أحوال عربية

الاونروا…الشاهد الحي والذاكرة الجمعية للفلسطينيين … ما لها وما عليها؟!

د. باسم عثمان

الكاتب والباحث السياسي

 

مقدمة:

ان قضية اللاجئين الفلسطينيين قضية سياسية وقانونية وانسانية عادلة بامتياز، لم ولن تنهيها كل المؤامرات التي تستهدفها، سواء بمشاريع التوطين، او بتغيير مفهوم وتعريف اللاجئ؟! او بالاتفاقيات الثنائية السلطوية؟؟، او بتجفيف منابع الدعم المادي بهدف تهميشها والغائها، وستبقى كشاهد حي على الحقوق القانونية والسياسية للاجئين الفلسطينيين، الذين هجروا من ديارهم وتم الاستيلاء على ممتلكاتهم بالقوة وتقزيم قضيتهم الى قضية إنسانية فقط.

المعطيات:

ثغرات الاونروا كمؤسسة دولية: لجهة نوعية التفويض. دورها. عملها. ومهماتها؟؟:

– صلاح صالح عبد ربه, في كتابه :” وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين بين مأساة التاريخ ، ومأساة الحلول” الصادر مؤخرا, ونقلا عن وليد سالم حيث يقول: ” وإذ عملت لجنة التوفيق في مناقشة الجانب السياسي لمشكلة اللاجئين مع الحكومات المعنية، فإن وكالة الغوث قد عملت في ميادين الإغاثة وبرامج التشغيل للاجئين، أي أنها انحصرت في الدور غير السياسي , وعندما تعطلت لجنة التوفيق بعد سنوات قليلة من حرب 1948، فقد أصبح الدور (اللاسياسي) للوكالة، من الناحية الموضوعية دورا (سياسيا) يصب باتجاه خدمة مشاريع التوطين”.

-حصر نشاط الاونروا ببعض الدول (ما تبقى من فلسطين خارج نطاق السيطرة الإسرائيلية) وسوريا ولبنان والأردن فقط، واستثنت من عملها اللاجئين في الجزء المغتصب من فلسطين 1948، وبقية الدول المضيفة.
-” التلاعب” في تعريف وكالة الاونروا لمفهوم “اللاجئ”؟؟، الذي استثنى أعدادا كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين من خدماتها واغاثتها.

-حصر صلاحياتها على الجانب الإغاثي والتشغيلي والإنساني فقط، واستبعادها العمل من أجل إعادة اللاجئين إلى ديارهم، وهو الأمر الذي يسمح به نظام المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة.

-تسجيلها لقوائم اللاجئين الفلسطينيين كان يعتمد على الحاجة إلى المساعدة ومكان الإقامة ، بدلا من الاعتماد على كون الفلسطيني لاجئا فحسب, وهذا ما حصل في المسح الذي أجرته الاونروا مؤخرا لاحتياجات اللاجئين، ما يوحي برغبة الوكالة في شطب أعداد إضافية من اللاجئين المسجلين من سجلاتها، حيث تم تصميم استمارة المسح بحيث تظهر النتائج في عدم حاجة أعداد كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين لخدمات الاونروا, وقد عبر مفوض الأونروا في سوريا عن هذا التوجه, في معرض الإجابة عن سؤال حول تناقص أعداد اللاجئين المشمولين بخدماتها بالقول: “عندما بدأت الأونروا بعملياتها الإغاثية عام 1950م كان حوالي 90% من اللاجئين يتلقون مساعداتهم من أجل البقاء على قيد الحياة، أما اليوم فإن الأغلبية من اللاجئين تمكنوا من الوصول إلى مستوى معيشي لائق”.

-اقتصرت مسؤولية الأونروا على إدارة خدماتها في مجالات التعليم والصحة والإغاثة والخدمات الاجتماعية داخل المخيمات وخارجها، دون مسؤوليتها عن إدارة المخيمات,  في الوقت الذي أخذت فيه الأونروا استثناء الفلسطينيين المقيمين خارج المخيمات من بعض خدماتها في الآونة الاخيرة، وقد لوحظ هذا الأمر في مخيمات الأردن, ومخيمات الضفة والقطاع، حيث تم منع الأونروا من العمل خارج المخيمات، رغم أن أعدادا كبيرة من اللاجئين تعيش خارج المخيمات خاصة بعد التغييرات التي أحدثتها سلطات الاحتلال، وبسط سلطتها على الضفة والقطاع بعد عدوان 1967، من جهة، ونتيجة الدمار الذي لحق بمخيمات الضفة والقطاع إبان الانتفاضتين من جهة اخرى، حيث اعتبرت سلطات الاحتلال الإسرائيلي المخيمات حاضنة ” لتفريخ الإرهاب الفلسطيني”.

أهمية الاونروا:

للأونروا أهمية بالغة وحساسة للشعب الفلسطيني وقضيته في ظل المناخ السياسي الراهن, وذلك للأسباب الرئيسية التالية:
– الوكالة طرف موقع على كافة قرارات الأمم المتحدة بما فيها قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194.
– برزت الأونروا، في ظل غياب جبهة وطنية او قوة دولية تحتل فيها قضية اللاجئين مكانة مركزية في مشروع التحرير والعودة، كمؤسسة تحافظ على إبراز اللاجئين على الساحة الدولية، وتشير إلى أن ولايتها لا تزال قائمة. ان الأونروا قامت بدور يوازي دور حكومة للفلسطينيين في المنفى في خدمة رعاياها، ولا سيما قبل تولي منظمة التحرير الفلسطينية زمام القيادة في منتصف الستينيات من القرن الماضي, ولكن بعد توقيع إعلان المبادئ مع “إسرائيل” في عام 1993وجدت الاونروا نفسها في معترك ومناخ عدم الثبات والتجانس في خضم مسرح سياسي دولي متضارب المصالح, لأنها ليست فوق السياسة “والتسييس” وفق المصالح الدولية, ولكن صمودها في المناخ السياسي الراهن دليل على مسؤوليتها الدولية والسياسية والانسانية لحقوق اللاجئ الفلسطيني, وحقه في العودة الى دياره و ممتلكاته بموجب القرار السياسي الاممي رقم 194,بوصفها طرفا أساسيا في الجمعية العامة للأمم المتحدة. وقبل استقالة (كرينبول) من منصبه بتاريخ 6/11/2019، على إثر تحقيقات “بالفساد”، أشار إلى أن الأونروا تعاني من “مخاطر وجودية”، وأضاف ايضا خلال مقابلة له بتاريخ 18/11/2019، بأن “التحقيق نابع من دوافع سياسية….واستغل هذا التحقيق في أوج تطبيق صفقة القرن”.

