رأي

البرلمان الجزائري من غرفة التسجيل إلى التدجين

علجية عيش
ـــــــــــــــ

لم يخرج المشهد التشريعي في الجزائر ولا مرة واحدة من دائرة الصراعات والإنشقاقات بين النواب، وفي ظل هذه الصراعات غيبت إرادة الشعب في التعبير عن صوته وحقه في المشاركة، وهذا لأن البرلمان ظل حكرا على جماعة معينة، تُسَوِّقُ ما تريده وما يخدم مصالحها، دون احترام رأي المعارضة أو استشارتها، أو تمرير قوانين دون مناقشتها في الأطر الديمقراطية، ما جعل المجلس الشعبي الوطني يفقد حيويته وشرعيته في كل دوراته، الأزمة ازدادت حدتها بفعل حالة المد والجزر التي تعرفها الساحة السياسية واقتراب المواعيد الانتخابية

ما يحدث الآن داخل الغرفة السفلى للمجلس الشعبي الوطني أثار ضجة كبيرة على كل المستويات، إذ لم يعد الحديث داخل الغرفة السفلى للمجلس الشعبي الوطني إلا عن الإطاحة برئيسها المجاهد السعيد بوحجة، وإبعاده عن الساحة السياسية، بأمر من القيادة الحزبية التي اعتادت التخلي عن قادتها، و هي التي اختارتهم لهذه المسؤولية، لا يهم إن كانت المسألة هنا تتعلق بالتعيين أو الانتخاب، طالما الأغلبية اختارت السعيد بوحجة لترأس المجلس، لما يتمتع به من حنكة سياسية، وهو المحسوب على رجال الثورة التحريرية، طبعا هي “حرب” من أجل التموقع، تحضيرا للاستحقاقات القادمة وفي مقدمتها الإنتخابات الرئاسية في أفريل 2019، ما جعل المؤسسة التشريعية في الجزائر موضع سخرية أمام الرأي العام وعبر مواقع التواصل الإجتماعي، خاصة وأن الصراع الذي تابعته وسائل إعلام عربية، الممثل الرئيسي فيه هو حزب جبهة التحرير الوطني، بدليل أن الأحزاب الأخرى ( المعارضة) تبرأت مما يحدث داخل قبة البرلمان وقالت أن الصراع داخلي، وأنه لا يوجد أي خلاف بينها وبين السعيد بوحجة، كما أنه لا يوجد نص قانوني يسمح بتنحية رئيس المجلس من منصبه، ثم أن مبادرة سحب الثقة منه جاءت بدعوة من الحزب العتيد.

الأزمة داخل البرلمان قديمة، بل تمتد جذورها إلى العهدات السابقة، يمكن القول أنها تعود إلى أيام رابح بيطاط، يوم تم الضغط عليه لتقديم استقالته، واستبداله بعبد العزيز بلخادم، الذي ظل يترأس المجلس إلى حين تم حله في 1992، وتشكل قضية سحب الثقة من القيادي في الحزب العتيد السعيد بوحجة من منصبه كرئيس للغرفة السفلى للبرلمان لغزا كبيرا، كون الرجل كان ولا يزال من الموالين لرئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة، وعرف بانتمائه للحركة التصحيحية، التي قادت الإنقلاب على الأمين العام الأسبق لحزب جبهة التحرير الوطني علي بن فليس في انتخابات 2004، كما يتمتع بتجربة كبيرة في نجال تسيير المجالس، بحكم عضويته السابقة في المجلس الشعبي الوطني الذي شغل فيه منصب رئيس لجنة العلاقات الخارجية بالبرلمان، كما أنه كان ناطقا رسميا لحزب جبهة التحرير الوطني من طرف الأمين العام السابق عبد العزيز بلخادم، قبل أن تتم تنحيته من طرف عمار سعداني، لكن بوحجة وهو يترأس البرلمان تجرد من القبعة الحزبية، عندما قرر فتح ملفات، وبات وشيكا أن تكشف بعض الأمور التي كان يجهلها الشعب، أمام الملأ، ما جعل ولد عباس يغضب منه، كل هذه الأمور تركت آثارا سيئة على الأداء النيابي، حيث تحول فيها المجلس الشعبي الوطني من غرفة تسجيل (للأسئلة الشفهية والكتابية والإجابة عليها) إلى تدجين، وذلك لغياب المصداقية والموضوعية في طرح القضايا، ولم يعد للأقلية خارج التحالف الحق في فرض موقفها، وكل من يدعو إلى التغيير والتجديد فمصيره الإقصاء.

أغلب من تابعوا الأحداث يرون أن الأزمة داخل المجلس ذهبت نحو الانسداد، بحيث عطلت كثير من الملفات والمشاريع، وباتت أبواب التغيير موصدة، ومقفلة بسلاسل من حديد، وقد تستغل الهيئة لتنفيذية هذا الوضع لكسب نقاط إلى صفها، فيما ذهب آخرون بالقول أن الأزمة داخل البرلمان مفتعلة، وأن الذين أخاطوها في محاولة منهم تدجين البرلمان، لهم غاية مبيتة لتحقيق أجندات، الهدف منها تغييب كلي للمشروع الوطني، والضحية الأول هو المواطن الذي تمكنه اليأس، فالمواطن ينتظر من نوابه أن يرفعوا مشاكله أمام الحكومة، وليس ما يجري بين بوحجة وولد عباس من صراع، وهو في الحقيقة صراعا جهويا، كل طرف يريد أن يغلب مصلحته، ومن له الحق في تسيير أمور الحزب والبلاد معا، تشير بعض المؤشرات أن سيناريو العزل قد يطال السعيد بوحجة، كما طال من سبقوه، ليس من رئاسته للمجلس الشعبي الوطني فحسب، وإنما من عضويته كقائد في الحزب العتيد، وليس مستبعدا أن يتخذ جمال ولد عباس ضده هذا القرار، لأن من يخرج عن حظيرة الولاء مآله العزل، إذا لم يقف مناضلي حزب جبهة التحرير الوطني ومنظماته وقفة تضامن معه لنصرته.

لم يعد حزب جبهة التحرير الوطني قوة جمع بل قوة تفرقة، أصبح يرعب قادته ويرهبهم بمسألة الإقالات، فقد دوره المحوري في إنقاذ مؤسسات الدولة من خطر الشغور والانقسام، السؤال الذي وجب أن يطرح اليوم هو: هل في الجزائر برلمان؟ وإن كانت الإجابة بالإيجاب، فالسؤال يعاد طرحه بالصيغة التالية: ماذا بقي من البرلمان، وهل الجزائر قادرة على أن تنتهج مستقبلا النظام البرلماني، تكون فيه الرقابة هي السيدة كما في الدول المتقدمة؟ والسؤال يطرح بصيغة أخرى، في أيّ خانة نصنف المنظومة التشريعية في الجزائر، وكيف يعمل الجهاز التشريعي في الجزائر؟ إذا قورن بالأجهزة الأخرى في الدول المتقدمة، أم أن الجزائر ستظل حبيسة فكرة العالم الثالث؟، في ظل ما تشهده الساحة من حراك سياسي وسلسلة التغيرات التي يجريها رئيس الجمهورية في سلك الولاة والقطاع العسكري، ما يجعل البرلمان أمام تحديات كبيرة، لكي يستعيد موقعه بالقضاء على الصراعات الداخلية، وإن تمكن من تجاوزها يكون قد حقق معجزة، في نشر ثقافة الحوار والتعاون بين النواب مهما اختلفت أفكارهم وتوجهاتهم السياسية، ووضع برنامج مشترك يخدم مصلحة البلاد والعباد، ومن ثم ممارسة وظيفته الرقابية على أحسن وجه.

علجية عيش