تحقيقات

الإعلام العربي مناهج غسيل المخ .. وتغييب وخداع الشعوب العربية

دكتور مهندس / محمد الحسيني إسماعيل
ـــــــــــــــــــــ
يتهم الاعلام العربي بتغييب الحقائق ..!!! وفي هذا العرض سوف اكتفي هنا بإعطاء مثال واحد فقط من أمثلة القمم ( إن لم يكن القمة ) الفكرية السياسية .. وهو فكر الصحفي المشهور الأستاذ / محمد حسنين هيكل عند عرضه للسياسة الإسرائيلية . ثم أقوم بنقد هذا الفكر .. ثم أعرج ـ بعد ذلك ـ إلى بعض مشاهد الإجرام الأمريكي في علاقته بشعوب العالم الإسلامي .. ورؤية الغرب للإنسان العربي المعاصر ..!!!

************

وللأمانة والحياد التام في العرض ؛ سوف لن ألتفت إلى كل ما قيل عن عمالة الأستاذ هيكل للمخابرات الأمريكية .. وخصوصا ما ورد في كتاب ” لعبة الأمم ” الذي صدر عام 1969 لرجل المخابرات الأمريكي ” مايلز كوبلاند “[1] ( وهو ما أكده الدكتور مصطفى خليل رئيس وزراء مصر سابقا .. في حديث له في قناة الجزيرة في برنامج : ” شاهد على العصر ” بتاريخ 4 / 12 / 2000 ) ..!!! كما لن ألتفت إلى اتهام الرئيس ـ المصري ـ السابق محمد نجيب للأستاذ هيكل بالخيانة لحساب دولة أجنبية ( في كتابه : كلمتي للتاريخ ) .. كما لن ألتفت إلى اتهام خروتشوف ( رئيس وزراء الاتحـاد السوفييتي سابقا ) له بالتهمة نفسها ، وذكره بالمبالغ والشيكات التي تسلمها من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية .. في اجتماع كان يعقد في موسكو أمام جمال عبد الناصر ، مما اضطر الأستاذ هيكل إلى أن يقفل راجعا إلى مصر في اليوم الثاني من الرحلة ..!!! كما لن ألتفت إلى من يتهمه بأنه لعب دورا رائدا في هزيمة يونيو 1967 ـ لصالح إسرائيل ـ باعتباره كان أقرب الناس إلى الرئيس جمال عبد الناصر ، كما كان من أشد الشخصيات المؤثرة عليه [2] .. بل وكان مستشاره السياسي الأوحد في فترة ما قبل ـ وما بعد ـ هزيمة يونيو 1967 ..!!!
************

ويتلخص رأي الأستاذ هيكل في الآتي [3] ..

أولا : على مستوى الاستراتيجية العليا ( المستوى التعبوى ) .. تتطلب السياسة الإسرائيلية أن تستولى الدولة اليهودية ( على فلسطين ) ” بالحق الأسطوري ” بالسلاح ( من الرصاصة إلى القنبلة الذرية ) وبالمال ( من شراء الأراضي إلى طرد ملاكها ) وبالنفوذ الدولي ( من برلين وموسكو إلى لندن ونيويورك ) . وبعد أن تقوم الدولة اليهودية سوف تفهم بعمق أنه وإن كانت حدودها الرسمية كامل أرض إسرائيل ( كل فلسطين ) فإن حدودها الفعلية لابد أن تنتشر في كل منطقة الشام التاريخية ، وإمكاناتها الإنسانية والثقافية ، ومواردها الطبيعية والاقتصادية . وبدون ذلك الانتشار فإن الدولة اليهودية تصبح قلعة محاصرة وليست مشروعا تتأكد حيويته بانتشار قوته ونفاذ سلطانه .

ثانيا : على المستوى الاستراتيجي عزل الشام التاريخي عن الواديين الكبيرين في الشرق والغرب ، في الشرق ” وادي الفرات في العراق ” ، وفي الغرب ” وادي النيل في مصر ” . وذلك لأنه في هذين الواديين توجد إمكانيات كبيرة ، وعمق واسع وعرض يمثل امتدادا للشام فسيحا بالجغرافيا والتاريخ معا . ومددا يصعب أن ينضب .. وعلى طول الزمن فإن كل قوة طلبت السيطرة على المنطقة أو فيها .. اعتمدت أو كان عليها أن تعتمد على استراتيجية عزل الشام عن مصر أو عزل مصر عن الشام .

ثالثا :على المستوى التكتيكي الإسرائيلي ( أي على مستوى العمليات الحربية ) .. فإن الجبهة المصرية في سيناء أصبح محتما عليها أن تتلقى أول الضربات وأوجع الضربات .. حتى تتوقى الخطر وتخاف .. أو تصاب بالعاهة إذا هي أقدمت .. أو تعرض نفسها للقتل إذا أصرت وعاندت . وتتعامل إسرائيل مع الدول العربية على أساس أنها لن تواجه كل العرب في ميادين القتال مهما قيل أو يقال .. وإنما على أسوأ تقدير سوف تواجه دولة واحدة أو دولتين على أكثر تقدير . كما وأن المخزون الإستراتيجي للسلاح الإسرائيلي تضمن ثباته الولايات المتحدة الأمريكية ( كما حدث في حرب أكتوبر 1973 ) ، بينما المخزون الاستراتيجي لسلاح الدول العربية مرتبط فقط بما تم ( ويتم ) شراؤه من الغرب أو الشرق .. وهو عرضه للنفاد بعد فترة وجيزة من اندلاع القتال ..!!! ( لم يشر الأستاذ هيكل إلى فساد سلاح العرب المستورد من الغرب .. وكذا التفوق النوعي ـ حتى في الأسلحة التقليدية ـ للسلاح الإسرائيلي على سلاح العرب ..!!! )

ويضيف الأستاذ هيكل : ” .. ثم إن الجيوش العربية لا تربطها بمهامها نظرية أمن قومي ترسخت على المستوى الوطني بالجغرافيا وبالتاريخ ، إنما رباط هذه الجيوش ألصق بحقائق الأمور مع سلطة الدولة .. وسلطة الدولة في العالم العربي هي سلطة فرد حاكم أو مجموعة أفراد يشاركون إلى جواره بنصيب أو آخر في صنع القرار ، وذلك لا يعطي الجيوش العربية ثقتها في قرار الحرب عندما تتخذه السلطة الحاكمة .. ” .

وعن سياسة إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية ـ في حديثه الشهير في قناة الجزيرة ( الحلقة الثامنة ) ـ نجده يقول ..

” .. أريد القول إن ما نراه الآن هو محاولة تصفية القضية الفلسطينية .. تصفية ما بقي من أرضها .. ما بقي من شعبها بإرغامه على الهجرة .. وأخشى أيضا أن هناك أطرافا ( أنظمة ) عربية يتم توظيفها لإطلاق يد إسرائيل في مشروع الاندفاع خارج الطوق وخارج السور إلى النطاق الأوسع في أفريقيا .. وأن هناك مشروعا إمبراطوريا إسرائيل موظفة فيه يبدأ من القوقاز إلى المحيط الهندي .. وإنه بمقدار ما توضح الخريطة من وجود خط بترول من القوقاز إلى بحر العرب .. يوجد أيضا مربع اندفاع إمبراطوري نحو آسيا على البر واصلا عبر العراق عن طريق الأردن مستهدفا إيران .. ومن حسن الحظ أن توجد عقبة ـ حتى هذه اللحظة ـ تسمى النظام الإيراني .. وهو نظام مستهدف إسرائيليا لأسباب مختلفة .. ”

ثم يضيف الأستاذ هيكل قائلا ..

” .. أتعجب حتى هذه اللحظة ( أغسطس 2004 ) من المقاطعة الكاملة لإيران .. لم يحضر ” شيمون بيريز ” إلى مصر .. ولم يقابل مسئولين مصريين إلا وقضى نصف الوقت يُحرّض على إيران ـ وما يدعو للدهشة .. أن العالم العربي كان محبا لشاه إيران صديق إسرائيل إلا أن العالم العربي كره جدا الثورة الإسلامية الإيرانية وهي معادية لإسرائيل ..!!! وأذكر في آخر مقابلة مع الخميني ( قائد الثورة الإيرانية ) أنه قال لي : ماذا يريد العرب أكثر من أننا أخرجنا البعثة الإسرائيلية الدبلوماسية التي أرسلها شارون .. خرجت من طهران .. وأعطيت المقر الخاص بها لمنظمة التحرير الفلسطينية . ثم جعل نظام الثورة الإيرانية من اللغة العربية .. اللغة الثانية في إيران .. ” ( انتهى )

والغريب ـ في هذا الحديث ـ أن يعجب الأستاذ هيكل من موقف العالم العربي من إيـران ..!!! فكيف فاته .. أن الأنظمة العربية الحاكمة أصابها الذعر والرعب من انتقال عدوى الثورة الإسلامية إلى بلدانهم .. والتي تعني زوال أو على الأقل زعزعة ملكهم ..!!! وهذه هي الخلفية الأساسية التي وقفت خلف دعم الأنظمة العربية للعراق في حربها مع إيران ( راجع كتاب الكاتب : ” الإسلام والغرب .. المواجهة والحل ” ) . وبالتالي لا غرابة أن تعمل ( بعض / إن لم يكن كل ) هذه الأنظمة لصالح اليهود وإسرائيل طالما أن هذا يؤدي ـ في النهاية ـ إلى استمرار بقائها في الملك والسلطة .. بغض النظر عن مكان وزمان مصالح الوطن ..!!!

وليس أدل على ذلك مما نشره الأستاذ هيكل نفسه عن مؤتمر القمة العربي الثالث المنعقد في الدار البيضاء في المغرب العربي يوم 12 سبتمبر 1965 ( آخر سلسلة القمم في الفترة التي سبقت معركة يونيو 1967 ) .. أن جهاز الاستخبارات الإسرائيلي ( الموساد ) كان موجودا في قاعة المؤتمر لمراقبة ما يجري فيه .. مستمعا لمناقشاته ومساجلاته .. التي وصلت أحيانا إلى درجة المشادة ..!!! ويضيف الأستاذ هيكل قائلا : لقد سمح ” الملك الحسن ” ـ ملك المغرب ـ لجهاز المخابرات الإسرائيلي ( الموساد ) بتركيب ميكروفونات تسمع .. وعدسات ترى كل شيء داخل قاعات اجتماع القمة العربية في الرباط ..!!! ثم يضيف قائلا : لكنني .. ظللت حائرا في الطريقة التي أمكن بها إتمام المهمة بنجاح ، دون أن يلحظها أحد [4] ..!!! ” المرجع السابق ص : 61 / 62 .

والسؤال الآن : ألا يندرج هـذا السلوك ـ للقائم به ـ تحت اسم ” الجاسوسية ” .. بمعناها العريض ..؟!!! كما يتوجب توجيه تهمة : ” الخيانة العظمى ” للقائم به .. وذلك بالتخابر والتعاون مع المخابرات المعادية للبلاد العربية ( الموساد الإسرائيلي ) لاطلاع إسرائيل على منتهى مخططات وأسرار الأمة العربية بأسرها متمثلة في قمتها العربية ..!!! وربما كانت معرفة المعلومات المتاحة في ذلك الوقت أحد أسباب نكبة أو هزيمة العرب في يونيو 1967 ..!!! ثم ما هو حكم القانون ـ في قضايا الجاسوسية ـ في الجواسيس والخونة ..؟!!! فهذا هو حال علاقة الأنظمة العربية ببعضها من جانب وعلاقتها بإسرائيل من جانب آخر ..!!!

ونضرب على ذلك مثالا آخرا للخلاف الجذري ـ والدمـوي ـ بين الأنظمة العربية ؛ فعقب ثورة اليمن ( سنة 1962 ) والإطاحة بنظامها الملكي ، قام النظام المصري ( جمال عبد الناصر ) بدعم هذه الثورة وتأييدها .. بينما قام النظام الملكي السعودي ( الملك سعود ) ، ثم النظام الملكي العراقي في هذه الفترة ( الملك فيصل ) بمعاداة هذه الثورة ومساندة الملكيين اليمنيين . ووصل حدة الخلاف إلى اندلاع الحرب في اليمن : بين مصر وبين الملكيين تدعمهم السعودية والعراق .. بالمال والسلاح والجنود المرتزقة ..!!!

وبعد أن ظهرت بوادر سيطرة الجيش المصري على الأوضاع في اليمن .. طلب الملك حسين ( ملك الأردن ) وساطة لندن .. لكي تطلب من ” إسرائيل ” أن تتعاون مع القوات الملكية اليمنية ( والمرتزقة ) ضد القوات المصرية وعبد الناصر [5] .. وأن تقوم ” إسرائيل ” بإسقاط معدات ومؤن على مواقع الجنود المرتزقة الأجانب الذين يحاربون مع الملكيين في جبال اليمن . وقد استجابت إسرائيل فعلا لطلب الأردن والسعودية والعراق .. وقامت طائراتها فعلا بالمهمة ثلاث مرات .. ثم توقفت العملية خوفا من انكشاف أمر هذه المؤامرة على مصر والشعوب العربية ..!!!

فالحقيقة الغائبة الآن ؛ أننا نعيش ” عصر ملوك الطوائف ” قبل نهاية الدولة الإسلامية في الأندلس ( أسبانيا ) ، وهو العصر الذي بدأ فيه كل أمير من أمراء دولة الأندلس في البحث عن الملك ..!!! فاتجه كل واحد منهم إلى بناء دويلة صغيرة على أملاكه ومقاطعاته ، ويؤسس عليها أسرة حاكمة من أهله وذويه .. بغض النظر عن المصلحة العامة للوطن .. والعالم الإسلامي ..!!! وقد انتهى هذا العصر بإبادة المسلمين عن بكرة أبيهم ( شعوبا وأنظمة حاكمة ) بعد حضارة دامت ثمانية قرون ..!!! أنظر مرجع الكاتب : ” السقوط الأخير / تاريخ الصراع على السلطة منذ ظهور الإسلام وحتى الوقت الحاضر ” ( مكتبة وهبة ) .

والخلاصة ؛ إن الأستاذ هيكل لم يقل إلا بوجود أهداف لإسرائيل .. وهي الأهداف المعلومة والمعلنة منذ زمن بعيد ..!!! كما لم ير من المشروع ” الصهيوني / الغربي ” سوى جانبا محدودا من البعد السياسي والاقتصادي فحسب .. ولكنه لم يرى حقيقة المؤامرة ـ الدينية ـ التي خططت لها الصهيونية بالاشتراك مع الغرب المسيحي ضد العالم الإسلامي ..!!! فحقيقة الأمر ؛ إن الأستاذ هيكل لم يضف جديدا لأن جميعها أمور معلنة من قبْـل ومن قِبَـل كلٍ من الغرب وإسرائيل معا ..!!!

ففي الواقع ؛ أن مخطط إسرائيل للمنطقة هو مخطط قديم ومعروف ومعلن منذ عام 1982 وقد كشف عنه ” إسرائيل شاحاك ” ونشرته رابطة خريجي الجامعات الأمريكية العرب وأعادت نشره مجلة الثقافة العالمية في عددها السابع للسنة الثانية . وهو المخطط القاضي بتقسيم الشرق الأوسط إلى دويلات صغيرة بعد تفكيك كل الدول العربية بصيغتها الحالية . وقد صرح شارون أن الخطة الصهيونية للشرق الأوسط تقوم على أساس أن الواقع العربي تتنازعه الانقسامات الطائفية في الدرجة الأولى ، كما تسيطر على معظم سكانه مجموعات مستبدة تتمتع بامتيازات خيالية . وانطلاقا من هذا الواقع فإن على الكيان الصهيوني أن يعمل بكل طاقاته العسكرية والسياسية على إنهاء الدول العربية وتجزئتها إلى دويلات طائفية لا حول لها ولا قوة تدور في فلك الإمبراطورية الإسرائيلية .. ويضرب شارون أمثلة على ذلك بلبنان وسوريا والعراق .. وهو ما تحقق في كل من العراق ولبنان في حربها الأخيرة عليها ..!!!

•الدعوى أو القول بتشخيص القضية ..

وإذا وجد من يقول : على الأقل .. لقد نجح الأستاذ هيكل في تشخيص القضية أو المشكلة . فأسأله : أي تشخيص .. وأي قضية ..؟!!! فالواقع ؛ أن الأستاذ هيكل لم يشخص سوى الجزء الطافي من جبل الثلج العائم .. فهو لم ير سوى 10% فحسب ( على أحسن تقدير ) .. وأؤكد على 10% فحسب من مشكلة العالم العربي والعالم الإسلامي .. ولم ير باقي الجزء المغمور من جبل الثلج العائم .. أي لم ير ( 90% ) من المشكلة ..!!! لذا فالتشخيص الحالي لم يتجاوز معناه عن عرض سطحي لقضية الشرق الأوسط والعالم الإسلامي معا ..!!! فالحقيقة أن الجذور لم تمس .. لأنه لم يتم بحث وتحليل الإجابة على الأسئلة المغيبة التالية ..

•لماذا تعتبر إسرائيل ـ في حقيقة الأمر ـ لها معنى ” الولاية ” بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأمريكية .. وليس معنى الحليف ..؟!!! وهل العلاقة بينهما مجرد علاقة اقتصادية وسياسية فحسب ..؟!!! وإذا كانت العلاقة بينهما سياسية واقتصادية فحسب فكيف نفسر مثول رئيس الولايات المتحدة ( بوش الابن ) بين يدي رئيس وزراء إسرائيل ( شارون ) كمثول التلميذ بين يدي أستاذه ( على حد وصف الإعلام سابقا عند لقائهما ) ..؟!!! وكيف فات على الإعلام العربي أن إسرائيل موظفة كجزء أو كمقدمة للإمبراطورية المسيحية في الشرق الأوسط ( الإسلامي ) على وجه التخصيص ..؟!!!

•ثم .. ما هو حقيقة ” حق ” إسرائيل ( الديني ) في المنطقة .. كما ورد في الكتاب المقدس .. وهو الكتاب الذي يجمع بين دفتيه الديانتين اليهودية والمسيحية معا .. وفي غلاف واحد ..؟!!!

•وهل يجوز أن يطلق الأستاذ هيكل ـ ببساطة شديدة / ولا أقول بسذاجة ـ كلمة ” أسطورة ” على ” الحق التاريخي ” لإسرائيل في أرض المنطقة بدون التعرض لدراسات أكاديمية تؤكد معنى كلمة ” أسطورة ” .. وبالتالي بطلان هذا ” الحق ” التاريخي المزعوم ..؟!! وهو الحق الذي يؤمن به ثلث البشرية على أقل تقدير ( متمثلا في العالم المسيحي بكامله والذي يدّعي امتلاك الحضارة الكاملة في الوقت الحالي ) ..؟!!! بينما لا يؤمن بهذا الحق سوى العالم الإسلامي الذي يمثل أقل من ربع تعداد البشرية .. وهو العالم العالة على الحضارة الغربيـة في الوقت الراهن .. وبالتالي فهو يعتبر عالما فاقدا للرشد العقلي والقدرة على الحكم على الأمور ..؟!!! فأي الفريقين أحق بالتصديق ..؟!!!

•وبديهي ؛ كلمة ” أسطورة ” تعني التعرض للدراسات الدينية التي سوف تؤدي بشكل مباشر إلى المواجهة الدينية مع العالم المسيحي ـ دون تمييز بين فئاته ـ على نحو مطلق ..!!! فهل يخشى الأستاذ هيكل هـذه المواجهة ..؟!!! أم أن هذا الأمـر قد فاته ..!!! أم أنه لا يستطيع الدخول في مثل هذا المعترك الفكري لخطورته .. أم هو يحاول تغييبه لغرض ما في نفس يعقوب ..!!! واكتفى ـ هيكل ـ بأن يكون ذلك الصحفي المدلل ـ وأن يحمل لقب : ” الأستاذ ” ـ في المنطقة العربية والشرق الأوسط .. لأنه لا يُسْمِع الغرب وإسرائيل ما لا يريدون أن يسمعوه ..!!! وبديهي ؛ أي أو كل من هذه الاحتمالات تفقده مصداقية الحل .. هذا إن استطاع أن يقدم ” الأستاذ ” ـ أصلا ـ حلا للمشكلة ..!!! وليس أدل على ذلك من رده عندما سأله المذيع في نهاية حوار الساعتين مع خمسة مثقفين عرب ( الحلقة رقم 11 من قناة الجزيرة والمذاعة يوم الخميس 16 سبتمبر 2004 ) : هل هناك شيء فاتك وتريد ذكره في هذه الحلقة ؟ فأجاب ” الأستاذ ” : بالطريقة التي نمضي بها هذه .. فنحن ذاهبون مع حافظ إبراهيم مع الأسف .. كان حافظ إبراهيم شاعرا وعنده مشاكل مع زوج والدته .. وترك المنزل هارباً ولكن ترك لزوج والدته بيتين من الشعر : ثقلت عليك مؤونتي إني أراها واهية .. فأفـرح فإني ذاهب متوجه في داهية ..!!! لابد لهذه الأمة أن تستيقظ في اعتقادي ..!!!

( أي لا حلول من وجهة نظر الأستاذ هيكل .. فالأمة ذاهبة في داهية ما لم تستيقظ في اعتقاده ..!!! ولم يحدد لنا ـ صراحة ـ كيف تستيقظ الأمة ..!!! )

•ثم ؛ ما هي حقيقة ـ جذور ـ العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية أو الغرب المسيحي بصفة عامة ؟

•ولماذا هذا الدعم ـ غير المحدود ـ لإسرائيل من الغرب المسيحي بصفة عامة .. وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية .. سواء كان هذا الدعم على المستويين السياسي والاقتصادي أو كان على المستوى الاستراتيجي والتكتيكي ( القتالي ) ؟

•وهل العلاقة بين الغرب المسيحي وبين إسرائيل سوف تظل قائمة إلى يوم الساعة ..؟! وهل يمكن أن تنتهي هـذه العلاقة في يوم ما ..؟! وكيف يمكن أن تنتهي هذه العلاقة ..؟! وهل يمكن أن نلعب دورا في إنهاء هذه العلاقة ..؟!!!

•ثم .. ما حقيقة اعتقاد الغرب في معنى الفرق بين : ” حقوق الإنسان الغربي .. وحقوق الإنسان العربي ” ..!!! وهو الغرب الذي يتحرك شفقه ورحمة لإنقاذ ” *** ” ( مجرد *** ) سقط في بئر ..!!! بينما لا يثير شفقته رؤية المذابح والمجازر البشرية التي تقوم بها إسرائيل يوميا في فلسطين .. وفي حربها مع لبنان .. وما يقوم به الأمريكيون أنفسهم في العراق وأفغانستان ..!!! كما لا يثير شفقتهم ـ أيضا ـ المذابح والمجازر التي تقوم بها المسيحية مع الشعوب المسلمة في أوربا وآسيا ..!!! فهل يمكن أن يتفق هذا مع الفطرة البشرية السوية والضمير الإنساني السليم ، ما لم يتم إضفاء نوع من القداسة الدينية على هذا السلوك كجزء من ” خطة الرب ” على الأرض .. ولا دخل لهم في هذا ..!!! تماما كما قامت الحروب الصليبية سابقا على مدى مائتي عام .. وما تم فيها من إبادة ومذابح للمسلمين تحت شعار : ” هكذا أرادها الله” ..!!! حيث قامت القوات الصليبية بذبح 70 ألف مسلم ( وفي رواية أخرى مائة ألف مسلم ) يوم دخولهم القدس في يوم الجمعة الموافق 14 يوليو سنة 1099 .. لا فرق في هذا بين شيخ وطفل وامرأة ..!!! ومن بقي من المسلمين .. بقي من فرط الإجهاد الذي أصاب الصليبيين من فرط قيامهم بالذبح والقتل ..!!! ( أنظر مرجع الكاتب : السقوط الأخير / تاريخ الصراع على السلطة منذ ظهور الإسلام وحتى الوقت الحاضر ) .

•ثم .. لماذا تنوب الدول العربية ( أو بمعنى أدق الأنظمة العربية ) عن إسرائيل في تصفية القضية الفلسطينية من جانب .. والعمل لصالح إسرائيل من جانب آخر ..؟!!!

•ولقد تكلم الأستاذ هيكل ـ مستغربا ـ عن ضياع ” الأمن العربي ” [6] ولم يشر إلى كيفية إصلاح هذا الخلل من قريب أو بعيد . فهل لم يتنبه الأستاذ هيكل إلى أن أولى أولويات إصلاح الأمن العربي هو : ” البحث العلمي ” المفقود في المنطقة .. حتى وإن لم يحدث الإصلاح السياسي المزعوم ..؟!!! وهل لم يتنبه الأستاذ هيكل إلى فساد السلاح الذي يمدنا به الغرب والولايات المتحدة الأمريكية على وجه الخصوص حتى لا يتكلم عنه ولا يشير إليه ولو بكلمة لتنبيه الأنظمة الحاكمة لهذه الكارثة ..!!! وفساد السلاح الغربي أعلنته بعض وكالات أنباء سابقة .. ثم تم التعتيم عليه إعلاميا فيما بعد ..!!! ثم لماذا لم يتعرض الأستاذ هيكل لحصار البحث العلمي الذي تفرضه الولايات المتحدة الأمريكية على علماء المنطقة وتؤيدها في هذا الأنظمة الحاكمة ( ولم يعد لنا من البحث العلمي سوى التظاهر بطرح أسماء ـ طنانة ـ لمراكز بحوث هيكلية بلا ميزانيات .. وبلا علماء بعد تشتيتهم .. وفي مقابل ذلك خصصت الأنظمة الحاكمة الميزانيات الهائلة لاستيراد السلاح الفاسد ) ..؟!!! فهل فات على ” الأستاذ هيكل ” كل هذا .. أم إنه لا يريد المواجهة مع الآخر .. أم إنه لا يجرؤ حتى مجرد عرض هذه الحقائق ..؟!!!

•وأخيرا ؛ لماذا لم يحدد الأستاذ هيكل موقف الغرب من الإسلام ..؟!!! فهل فات عليه ذلك أيضا ..؟!!! .. أم أن الصراع العربي مع الغرب والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ـ من منظور الأستاذ هيكل ـ لا علاقة له بالدين أو بالإسلام ..!!!

•ففي كتاب ” لعبة الأمم ” يقول مؤلفه ” مايلز كوبلاند ” ( عميل وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ، والذي أشرف على تنفيذ كثير من الانقلابات في العالم العربي ، والذي قال بعمالة هيكل للمخابرات الأمريكية .. الـ CIA ) : ” لقد بذلت المخابرات الأمريكية كل جهودها في استبعاد الإسلام عن أي سلطة ، كما قرروا أن يرفع جمال عبد الناصر في مصر شعار ” القومية العربية ” على الرغم من أن الشعار الإسلامي سيعطيه مساحة جماهيرية أكبر ..” ولكنهم خافوا من انتشار الإسلام .. كما أرادوا أن تكون القومية العربية أداة لكبح جماح التيار الإسلامي المتنامي ، فحصل المراد وتم ضرب ذلك التيار في مصر وكثير من الدول العربية ضربة كبيرة .

أسئلة كثيرة يجب أن تثار أولا .. كما يجب الإجابة عليها .. قبل مجرد التفكير في عرض الحلول الحقيقية والفعالة لمشكلة الشرق الأوسط ( ومعه العالم الإسلامي بشكل عام ) . فمعالجة قضية بهذا الشكل .. لابد من البحث عن أصول المشكلة .. حتى يمكن اقتلاعها من جذورها .. وهو الأمر الذي لم يتعرض له الإعلام على أي نحو ..!!! كما لم تخضع هذه الأسئلة ـ على حد علم الكاتب ـ لأي تحليل إعلامي من أي جهة .. بل ويتجاهل الإعلام هذا الاتجاه بشكل سافر .. لسبب بسيط جدا .. وهو أن الإجابة على هذه الأسئلة تستلزم المواجهة الحقيقية وفي مقدمتها المواجهة الدينية مع الغرب المسيحي [7] ..!!! فالحقيقة الغائبة ؛ هي ضرورة الغوص إلى الجذور ( الفكر الديني من المشكلة ) .. حيث لا جدوى ولا قيمة في عرض بعض أوراق الساق في محاولة ـ فاشلة ـ لاستئصالها ..!!!

وما أثار استغرابي ـ أيضا ـ كما أثار لديّ علامات استفهام كثيرة .. أن يأتي الأستاذ ” فهمي هويدي ” ـ ذلك الصحفي النابه ـ بعد كل هذا التسطيح وغياب الحلول ويقول : ” .. وحين يظهر في الأفق الأستاذ هيكل بصوته ووزنه متصديا للموجة ( يقصد بهذا موجة الهزيمة والانبطاح الثقافي ) فإن كلامه يصبح مثل عصا موسى التي ألقاها في مواجهة سحرة فرعون‏ ,‏فأخرست ألسنتهم وأحبطت ما يأفكون‏ ..‏ شكرا أستاذ هيكل‏ ” ( الأهرام : 31 أغسطس 2004 )

فهل ما عرضه الأستاذ هيكل هي الرؤية الاستراتيجية لمصالح الوطن فعلا .. وهل الأستاذ هيكل قدم حلولا أصلا ( وهو الذي اعترف صراحة بأننا ذاهبون في داهية ) ..؟!!! لتصبح هذه الحلول مثل عصا موسى ( u ) التي فرقت بين الحق والباطل .. أم هو سيناريو توزع فيه الأدوار في مملكة ( أو حكومة خفية ) يهيمن عليها بنو إسرائيل ومن خلفهم الشيطان ..!!!
في الواقع ؛ يتلخص حل مشكلة الشرق الأوسط في اتجاهين ـ لا ثالث لهما ـ هما :

(1) المواجهة العسكرية مع إسرائيل .. وغالبا ما تتحقق هذه المواجهة بالتوازن العسكري في التسليح بين العرب وإسرائيل بدون الحاجة إلى اللجوء إلى القتال أو الحروب المباشرة .. ويتلخص هـذا الحل في النهضة التكنولوجية ( البحوث العلمية والصناعية ) للعرب .. ويتم ذلك بتوجيه المليارات ( الشخصية ..!!! ) من استثماراتهم إلى داخل المنطقة العربية ..!!!

(2) المواجهة الفكرية للمشكلة بطرحها بأبعادها وبمسمياتها الحقيقية ( بدون إغفال للبعد الديني وموقف الغرب المسيحي من الإسلام ) . وفي كلا الحالتين يجب أن يسبقهما الإصلاح السياسي المفقود ( أو على الأقل إدراك الأنظمة الحاكمة أنها سوف تلقى نفس مصير الشعوب ) .. على النحو السابق ذكره .

فإذا أخذنا في الاعتبار أن القدرة على المواجهة العسكرية ـ مع الغرب ـ قد فقدها العالم العربي ( أو بمعنى أدق : العالم الإسلامي ) بجدارة منذ الحرب العالمية الأولى وسقوط الخلافة الإسلامية .. بالإضافة أن العالم العربي قد استبعده العالم الغربي ـ تماما ـ من على ساحة التسليح الحديث بفرض القيود الصارمة على بحوثه العلمية ونهضته التكنولوجية .. وتزويده في المقابل بأسلحة فاسدة ..!!! هنا يصبح وجود العالم الإسلامي مرهونا اليوم بإرادة الغرب المسيحي ـ كما قضت بذلك إرادة الله سبحانه وتعالىـ إن شاء أبقى العالم المسيحي على العالم الإسلامي .. وإن شاء أباده ..!!!

وهنا يصبح وجودنا منوطا بنظرة الغرب لمعنى ” حقوق الإنسان العربي ” وهل يستحق ـ هذا الإنسان ـ الحياة والشفقة ( شأنه في ذلك شأن باقي الحيوانات ..!!! ) .. أم أن الإنسان العربي ـ من المنظور الغربي ـ أصبح دون درجة الحيوانات ..!!! فـإذا كانت نظرة الغرب إلى ” العرب ” لم تتجاوز نظرته إلى الحشرات .. هنا يصبح العرب لا تستحق إلا الإبادة ..!!!
ومما يؤكد هذا المعنى ؛ فقد سبق وأن وصفت جبهة المتدينين في إسرائيل العرب بأنهم ” ماشية تمشي على قدمين ” كما وإنهم ” صراصير ” ( أي حشرات ) .. وأخيرا وصفهم النائب يحيال حزان ( رئيس اللوبي الداعم للمستوطنين في الكنيست ) وهو من حزب الليكود الذي كان يتزعمه السفاح آرييل شارون : ” أن العرب ديدان حيثما يتواجدون سواء تحت الأرض أو فوقها ” . وترى إسرائيل .. أن لغة القوة هي اللغة المناسبة معهم ..!!!

ويكتب أحدهم معلقا على مذبحة قانـا الفلسطينية بقوله : ” لم نقتلهم عن قصد مسبق .. ولكننا قتلناهم بسبب الفجوة بين الأهمية المقدسة غير المحدودة التي نراها لأنفسنا وبين الشخصية محدودة القداسة التي نفترضها لهم والتي سمحت لنا بقتلهم ” ..!!! ويقول نيتنياهو ( رئيس وزراء إسرائيل الأسبق ) للإدارة الأمريكية :

” لا تقلقوا فالعرب سيتعاملون مع الواقع الجديد شديد الإهانة .. وسيتكيفون معه .. تماما كما تكيفوا مع كل هزائمهم ” ..!!!

وبهذه المعاني ؛ تصبح حلول الغرب مفروضة على العالم العربي ( أو العالم الإسلامي بصفة عامة ) ولا يبقى له سوى الاستسلام والإذعان لما يملى عليه من شروط .. تمهيدا لإبادته التي يعمل لها الغرب ـ الآن ـ على قدم وساق ..!!! أنظر مجموعة دراسات الكاتب التي تأتي تحت عنوان : ” من سيناريو أبادة شعوب العالم العربي ” .

والآن ؛ إذا لم يتبقى لنا سوى المواجهة الفكرية .. وأغفل الإعلام الإجابة على كل ما سبق إثارته من أسئلة أساسية .. متمثلا في المواجهـة الدينية ( جنبا إلى جنب مع الإصلاح السياسي المفقود / على النحو السابق ذكره ) .. فلن يتبقى لنا من الإعلام سوى الراقصة والطبال ..!!!

وهنا لن يتجاوز معنى الإعلام العربي عن ثرثرة على التلفزيون لا قيمة لها سوى تسكين الشعوب العربية المغيبة والمخيبة بفضل مصالح الأنظمة المقدمة على مصالح الأوطان ( وبالتالي غياب الهدف القومي ) .. حتى يتمكن الغرب من إبـادة الجميع ( شعوبا وأنظمة ) وهم في غفلة لاهون .. تماما كما سبق وأن أباد الغرب المسيحي العالم الإسلامي في الأندلس ( أسبانيا ) شعوبا وأنظمة حاكمة .. والتـاريخ خير شاهد ( مقالة سابقة ) ..!!!

وأخيرا يبقى سؤال ـ أرى من المفيد طرحه حتى لا أتهم بالتجني على أحد ـ وهو : ما هو الفرق بين العمالة لدولة ما .. وبين الإذعان لهذه الدولة وطلب الوصاية منها بكامل اختيارها ( وهو المعنى الـذي تذوب معه كل معاني الخيانة والتجسس ) ..؟!!!

في الواقع ؛ لقد وقفت طويلا حول كيفية طرح هذا السؤال ، وقد صغته عدة مرات حتى انتهيت إلى هذه الصياغة الأخيرة وأرجو أن تكون واضحة للقارئ . والذي أعنيه هنا أن ( بعض ) الأنظمة الحاكمة ـ في عالمنا العربي المتهالك ـ عندما تدرك ( ربما نفسيا ) عدم نضوجها السياسي ( وفقدان الثقة في النفس ) من جانب .. وعدم شرعية استيلائها على السلطة من جانب آخر .. فإن عليها أن تستمد الإحساس بشرعيتها ( على الأقل لتحقيق السلام مع النفس هذا إن كان لديها بقية من حس أو ضمير ) من سلطة أخـرى ( تمثل الأبوة أو ولاية الأمر ) لكي تؤيدها وتؤكد لها مشروعية سلوكها ـ الإجرامي ـ بوجه عام ..!!!

وقد تجد هذه الأنظمة أن خير من يمثل هذا الجانب هو وصاية الولايات المتحدة الأمريكية عليها . فهي القوة الأكبر في عالمنا المعاصر التي تفرض سيطرتها على باقي الدول والتي تستطيع تحديد الصواب والخطأ باستعمال القوة ( أي بنظام البلطجة ) من وجهة نظرها . ولنضرب على ذلك المثال التالي بالرئيس ” جمال عبد الناصر ” شخصيا ..!!!

ففي كتاب ” لعبة الأمم “[8] يقول المؤلف مايلز كوبلاند ( وهو من رجال المخابرات الأمريكية .. كما سبق وأن ذكرت ) :

[.. وبعد تولي الرئيس الأمريكي جون كنيدي لمنصبه بشهر أرسل جمال عبد الناصر له خطابا جاء فيه أن من دواعي سرور الرئيس ناصر أن يستقبل مبعوثا موثوقا فيه من الرئيس كنيدي حتى يطلعه ـ ناصر ـ على الحالة في مصر ويسهل له دراسة مصر وأوضاعها ومشاكلها عن كثب .. ولم يقف الرئيس كنيدي موقف اللامبالي .. فقرر ـ في آيار/مايو 1962 ـ إرسال صديقه الحميم وأستاذه القديم ” إدوارد ماسون ” إلى القاهرة .

وما أن وصل البروفيسور ” ماسون ” إلى القاهرة . ومنذ اليوم الأول لوصوله أخبره ناصر أن له الحق كاملا في أن يدقق في أمور البلاد وشئونها كما يفعل هو ( أي ناصر ) نفسه ، كما له أن يعرف كل شاردة وواردة دون تحرج أو تكلف حتى يلمس المصاعب كما يلمسها ناصر بنفسه ، وطلب منه ناصر أخيرا أن يطلع على كافة تفاصيل حلول ناصر لمشاكل البلاد . وأتاح ناصر لماسون حرية التجول والتدخل وبرهن على ذلك بأن طلب من نوابه وكافة وزرائه وكبار المسئولين الرئيسيين تزويد ماسون بتقارير شاملة وافية عن شئون البلاد وأوضاعها [9] . وفي خلال لقاءاته مع ماسون ، كان ناصر يسأله قائلا : ” مستر ماسون ، هل تظن أننا نتصرف بغير الطريقة التي كنت ستسلكها لو كنت حاكما لهذا البلد ؟ ” وكان ماسون يجيبه : ” كلا ” ، وغالبا ما كان يضيف عليها : ” كلا سيدي الرئيس ” ]

وكما نرى ؛ فإن هذا يمثل قمة ضياع ثقة عبد الناصر في نفسه .. كما كان يطلب التأييد النفسي لكل ما ارتكبه من جرائم وآثام ..!!! فإذا أضفنا إلى ما سبق ـ وعلى حسب شهادة هذا الكتاب / لعبة الأمم ـ أن اجتماعات مجلس قيادة الثورة كان يحضره ممثلون من المخابرات الأمريكية وكانت تربطهم صداقات فردية وعائلية وطيدة بالضباط الأحرار .. بل ويصل الأمر إلى كتابة الفقرات التي يريدونها لتضمنها خطب عبد الناصر للجمهور .. كما كانوا في أحيان أخرى يعيدون صياغة هذه الخطب وتعديلها حتى ترضى عنها الولايات المتحدة وإسرائيل ..!!! أضف إلى ذلك أن الولايات المتحدة كانت تقوم بدراسة هذا الشعب ( أو الغوغاء على حد تعبير عبد الناصر / ص : 130 ) وتزويد ناصر بما تراه ضروريا ، بما في ذلك أساليب القمع والإرهـاب وتصفية جماعـة الإخوان المسلمين [10] ، لإبقائه على زعامة هذا البلد والمنطقة ، ولهذا كانت تطلق عليه الولايات المتحدة لقب : ” حليفنا المستقل ” ( صفحة : 94 ) ..!!! وقد كتب الصحفي المعروف محمد جلال كشك كتابا أسماه ” ثورة 23 يوليو الأمريكية ” ذكر فيه وقائع كثيرة .. تؤكد صدق هذه المعاني ..!!!

وهكذا ؛ يصبح القول بعمالة النظام للولايات المتحدة الأمريكية هو قول بسيط وساذج للغاية ..!! فالنظام كله كان مستغرقا تماما .. ويقبل طواعية بوصاية الولايات المتحدة الأمريكية عليه .. وهو ما يسقط معه دعاوى التجسس والخيانة العظمى ـ المستغرقون فيها ـ بمعناها الشامل .. والتي كانوا يفاجئونا بها عن بعض الأشخاص ( الخونة ) بين الفينة والفينة .. وكنا نصدقهم من فرط سذاجتنا ..!!!

وكما هو معلوم أن عبد الناصر قد أذل الشعب المصري .. وزرع الخوف في قلوب المصريين .. وورّث الدكتاتورية لمن بعده ..!!! وإذا قيل أنه بنى المصانع .. فإنه يجب أن يقال ـ في المقابل ـ بأنه هدم الإنسان المصري .. الذي يدير المصانع .. ليفشل كل شيء .. وليقضي عبد الناصر على كل شيء ..!!!

وتحدث النكسة .. أو بمعنى أدق تحدث الهزيمة .. في يونيو 1967 في ست ساعات .. بفضل فشل جمال عبد الناصر في قيادته للأمة ، وبفضل فشله في اختياره للقيادات .. وتقديم أهل الولاء على أهل الخبرة ..!!! واحتلت إسرائيل سيناء في مصر والجولان في سوريا .. كما احتلت الضفة الغربية وغزة .. بل ويعترف جمال عبد الناصر في خطابه في 23 يوليو 1967 بأن الطريق كان مفتوحا أمام إسرائيل إلى القاهرة ودمشق ..!!!

والسبب في هذه الهزيمة ـ ببساطة شديدة ـ هو أن إسرائيل قد وظفت الدين ( الأسطورة ) في خدمة قضيتهم وسلحت جنودها برؤية توراتية إجرامية فانتصروا .. أما جمال عبد الناصر فقد جَرَّد جنودنا من الإسلام ( الحق ) .. وأبعدهم عن كتابهم ـ القرآن المجيد ـ فانهزموا ..!!!

إن الدين لديهم شرف أما الدين أصبح لدينا تهمة نتبرأ منها ..!!! وبعد أن كانت فلسفة الأمة القديمة قائمة على أساس أن إسرائيل اغتصبت أرض فلسطين بالعنف والإرهاب .. وأبادت أهلها وشردت ما تبقى منهم وأخرجتهم من ديارهم .. وأن إزالة هذا الاغتصاب الظالم فريضة على الأمة وهدف قومي . انقلبت سياسة العرب ـ بفضل جمال عبد الناصر ـ رأسا على عقب .. بتبني سياسة ( أو فلسفة ) جديدة عقب النكسة ، تقوم على أساس إزالة آثار عدوان 1967 فحسب .. لتضفي هذه السياسة الشرعية على عدوان إسرائيل القديم على فلسطين سنة 1948 . وهذا التغير الخطير في السياسة .. هو أساس كل ما عانته الأمة بعد ذلك من تنازلات متتالية من كامب ديفيد ، فمدريد ، فأوسلوا .. حتى انتهينا إلى حالة الاستسلام والتخاذل التي نشهدها اليوم ..!!!

ويستدل الستار ـ في الختام ـ على وجود الإنسان .. حيث لن يجدي وصاية الولايات المتحدة أو فتوى علماء السلطة أو غيرها لأي نظام .. حيث يقول الحق تبارك وتعالى ..

) وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ (94) (
( القرآن المجيد : الأنعام {6} : 94 )

و ..

) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَاللّهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ (30) (
( القرآن المجيد : آل عمران {3} : 30 )

ليفتح المولى ( U ) بهذا النص باب التوبة والإنابة .. أمام الأنظمة الطاغوتية الظالمة ..!!!

•الإنسان العربي من المنظور الغربي ..

حتى لا تضيع حقائق التاريخ من بين يدي أجيالنا الحالية والقادمة .. أذكر بعض صور التعذيب التي مارسها الجنـود الأمريكيون والبريطانيون مع العراقيين ( العرب ) في سجن أبو غريب العراقي ..؟!!! فقد كشفت التقارير والتصريحات التي تداولتها وسائل الإعلام العالمية ـ وفي مقدمتها الأمريكية ـ عن عدد من الحقائق المذهلة :

أولا : نقلت صحيفة ” ذي صن ” البريطانية يوم الخميس 19 فبراير 2004 شهادة جندي بريطاني على عمليات تعذيب العراقيين ( العرب ) في سجن أبو غريب .. قائلا : ” كانت جولة ضرب الجنود العراقيين المعتقلين تبدأ بالركل في البطون وهم مستلقون على الأرض ثم يتصاعد التعذيب ـ وسط ضحك الزملاء ـ إلى حد جعل المعتقلين يتبولون ويتبرزون في ملابسهم من شدة الخوف والترهيب .. كما كانوا يجبرونهم على شرب بولهم إمعانا في إهانتهم وإذلالهم ..!!! وأضاف أن البريطانيين كانوا يركلون ويضربون ويعتدون بكل وسائل الإهانة على الأسرى العراقيين ( العرب ) دون توقف .. رغم صرخاتهم بطلب الرحمة وبكائهم لدرجة أن أصواتهم كانت تصل إلى ثكنات الجنود البريطانيين الآخرين وتمنعهم من النوم .. لقد تعاملوا معهم بوحشية كأنهم يتعاملون مع حيوانات ..!!!

ثانيا [11] : ركز التعذيب والإذلال الذي مارسه الجنود الأمريكان والبريطانيون ـ مع المعتقلين العراقيين ( العرب ) ونشرته وسائل الإعلام المختلفة ـ علي التعذيب الجنسي وممارسة الشذوذ معهم لتعظيم الإهانة . وهذا مؤشر علي أننا أمام جنود سفلة فاقدي الأخلاق والقيم . وأنهم إذا كانوا قد مارسوا هذه الأعمال من تلقاء ذاتهم فإنهم يعبرون عن ثقافة منحطة وإذا كانوا قد مارسوها بناء علي تعليمات من جهات عليا فإنهم يضيفون إلي الثقافة المنحطة فكرا عسكريا منحطا أيضا .

ثالثا : أن الجندية الأمريكية قد تساوت مع الجندي الأمريكي في البشاعة والشذوذ . فقد نقلت الصحف والمجلات وقنوات التليفزيون صورة المجندة الأمريكية ” ليندي انجلاند ” وهي تجر سجينا عراقيا مكبلا بالأغلال وهو عار تماما . أمّا المجندة الأمريكية ـ سابرينا هارمان ـ التي ظهرت بجوار عدد من السجناء الذين تم إلقاؤهم فوق بعضهم وهم عرايا تماما ووضعهم في أوضاع جنسية شاذة فقد قالت إن مهمتها كانت تحويل سجن أبو غريب إلي جحيم .. وأنها كانت مكلفة بجعل المعتقلين ينهارون استعدادا للاستجواب . وكانت مهمة الشرطة العسكرية جعلهم – أي جعل السجناء – متيقظين وتحويل الأمر إلي جحيم حتى يتكلموا .

رابعا : أن مسألة التعذيب لم تكن مسألة مبادرات سلبية فردية بل إن ثمة برنامجا تم تدريب عدد كبير من الجنود عليه لإجبار المعتقلين علي الإدلاء بالاعترافات . وإن الإنسان ليصاب بالدهشة والهلع عندما يري فتيات صغيرات يتلذذن بالتعذيب والإشراف علي عمليات الإذلال بالشذوذ الجنسي . ونتساءل : أي أنواع من البشر هؤلاء .. بل أي أنواع من الكائنات تحول إليها هؤلاء الجنود وهؤلاء الجنديات ؟! وأي انحطاط فكري وثقافي وإنساني وصل إليه هؤلاء ..؟!

خامسا : أن عمليات التعذيب والتحقير والإذلال والاغتصاب تمت بتوجيهات عليا وأن الهدف منها كان جعل المعتقلين العراقيين ( العرب ) في حالة مزرية حتى يسهل استجوابهم من قبل المخابرات الأمريكية . ومعني هذا أن الجنود الأمريكيين – والبريطانيين أيضا – وإن كانوا مسئولين عن تنفيذ هذه الممارسات السافلة فإن ثمة مسئولين أكبر وأعلي مستوي هم الذين يتحملون المسئولية . ومن ثم فلا يكفي الإقرار ببشاعة ما جري أو الاعتذار عنه أو توجيه اللوم أو العقاب لعدد من الجنود .

سادسا : أن الجنود الذين مارسوا التعذيب والإذلال قد عبروا عن نزعة عنصرية حاقدة وفكر إرهابي سوداوي متطرف في سوداويته . فإنهم لم يكتفوا بممارسة هذا التعذيب وذلك الإذلال بل حرصوا علي تسجيله بالصوت والصورة ونقله علي اسطوانات ممغنطة ” C. D ” وتداولها فيما بينهم وكأنهم يسجلون حفل انتصار أو ليلة عرس . أي أن هؤلاء الجنـود كانوا يستمتعون مرتين . المرة الأولي عند ممارسة هذا التعذيب والمرة الثانية عند مشاهدته مما يؤكد المسئولية علي كل المستويات .

وننتهي من هذا كله ؛ إلى أن هذه هي حضارة الولايات المتحدة الأمريكية .. وهذه هي حضارة الغرب عموما ..!!! وهذه هي ثقافة العولمة التي يتبنونها ويريدون فرضها على العالم أجمع بصفة عامة .. وعلى العالم الإسلامي بصفة خاصة ..!!! ففي : ” غياب المطلق الديني ( المفقود لدى الولايات المتحدة الأمريكية والغرب عموما [12] ) .. لم يعد للإنسان سوى ” الدارونية الاجتماعية ” التي لن ينتهي منها إلا إلى العيش في مجتمع أحط من مجتمع الذئاب الحيوانية ..!!!
•صور أخرى من الإرهاب والإجرام الأمريكي ..

في الوقع ؛ يموج مسرح الأحداث العالمية ـ في الوقت الحاضر ـ بصور كثيرة من الإرهاب والإجرام الأمريكي ـ لا يمكن حصرها ـ في كل أرجاء العالم .. وبصورة في غاية من التردي لهذه الحضارة الأمريكية العفنة ..!!! فبعد أحداث 11 سبتمبر 2001 ، والتي قاموا بتمثيلها وإخراجها بسيناريو غبي وأبله .. ومفضوح أمام العالم كله ( راجع مقالة الكاتب : أحداث الحادي عشر من سبتمبر والاستهزاء بعقول العالم ) ..!!! قامت الولايات المتحدة بغزو أفغانستان ؛ وعقب محاصرة القوات الأمريكية لمدينة قندوز الأفغانية وقبول قوات طالبان تسليم المدينة بشرط أن يعود المقاتلون إلى بيوتهم وقراهم ، كشفت مجلة ” نيوزويك الأمريكية ” في نوفمبر 2001 ، بأن القوات الأمريكية قامت باقتياد 800 من المقاتلين ـ بعد استسلامهم ـ إلى قلعة ” جانجي ” حيث قامت الطائرات الأمريكية ” إف 18 ” بقصفها بالقنابل الحارقة ـ تحت زعم تمرد المقاتلين ـ مخلفة بذلك مئات الجثث المتفحمة لرجال كان كثير منهم مقيد اليدين .

كما قامت القوات الأمريكية ـ بعد ذلك ـ بقتل نحو 3000 ( ثلاثة آلاف ) أسير آخر ( خليط من أفغان وعرب وشيشان وباكستانيين ) بوضعهم في حاويات مغلقة ـ تحمل كل حاوية من 200 إلى 300 أسير ـ بعد أن تم تقييد أيدهم وتعصيب أعينهم ، وقيل لهم أنهم سيتوجهون بهم إلى سجن ” شبرقان ” ومنه إلى مدنهم وقراهم . وبعد مضي عدة ساعات عرف ركاب الحاويات أن القوات الأمريكية غدرت بهم وأنهم سيقتلون بطرق رخيصة .. بتركهم في هذه الحاويات أو هذه العلب المغلقة لعدة أيام .. بلا ماء ولا هواء ..!!!

وبعد عدة ساعات قام الأسرى بالصراخ طلبا للماء والهواء .. ولكن بلا جدوى . وبعد مضي 24 ساعة بلا ماء ولا هواء بدأ كل أسير يلعق عرق جسد الآخر ، وبمضي الوقت بدأ الأسرى في الترنح وفقدان الوعي .. وفتحت الحاويات بعد أربعة أو خمسة أيام فاندلعت الجثث المخلوطة بالبول والدم والغائط والقيء واللحم المتعفن ..!!! وتقول مجلة نيوزويك : إن ما حدث في مدينة قندوز هو أحد الأسرار الصغيرة للحرب القذرة على أفغانستان ..!!! فهذه هي الولايات المتحدة .. التي كشفت عورة الحضارة الغربية القبيحة .. وهذه هي هويتها الدينية .. وهذا هو ضميرها الإنساني الممسوخ ..!!!
•صورة الإنسان العربي ـ المسلم ـ من المنظور الغربي في هذه الحقبة التاريخية الهامة ( القرن العشرون وبداية القرن الواحد والعشرين ) ..

إذا استثنينا الصورة الرمزية المتمثلة في لواط بعض الجنود الأمريكيين بالأسرى العراقيين ( العرب العراة من الملابس والكرامة والشرف والمال وكل شيء ) في سجن أبو غريب العراقي ( على النحو السابق ذكره ) ، فإن أصدق صورة يمكن أن تعبر عن هذه الحقبة التاريخية الهامة من حياة الشعوب العربية وموقف الدول الغربية منها .. هي صورة الجندي الأمريكي ( والتي نشرت في معظم الصحف العربية ) الذي يتبول فيها فوق رأس الجندي العراقي ( العربي ) الأسير وهو راكع أمامه على ركبتيه .. مطأطئ الرأس في انكسار شديد .. ويديه مقيدتان خلف ظهره ..!!!

وبذلك يكون نيتنياهو ( رئيس وزراء إسرائيل الأسبق ) قد صدق عندما قال للإدارة الأمريكية :

” لا تقلقوا فالعرب سيتعاملون مع الواقع الجديد شديد الإهانة .. وسيتكيفون معه .. تماما كما تكيفوا مع كل هزائمهم ” ..!!!

وهكذا ؛ جردنا الغرب المسيحي / اليهودي ( وفي مقدمته الولايات المتحدة وإسرائيل ) من كل شيء .. فقد جردونا من السلاح .. وجردونا من المقاومة .. كما جردونا من الشرف والكرامة .. ويحاولون ـ الآن ـ أن يجردونا من ديننا وتديننا ( بعد أن فقدوا هم الدين والتدين كما فقدوا الأخلاق والقيم والمبادئ ) .. وليس هذا فحسب بل يحاولون أن يجردونا من عقولنا أيضا ..!!! لنصبح ـ لهم ـ مجرد مزرعة من الحيوانات .. يقومون بنحر مفرداتها كيف شاءوا ومتى يشاءوا ..!!!

فهذه هي الحقيقة العارية ـ بكل أسف ـ الذي انتهينا إليها بفضل أنظمتنا الطاغوتية الحاكمة .. وإعلامنا العميل للشيطان .. حيث يقول المستشرق الأمريكي ” و. ك. سميث ” ( الخبير بشؤون باكستان ) :

[ إذا أعطي المسلمون الحرية في العالم الإسلامي وعاشوا في ظل أنظمة ديمقراطية فإن الإسلام سوف ينتصر في هذه البلاد ، وبالديكتاتوريات وحدها يمكن الحيلولة بين الشعوب الإسلامية وبين دينها ]

ولا يبقى سوى أن أذكر بقوله تعالى ..

) كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (8) اشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (9) لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (10) فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (11) وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ (12) (
( القرآن المجيد : التوبة {9} : 8 – 12 )

[ التفسير : ( كيف ) : يكون لهم عهد / ( وإن يظهروا عليكم ) : يظفروا بكم / ( لا يرقبوا فيكم إلا ) : لن يراعوا فيكم عهدا لو ظهروا عليكم ( أي لو ظهر ـ المشركين ـ على المسلمين وأديلوا عليهم فلن يبقوا ولن يذروا ) / ( ولا ذمة ) : عهداً / ( يرضونكم بأفواههم ) بكلامهم الحسن / ( وتأبى قلوبهم ) الوفاء به ( وأكثرهم فاسقون ) ناقضون للعهد . كما تقطع الآية الكريمة التاسعة بشرك أهل الكتاب ( كما يدل هذا من سياق الحدث للنص القرآني ) . وكذلك تقطع هذه الآية الكريمة بالمتاجرة بالدين .. وبتحريف نصوص الكتب المقدسة السابقة على الإسلام .. لأنها تنتهي بالصد عن سبيل الله ..!!! / ( وقاتلوا أئمة الكفر ) : ويشمل هذا أيضا المواجهة الفكرية معهم ـ أولا ـ لعلهم ينتهون ] وإلى حديث آخر إن شاء الله تعالى ..

****************

هوامش المقالة :

[1] على سبيل المثال ( وقبل أن يتغلغل نفوذ الولايات المتحدة الأمريكية في النظام الناصري إلى حد التبعية المباشرة ) يقول ” نايلز كوبلاند ” في كتابه : ” لعبة الأمم : The Game of Nations ” ( اللأخلاقية في سياسة القوة الأمريكية ) ؛ تعريب : مروان خير . مكتبة الزيتونة ـ بيروت ـ لبنان . الطبعة الأولى 1970 . في صفحة 104 :

[ .. ولكن القلق بقى ينتاب المسئولين عن وضع خططنا في وشنطن بخصوص أفكار عبد الناصر حول : ” الصفوة المختارة والمؤهلة للحكم فطريا ” . وكانت مثل هذه الأفكار تصلهم عن طريق هيكل ـ ليكلاند .. ]

وليكلاند هو ” وليم ليكلاند ” ضابط المخابرات الأمريكي والمسئول السياسي في السفارة الأمريكية في القاهرة . والمعروف لدى كتاب كثيرين ( مثل جلال كشك .. ) أن ثورة يوليو كانت كلها عملية أمريكية ..!!!

[2]وللتفاصيل والتوثيق يمكن الرجوع إلى موقع الدكتور محمد عباس : ( www.mohamadabbas.net )

[3]محمد حسنين هيكل : ” السلام المستحيل مع إسرائيل ؛ قراءات في أوراق شخصيات سياسية ” ؛ دراسة وتعليق / إيهاب كمال محمد . الحرية للنشر والتوزيع . ص : 71 وما بعدها .

[4] لأمانة العرض ؛ صرح الأستاذ هيكل بأنه عرف ما ينهي حيرته في نوفمبر 2000 ولكن لم يذكر ” المصدر السابق ” كيف عرف هذا السر ..!!! وبديهي .. هذه المعرفة لن تغير شيئا من واقع العمالة الأليم الذي انتهت إليه هذه الأنظمة ..!!!

[5] محمد حسنين هيكل : ” السلام المستحيل مع إسرائيل ؛ قراءات في أوراق شخصيات سياسية ” ؛ دراسة وتعليق / إيهاب كمال محمد . الحرية للنشر والتوزيع . ص : 65 وما بعدها .

[6] لابد وأن ينسب التاريخ إلى ” جمال عبد الناصر ” تهمة القضاء على ” الأمن العربي ” .. نتيجة الخلل الفادح ـ الذي تسبب فيه ـ في التوازن الاستراتيجي في التسليح بين مصر وإسرائيل ..!!! فقد خدع جمال عبد الناصر العالم العربي مرتين : المرة الأولى : عنما أكد في إحدى خطبه ـ بعد تنامي الإشاعات الخاصة بامتلاك إسرائل للقنبلة الذرية ـ بأن مصر سوف تمتلك القنبلة الذرية في حالة امتلاك إسرائيل لها .. ولم يحدث ذلك !! والمرة الثانية : عندما أكد على أن مصر تمتلك الصواريخ ( المتوسطة وطويلة المدى التي تستطيع الوصول إلى العمق الإسرائيلي ) والمسماه : بالقاهر ، والظافر ، والرائد .. وذلك بإصراره على ظهورها في الاستعراضات العسكرية في 23 يوليو من كل سنة .. وهي لم تكن سوى مجرد نماذج هيكلية فارغة .. لا قيمة لها ..!!! وكما هو معروف أن عبد الناصر يتحمل المسئولية كاملة في هزيمة يونيو 1967 .. وبالتالي فعبد الناصر ـ في حقيقة الأمر ـ كان ضرورة لتأسيس ” الإمبراطورية الإسرائيلية ” في المنطقة ..!!!

[7]تم الإجابة على جميع هذه الأسئلة في مراجع الكاتب السابقة .. وأخص بالذكر كتاب : ” الإسلام والغرب .. المواجهة والحل ” ؛ مكتبة وهبة .

[8]” لعبة الأمم / اللأخلاقية في سياسة القوة الأمريكية ” ؛ مايلز كوبلاند . تعريب : مروان خير . مكتبة الزيتونة ـ بيروت ـ لبنان . الطبعة الأولى 1970 . ص : 297 وما بعدها .

[9] وبديهي في ظل هذا المنظور لا معنى للتكلم عن أي قضايا تجسس أو خيانة .. فالدولة من قمة رأسها إلى إخمص قدمها مسخرة وكتاب مفتوح على مصراعيه للمخابرات الأمريكية ..!!! فحقا ! إنها لعبة الأمم !

[10] في عام 1965 قام عبد الناصر ( 1918 – 1970 ) بالقبض على أكثر من ثلاثين ألفا من الإخوان المسلمين ، تحت زعم تآمرهم عليه ، حيث تعرضوا لاحكام الإعدام والتعذيب الشديد في السجون والمعتقلات . وقد كتب كثيرون أن المؤامرة التي زعم عبد الناصر وأجهزته أن الإخوان متورطون فيها كانت وهمية ..!!! حتى يتمكن عبد الناصر من تصفية جماعة الإخوان المسلمين . وفي عام 1966 ضرب عبد الناصر عرض الحائط بكل النداءات من جميع أنحاء العالم وأمر بإعدام الداعية الإسلامي الكبير ” سيد قطب ” ( 1906 – 1966 ) .. ونفذ فيه الحكم ـ على عجل ـ في فجر يوم الاثنين 29 أغسطس 1966 .. قبل وصول الوفود الإسلامية الرسمية إلى مصر للوساطة والمطالبة بالإفراج عنه ..!!! وبعد أقل من سنة حدثت هزيمة يونيو 1967 التي قضت ـ معنويا ونفسيا ـ على زعامة عبد الناصر ..!!! وتوفى عبد الناصر في 28 سبتمبر 1970 .. ليواجه الحقيقة المطلقة .. ويصبح وجها لوجه مع ما قدمت يداه ..من ظلم للعباد ..!!!

[11] عن جريدة ” عقيدتي ” ، عن تحليل الاستاذ الصحفي النابه : سيد عبد الرؤف .

[12] وهذا من أكبر الأدلة ( الصارخة ) على خرافة دياناتهم لأنها لم تردعهم ، ولم تمنعهم عن فعل وارتكاب فواحش الأعمال ( على النحو السابق ذكره ) .. وذلك لغياب القيم الأخلاقية منها ..!!! وبديهي ؛ بغياب القيم الأخلاقية ؛ فإن حضارتهم هذه لن تقود العالم إلا إلى الخراب والدمار .. بعكس ما يعتقدون ..!!!