الاونروا… الانموذج الفريد لمنظمة إنسانية دولية:
ثمة سمات فريدة تتميز بها العلاقة بين الأونروا واللاجئين الفلسطينيين:
– أن الأمم المتحدة التي أنشأت وكالة الأونروا متواطئة في خلق مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، وعلى وجه الخصوص خطتها التقسيمية (قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181) التي استخدمها قادة الحركة الصهيونية لتبرير التطهير العرقي في فلسطين، وإن كان بتحريف المصطلحات في بنود القرار والتوسع إلى ما وراء الأراضي المخصصة ” لدولة الأغلبية اليهودية”.
-قبلت الأمم المتحدة بعضوية ” دولة إسرائيل ” في جمعيتها العمومية قبل تطبيق حق العودة للقرار 194 للاجئ الفلسطيني, وهو احد شروط قبول عضويتها.
-اللاجئين الفلسطينيين كانوا دوما حذرين من دور الأونروا وسبب وجودها عند تأسيسها، فإنهم وبفعل افتقارهم إلى جسم سياسي ممثل لهم و يعبرعن تطلعاتهم السياسية في العودة, تعاملوا مع الأونروا كحكومتهم المعنية بتحقيق رفاههم المعيشي, وعند ظهور منظمة التحرير الفلسطينية، في الفترة التي أصبحت فيها أسواق الخليج الوجهة الجاذبة للعمالة الفلسطينية، اكتسب اللاجئ الفلسطيني دعم وثقة سياسية واقتصادية, وبدت الأونروا أقل أهمية لبقائهم, غير أن اتفاقات أوسلو أحدثت أزمة وطنية وشرخا بين السلطة الوطنية والغالبية العظمى من اللاجئين, وهذا ما أعاد الأونروا إلى موقع الصدارة مجددا، حيث حافظت على أهميتها ليس كحكومة معنية بالإغاثة فقط, وإنما بوصفها حيزا يمكن اللاجئ الفلسطيني ان يعود من خلاله للمطالبة بحقوقه السياسية والقانونية التي تجاهلتها اتفاقات أوسلو وانتهكتها, و وجود الأونروا ما زال يعني عدم التوصل إلى حل سياسي و قانوني لقضية اللاجئين واستمرار مشكلتهم.
-إن الصلات الفريدة بين اللاجئين الفلسطينيين والأونروا تتباين باختلاف البلد الذي تعمل فيه الوكالة، والسياق التاريخي والمناخ السياسي , ومع ذلك، وخلافا للدعاية لإسرائيلية، فإن وجود الأونروا لم يشجع النضال الوطني الفلسطيني ولم يحتويه , بل تعامل الفلسطينيون مع الأونروا بطرق مختلفة كما فعلوا مع مؤسسات أخرى على مدار العقود القليلة الماضية، حيث ضَمِنَ نضالهم و كفاحهم الدائم عدم نجاح الاونروا في إخماد قضيتهم السياسية والحقوقية. اذا, هنا يأتي السؤال الذي ينبغي تسليط الضوء عليه, في ما إذا كانت البرامج التنموية وبرامج البنية التحتية في أماكن تواجد عمليات الأونروا ومرافقها مرتبطة بأجندات سياسية أشمل تسعى من خلالها إلى الغاء و تهميش قضية اللاجئين و حقهم في العودة الى ديارهم, ثمة حاجة للنظر في هذه المشاريع بموازاة التغيرات السياسية الإقليمية والدولية والمشاريع المطروحة؟؟!!، لأن الخطر المتربص هو أن تحاول “إسرائيل” إبرام اتفاقية  “وضع نهائي” مع السلطة الفلسطينية بحيث تستطيع استخدامها في إلغاء قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 , وفي تلك الحالة، فإننا قد نسمع مجددا دعوات لحل الأونروا وتفكيك المخيمات الفلسطينية أو على الأقل تسليم مهامها إلى المؤسسات المحلية.
الأونروا…ومنظمة التحرير الفلسطينية في أعقاب أوسلو:
ظل اللاجئون الفلسطينيون منذ نكبتهم وقبل ظهور منظمة التحرير الفلسطينية يرفضون بعفوية خطط الاندماج أو التوطين, حيث أصر معظم اللاجئين بأن وضعهم كلاجئين مؤقتا, ورفضوا بحزم خطط تحسين البنى التحتية في المخيمات كما رفضوا استبدال سقوفهم “الزينكو” بسقوف إسمنت, وبحلول منتصف عقد الستينيات، تزامن صعود نجم منظمة التحرير الفلسطينية وانفتاح الأسواق الخليجية امام العمالة الفلسطينية,هذاالشعور الجديد بالتمكين الاقتصادي و السياسي وتنامي قوة منظمة التحرير الفلسطينية, خلق روحا من الثقة السياسية التي انتقصت من نفوذ الأونروا ومكانتها الرئيسية، ولكنه لم ينتقص من أهمية الدعم المادي الذي كانت تقدمه للكثير من أسر اللاجئين الفقيرة. لقد زاد حضور منظمة التحرير الفلسطينية جرأة الفلسطينيين وشجعهم على الوقوف في وجه اختزال تطلعاتهم السياسية وحقوقهم القانونية الى مجرد قضية إنسانية, ولكن تفاقم موقف المنظمة بتوقيعها في عام 1993 على إعلان المبادئ المنشئ للسلطة الفلسطينية, والذي مثل تحولا جذريا في السياسة الوطنية الرسمية وبداية الانقسام الحاد على صعيد التوافق الوطني.
حيث أسفر هذا  الإعلان والاتفاقات اللاحقة والمعروفة عموما “بعملية السلام –أوسلو”, عن إقصاء لاجئي نكبة 1948, لأن الإطار الأمريكي-الإسرائيلي الذي ارتكزت إليه هذه الاتفاقات لم يكن قائما على القانون الدولي, فضلا عن أنه تجاهل قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194,
لذلك, ساور اللاجئ الفلسطيني القلق عندما أعلن المفوض العام للأونروا بُعيد توقيع إعلان المبادئ, بأن الأونروا سوف تتحضر على ضوء “عملية السلام” لحل نفسها في غضون فترة مدتها خمس سنوات , وقد تفاقم الاضطراب السياسي جراء قرار الوكالة القاضي بتمويل برنامج “إقرار السلام” الرامي إلى مساعدة السلطة الفلسطينية في تشييد بنيتها الأساسية .
لقد كشف برنامج ” إقرار السلام”, بأن وكالة الأونروا ليست في منأى عن الوسط والمناخ السياسي السائد، وإنما متورطة للغاية في الترتيبات السياسية المحلية والدولية المتغيرة, فالتأييد العلني الذي أبدته الأونروا لمفاوضات أوسلو السياسية وخططها آنذاك الهادفة إلى “حل” نفسها، والخطوات التي اتخذتها لمساعدة السلطة الفلسطينية في بناء مؤسسات “الدولة” قبل حل مشكلة اللاجئين، كشف عن الصلات المعقدة بين المجالين الإنساني والسياسي.
لقد عطلت (أوسلو) منظمة التحرير الفلسطينية وأفرغتها من سلطتها وفعالياتها السياسية من خلال تفتيت مؤسساتها الوطنية ، وتوجيه الموارد والتركيز السياسي نحو “الداخل” -الأراضي الفلسطينية الواقعة تحت إدارة السلطة الفلسطينية- على حساب اللاجئين في مخيمات النزوح والشتات, ورغم الولاء الذي تظهره السلطة الفلسطينية بشعاراتها “لحق العودة،” فإنها قد دفنت هذا الحق تحت عناوين سياسية متعددة, أسفر ذلك, عن نشوء مزاج سياسي تشاؤمي ولا سيما في أوساط اللاجئين في المنفى, أما الأونروا فقد استمرت كمؤسسة ترمز إلى المصير السياسي المعلق للاجئي عام 1948, وحقهم في العودة الى ديارهم وممتلكاتهم المُهمَل والساقط فعليا بحكم المبادئ الناظمة لاتفاقات أوسلو.

استخلاص:

كانت ولا زالت وستبقى الاونروا كمؤسسة دولية كلمة القانون الدولي والشاهد الملك على حق مغتصب، رغم تداعياته الدراماتيكية وتجلياته اللامبدئية, في اصنامه المتحجرة على خشبة المسرح السياسي والامني الدولي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق