتطرف إن كان السلوك التطرفي يسبع حاجاتها في أذية الآخرين جسديا أو معنويا.

14-الشخصية المازوخية: هي تلك الشخصية التي تجد الراحة وتستمتع حينما يتعدى عليها الغير بالأذى الجسدي أو المعنوي، لذا تسعى ان تكون في مواطن أذى الآخرين لها. هذه الشخصية ربما تطرفت إن تم إشباع رغبة التعدي عليها وإيذاء الذات من قبل من حولها من مجموعة التطرف.

 

والسؤال المهم المطروح هو: كيف يمكن لعلم النفس أن يساهم في المساعدة في تحسين فهمنا للتطرف والإرهاب و غيره من سلوكيات عنيفة و تدميرية، وكذلك في منعه ومكافحته مبكرا؟

 

تلك المجتمعات تتشكل بعدد من المفاهيم التائية إذا صح التعبير، فنحن هنا أمام  تاءات متعددة: تاء التحريم وتاء التطرف، وتاء التكفير، وتاء التفجير وعجبا لاجتماع التاءات الأربعة، والعجب أيضا من تسلسلها في علاقة بعضها ببعض، حيث تدور كلها حول ذات المعنى وذات الإشكالية.

ولقد تم تقسيم التطرف من منطلق طريقة التفكير، فالتطرف قد يحدث في التفكير أو في المشاعر أو في السلوك، لأن الإنسان في حالته الطبيعية إما أن يكون فكريا عقلانيا، وإما أن يكون انفعاليا عاطفيا، وإما أن يكون سلوكيا، ولذلك إذا ما تطرف الإنسان فسيكون واحدا من الثلاثة السابق ذكرهم.

فإذا كان المتطرف فكريا، فهو يتبنى أفكارا معينة ولا يقبل أي نقاش فيها، ولا يصحبها بوجدان قوي، ولا يعيد التفكير فيها أصلا ولا يقبل رأي غيره في أفكاره.

أما إذا كان المتطرف انفعاليا عاطفيا، فهو يتصرف قبل أن يُفكر، وبعض الناس تكون انفعالاته عظيمة وهمه الأمة الإسلامية كما يزعم- كلنا لدينا ذلك الهم – ولكن القضية تأخذ تطرفها في مشاعره دون أن يرافق ذلك فكرة محددة أو سلوك محدد، ودون تمحيص فكري، أي أن تطرفه في المشاعر لا ينقلب لمشروع فكري ولا إلى سلوك محدد يحيى من أجله، وهو على عكس الإنسان السوي الذي يفكر ثم تأتي انفعالاته لاحقا.

وفي حالة التطرف السلوكي، يهتم المتطرف بسلوكيات ظاهرة ويبالغ في أثرها، كما يسعى إلى إجبار الآخرين عليها وقد يتعدى عليهم أيضا حتى يسلكوا ذات السلوك.

ومنه يمكن القول إن دراسة سلوكيات ومعتقدات وبيئات الأفراد المتطرفين والإجراميين، يمكن أن تفيدنا مستقبلا في منع ومكافحة التطرف. فأشكال السلوك التدميري للآخرين وللذات تكون متجذرة في شعور الفرد بالانقطاع عن العالم المحيط به، فعدم قدرة الفرد على التوافق والتكيف النفسي والاجتماعي والشعور بالاغتراب السلبي والعزلة، ومعاناته من مشكلات واضطرابات في العلاقات مع الآخرين، قد يدفعه ذلك إلى القيام بسلوكيات متناقضة ومؤلمة، من بينها العنف والسلوك التدميري تجاه الذات أو تجاه الآخرين، كما أن دراسة العلاقات العرقية والمعتقدات الخاطئة نحو المهاجرين والهجرة يمكن أن تكون من بين العوامل المنبئة بسلوكيات العنف والتدمير في المجتمع، فالأشخاص الذين يواجهون مشكلات في علاقتهم مع الآخرين وفهمهم أو صعوبات في اندماجهم في المجتمعات الغربية، يمكن أن يولد ذلك لديهم اضطرابات نفسية تؤدي إلى مآسٍ كثيرة.

أصحاب السلوكيات العنيفة والتدميرية والهدامة، لديهم أيديولوجيات وأفكار واحدة جاهزة من دون تمحيص وتحقيق، تخدمهم وتشجعهم على تنفيذ أعمالهم المتطرفة والتدميرية، إذ يقومون بتصميم وتخطيط وتنفيذ هجماتهم من دون حساب لعواقب ذلك، وفي حالة من الهدوء القاتل الذي يتميز بجمود التفكير وأحاديته، أي في اتجاه واحد، الأمر الذي يجعلهم في حاجة إلى علاج سلوكي معرفي Cognitive Behavioral Therapy لمواجهة وتغيير الأفكار والمكونات المعرفية والقناعات والمعتقدات والتصورات السلبية الخاطئة لدى هؤلاء الأفراد، التي قادتهم لأعمالهم وتصرفاتهم العنيفة، واستبدال أفكار ومعتقدات صحيحة عقلانية وواقعية بها.

وقد تبدو سلوكيات الأفراد المتطرفين ظاهريا طبيعية لأفراد الأسرة والأصدقاء المحيطين، ولكن هؤلاء الأفراد داخليا يجهزون ويخططون لارتكاب مهمات وأعمال عنيفة وتدميرية، ولكن هذا لا يعني أنه لا يمكن الكشف عنها مسبقا، فهؤلاء الأشخاص قد تظهر عليهم علامات وإشارات سلوكية منبئة بالتطرف والعنف يمكن رصدها مبكرا عن كثب، كما أن هناك عوامل وعناصر مساعدة للتطرف، مثل الدعاة المتشددين أو المواقع الإلكترونية المتشددة التي تغذي التطرف والعنف.

وأخيرا.. يمكن القول إن جهود مكافحة التطرف والسلوكيات المضادة للمجتمع، تتطلب استراتيجيات طويلة المدى، تكمن في تكامل جميع أنساق المجتمع لوضع أسس الوقاية النفسية والفكرية، بحيث تؤدي في النهاية إلى أن يصبح لدى الأفراد دوافع داخلية تمنعهم من ممارسة السلوكيات التدميرية والعنيفة بالمجتمع، من خلال توفير أساليب الحماية الداخلية ضد الأفكار والمعتقدات والاتجاهات الخاطئة الهدامة والتدميرية، التي تقوض من حالاتهم النفسية وتجعلهم مرتعا خصبا لهذه الأفكار، الأمر الذي يجعلهم يتأثرون نفسيا بما يطرح أمامهم من أفكار خاطئة وتدميرية تقودهم للعنف والتطرف، ومن الضروري أيضا تنقية المناهج الدراسية من الشوائب السلبية التي تشوه صورة الآخر وتشجع على كراهيته وتعمل على تكريس سوء الفهم بين العالم الإسلامي والغرب. التطرف يحتاج في تعامل المجتمع معه إلى استحداث آليات غير تقليدية.

استنتاج عام:

مما سبق يتبين ان التطرف ليس نتاج شخصية محددة، فالشخصية بذاتها لا تُكِّونُ تطرفا، فالتطرف منهج فكري أكثر منه حاجة نفسية، والتطرف فكر بحد ذاته ينتقيه أفراد وينجذبون إليه لأسباب إجتماعية بشكل أساسي. وربما يعيش الفرد التطرف في فترة من فترات حياته حين يحيا ظروفا اجتماعية تملي عليه سلوكا معينا لا يمانع فيه، بل قد يتقرب به إلى وطنه أو مجموعته أو قبيلته أو دينه مع العلم أن الظروف الإجتماعية تكون مؤثرة إذا صاحبها الشعور بالظلم والتهميش. ومما يجدر التأكيد عليه أن التطرف ليس خاصية دينية كما يروج له الغرب، وإنما حدث ربما في أي منحى من مناحي الحياة طالما وجدت الظروف الملائمة لظهوره.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق