أمن وإستراتيجية

التجنيد في المخابرات … دراسة

بشير الوندي

مدخل
تحدثنا في مباحث سابقة عن انواع التجنيد وقلنا ان هنالك عدة انواع وتصنيفات من التجنيد تبعاً لطريقة الايقاع او للدافع ولآلية التعامل ودرجة الثقة بالمجند , الا ان اهم نوع من انواع التجنيد هو التجنيد الوظيفي لأن المجند وظيفياً هو ابن البلد وهو ابن الجهاز الاستخباري ومن ثم فإن درجة الثقة به هي الاعلى , وهو مدار مبحثنا.
بين الوطنية وحفظ الامن والتجنيد الوظيفي
ان المواطن وعنصر القوات المسلحة هم الظهير الحقيقي للاجهزة الاستخبارية , ففي الامن لا يوجد خيار ثالث فإما ابيض او أسود لأنه يخص كل المجتمع , فلا يوجد متعاون وغير متعاون ومحايد بل اما متعاون او ضد امن البلد , والمحايد هو ايضا ضد امن البلد.
فمما لاشك فيه , ان المجتمعات المتقدمة والآمنة لاتعتمد في استقرارها وفي درء الخطر عنها على عناصر الاجهزة الاستخبارية , وانما تعتمد على الوعي المجتمعي بأهمية امن الوطن والمواطن , فوعي المواطن بأمن بلاده ومجتمعه يجعله مصدراً مهماً للمعلومات الاستخبارية من خلال بلاغات المواطنين بكل ماهو مريب في محيطهم , وهو مانعنيه بالوعي الوطني والشعور الوطني , ولكن هذا الامر يتطلب لتحفيزه بالدرجة الأساس عاملين أساسيين هما :
1- ان يعي افراد المجتمع اهمية امن بلادهم ومجتمعهم .
2- ان يؤمن المواطن ان الاجهزة الاستخبارية لبلاده هي ليست اجهزة مهمتها قمعه وقمع حرياته وانتهاك حقوقه , فلو عرف ذلك لن يتعاون معها بل قد يتعاطف مع اعدائها ويتمنى ان يراها عاجزة .
ان مهمة الامن في البلاد بمفهومها العام لاتشمل الاجهزة الاستخبارية فقط وانما تشمل كافة الافراد العاملين بأجهزة الشرطة والقوات المسلحة , فهؤلاء هم اناس مدربون ويعون معنى المخاطر على بلادهم ومن ثم فهم معنيون من خلال مواقعهم بتطوير ملكة الوعي الاستخباري وان يكونوا ظهيراً هم وعوائلهم للتعاون مع الاجهزة الاستخبارية في رصد الظواهر المريبة والابلاغ عنها , فمن غير المنطقي ان تكون لديك في العراق 1300000 منتسب كعنصر أمن ضمن القوات المسلحة ( جيش , شرطة , بيشمركه , امن , استخبارات , حشد ) ويشكلون لوحدهم 1/ 28 من العراقيين وهو الرقم الاعلى في عسكرة البلدان عالميا , ومنحدرون من عوائل معدلها خمسة افراد , مما يعني ان لديك ستة ملايين عراقي من بيئات قريبة للأمن , يشكلون مع ابنائهم سدس الشعب العراقي , ناهيك عن ثلاثة ملايين موظف حكومي , ورغم ذلك فالأمن مفقود والقطاع الامني عاجز عن تحقيقه.
ان كل هؤلاء يجب ان يكونوا الظهير الحقيقي للاستخبارات والعون الرئيسي لها في المعلومات , الا ان الاخيرة لها ايضاً عملائها وجواسيسها ضمن درجات ثقة متفاوتة يرفدونها بمختلف المعلومات .
فاجهزة الاستخبارات الميدانية تحتاج الى مصادر ومعلومات ومتابعات تتم على اعلى درجة من الثقة والمثابرة والتدريب , ومن ثم تدرب عناصر من الجهاز ليكونوا عيونها واذرعها ويكون لهم غطاء يصعب كشفه ويسهل اندماجه , وهو مانعنيه بالتجنيد الوظيفي .
طبيعة التجنيد الوظيفي
التجنيد الوظيفي يعني أن تأتي بمنتسب للجهاز وتدربه تدريباً دقيقاً ليكون له غطاء مناسب وليصبح عنصر استخبارات محترف ومن ثم تجعله يلتحق بالعدو سواء بزرعه في بلد العدو او في مجتمع العدو او الى صفوف العدو , وهذا النوع من التجنيد هو تجنيد احترافي ويتم في الجهاز الاستخباري على نطاق محدود حيث يقوم الجهاز بتكليف احد او مجموعة من عناصره يحملون صفات خاصة ويمكنهم التعايش مع العدو ويتم تدريبهم وتحضيرهم لهذه المهمة ومن ثم زجهم بطرق مختلفة للالتحاق بالعدو , وقد استخدمت هذه الطريقه بكثرة ايام الحرب الباردة.
فهو بمثابة زرع في ارض خصبة بالمعلومات وغالباً ما يكون ذو فوائد كبيرة ودرجه الثقة بمعلوماته عالية , لان الشخص هو عضو رسمي في الجهاز الاستخباري انتحل صفه تاجر مخدرات او ارهابي او تشكيل عصابي او حزب معارض او جماعة مسلحة , اي انه وظيفة ضمن وظائف العمل الاستخباري لذا يسمى تجنيداً وظيفياً.
ان التجنيد الوظيفي عمل تخصصي احترافي يبدأ مع التوظيف الاداري , وغالباً ما يزج شباب من ضباط الاستخبارات في مقتبل العمر ليكونوا في جانب العدو , لذا فهم بحاجة الى تدريب سريع وانتحال الصفة بشكل محترف , ويكتسبون الخبرة اثناء اداءهم الميداني.
ويشترط بالتجنيد الوظيفي ان يكون المجند مواطناً , فحمل الجنسية تترتب عليه التزامات, وعلى هذا الاساس تمنع الدول الكبرى والمتقدمة اي شخص مزدوج الجنسية من الانتساب الى اجهزتها الامنية والاستخبارية , ويكاد يكون العراق هو البلد الوحيد المتفرد في هذا الامر مع الاسف الشديد .
نطاق عمل المجند الوظيفي
ان التجنيد الوظيفي على العدو والعدو المحتمل ودول الجوار والداخل يعني الانتشار الصحيح الذي يجب ان تقوم به الاستخبارات وهو الاعلى احترافاً ويحتاج الى تدريبات مكثفة وصارمة .
ان نطاق عمل ضابط الاستخبارات المجند وظيفياً هي بيئة العدو , وهذا العدو قد يكون داخلياً وقد يكون خارجياً وقد يكون عابراً للحدود بين الداخل والخارج , ومن هنا تشتمل نطاقات عمل المجند الوظيفي كل تلك المديات .
ففي داخل البلاد , تحتاج الاجهزة الاستخبارية الى تجنيد منتسبيها في شركات السياحة والمناطق الحدودية والمنافذ والعصابات والملاهي والاجهزة الامنية والشرطة والبورصة ومكاتب الصيرفة والفنادق والموانيء والمطارات والمنافذ والاحزاب والمحاكم والمصارف والوزارات , اما خارج البلاد فان مهام التجسس وادارة العمليات فإنها مناطة بالجاسوس الوظيفي اي المجند الوظيفي ضمن الغطاء المعطى له.
وسواء كان العمل في الخارج او في الداخل , وسواء كان العمل في دوائر حكومية او قطاع خاص او حتى دوائر شرطوية , فإن المجند وظيفياً يعمل وفق الغطاء المناسب له , فهو موظف في بنك ويعمل كموظف لايعلم حتى مديره في المصرف الحكومي انه ضباط في جهاز استخباري , وكذا الامر خارج البلاد , فعندما نرسل ضابط استخبارات يعمل في البلد الهدف , سواء كان يعمل في سفارتنا او تحت غطاء موظف مكتب طيران او تاجر او اعلامي او صحفي فهو يعمل بوظيفته وغطاءه .
و يتم اختيار الشباب والمنسبون الجدد في مجال العمل الخارجي ممن لم يعملوا طويلاً في الجهاز الاستخباري , اي يجب ان لا يمتلك المجند معلومات كثيرة عن جهازه الاستخباري واسراره , لأنه في موقع الخطر.

جواسيس محترمون

في العرف الاستخباري , فإن الجاسوس الوظيفي الذي يتم الامساك به من قبل استخبارات العدو هو جاسوس يعمل لصالح بلاده ورغم انه عدو الا انه لايعامل معاملة الخائن , فهو ليس متخابراً او مجرماً , ويعامل معاملة خاصة , وتحترم اغلب استخبارات دول العالم هذا النوع من التجنيد العلمي الصحيح الذي يتماشى مع مبدا الوطنية والعمل لصالح الوطن حتى لو كان موجهاً ضدها.
وغالبا ما يحكم على المجند الوظيفي في حال اعتقاله بأحكام خلاف الاعدام , وفي احايين كثيرة تتم مبادلته مع جواسيس او يتم الاكتفاء بطرده , وحتى ابناء الجاليات الذين يقبض عليهم في البلد الاجنبي , فإنهم هم ايضاً لاتستعجل الدول في احكام الاعدام بحقهم لأن فرصة مبادلتهم بجواسيس لها سقطوا في الجانب المقابل قائمة مما يتيح لها استخدامهم كورقة مساومة للتبادل , وهذا خلاف المصدر الذي تجري تصفيته او اعدامه لأن المصدر هو ابن البلد وخانها مع الاجنبي.
خلاصة
الامن مسؤولية مجتمعية يتعاون فيها الافراد مع اجهزتهم الاستخبارية ان شعروا انها تعمل لخدمتهم لالإضطهادهم , والمجتمع هو المساند والظهير للاجهزة الاستخبارية وبالاخص الموظفون منه كل في مجاله ,والاكثر خصوصية هم منتسبوا السلك الدبلوماسي والاجهزة العسكرية والشرطوية .
وفي المقابل تعمل الاجهزة الاستخبارية على ايجاد جواسيس رسميين من منتسبيها كضباط استخبارات مجندون وظيفياً لاداء مهام العمليات والتجسس بعد تدريبهم على غطاء بريء مناسب لعملهم سواء داخل او خارج البلاد وهو عمل تقوم به كل الدول ضد كل الدول ويعد من ادق انواع التجنيد واكثرها دقة في المعلومات وفائدة في العمل الاستخباري , حيث تكون قمة نجاحه حين يتم زرع المجند الوظيفي داخل التنظيمات الارهابية او العصابات .
ومن هنا فإن الاجهزة الاستخبارية تتوقع ان تجد في بلدانها جواسيس اجانب يعملون بمختلف الواجهات , وحين تعتقلهم فانها لاتنظر اليهم كخونة لكنها تعتبرهم مخلصون لبلدانهم ولذا تسعى للحفاظ عليهم ومبادلتهم بجواسيسها الذين قد يقعون في قبضة العدو , والله المستعان .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق