أحوال عربية

الأمن العربي -الطائفي- !!


ياسر قطيشات

“اقتتالنا على السماء .. أفقدنا الحياة على الأرض” .. تلك مقولة السياسي اللبناني المعروف “انطون سعادة” الذي كتب مقالا مطولا عن الخلافات الدينية في سوريا خلال العقد الثالث من القرن الماضي، لكن مقاله اليوم يلامس واقعنا العربي للأسف بعد مرور أكثر من 90 عاما على تأسيس الدولة العربية المعاصرة!
وربما يتساءل البعض لماذا لم تنجح الدولة العربية المعاصرة من تجاوز عقدة الطائفية والعرقية ومشكلة الاقليات؟ الاجابة بكل بساطة ليست بحاجة الى تحليل معمق، فالحقيقة الواضحة للعيان ان فشل الدول العربية في بناء دولة المواطنة والحقوق، ووضع علاج آني لمشكلة الاقليات والطوائف من خلال دمجها الوهمي في مجتمع رعوي يقوم على “الولاء والانتماء” للزعيم الملهم، جعل كيان الدولة العربية أشبه بجدار هش، ينهار في اول اختبار حقيقي لازمة “المواطنة”، فتظهر على السطح التشنجات الطائفية والعرقية. تماما كما حدث في العراق بعد احتلاله !!
منذ نهاية حرب الخليج الثانية عام 1991م، تبخرت احلام القومية العربية، وبات الحديث عن مشاريع “الوحدة” أشبه بقصص الخيال، وحل بديلا عن “الامن القومي العربي” اليوم “الامن العربي الطائفي”!! ذلك الامن الذي روجت له مؤسسات غربية منذ الثمانينات وصولا الى مشروع الشرق الاوسط الكبير الذي يهدف في جملة ما يهدف، الى خلق كيانات سياسية عربية هشة وضعيفة وقائمة على أسس عرقية وطائفية ومذهبية، وتسهيل مهمة تذويب تلك الكيانات في خريطة الشرق الاوسط “الطائفي” ما يفسح المجال امام “إسرائيل” لتصبح القوة الإقليمية الكبرى في إقليم قائم على “الفك والتركيب” بسهولة، الى جانب قوميات غير عربية (تركيا، إيران) تعمل على زيادة التفتيت القومي العربي من خلال مناصرة تيارات طائفية، سنية وشيعية، في مختلف ارجاء الوطن العربي!!
كاتب أمريكي تحدث عن الطائفية في العالم العربي وكتب قبل عام تحت عنوان “اللعب بورقة السنة” ما يلي “من وجهة نظر فريق الحرب في أمريكا فإننا إذا نظرنا إلى الوضع الطائفي في الشرق الأوسط فسوف نجد أن الحكام السنة المتحالفين مع أمريكا متوحدون في مواجهة احتمالات المد الشيعي. وإذا كنا في حالة حرب حضارية مع الإسلام من وجهة نظر فريق الحرب، فإن تعميق هذا الانشقاق الطائفي في صفوف العدو يجب النظر إليه باعتباره استراتيجية فعالة”!! 
كاتب أمريكي آخر تحدث عن استراتيجية تمزيق العالم العربي، فيقول “إن استراتيجية تمزيق العراق على أسس طائفية هي نفسها التي يراد من خلال الحرب تطبيقها في لبنان .. إنها هي استراتيجية “فرق تسد” الاستعمارية القديمة المعروفة”!!
لقد نشرت مجلة عسكرية أمريكية قبل أعوام قليلة، خارطة جديدة للشرق الأوسط، وضع خطوطها العريضة الجنرال المعروف رالف بيترز ، وقسّم فيها المنطقة إلى دول سنية وشيعية وكردية (دولة شيعية تُعرف باسم “شيعستان” تتحالف مع إيران في الجنوب، بكل ما يحتويه من آبار نفط، ودولة سنية في شمال وغرب بغداد. أما العاصمة فيتم تقسيمها إلى بغداد الشيعية الشرقية وبغداد السنية الغربية، واليوم ترتفع الجدران بين السنة والشيعة في أحياء المدن الكبيرة خاصة بغداد، خاصة بعد أن هجر أكثر من (200) ألف سني مناطقهم.
وزير الخارجية الايراني الاسبق علي أكبر ولايتي، يعتبر صوتاً أساسياً في صياغة السياسة الخارجية لطهران. وفي خطاب ألقاه في طهران قبل سنوات، قال “إنه بإطاحة نظام طالبان في كابل ودكتاتورية البعث في بغداد، خلقت الولايات المتحدة فرصة تاريخية لإعادة صياغة الشرق الأوسط”.
لقد شاركت إيران في تقسيم الدول العربية على أساس طائفي، كما في العراق، والذي طالب فيه رجال إيران في العراق “بعزل الجنوب في إقليم شيعي واحد”. ومما لا شك فيه أن إقامة مثل هذه المناطق إنما تتم بعد إشاعة مساحة من الفوضى والدمار، وهذا لا يكون إلاّ بعد إيقاظ وتسعير الفتنة الطائفية، وقد تطوّعت “إيران الصفوية” بهذه المهمة القذرة، عبر احجار الشطرنج العراقية الحاكمة اليوم!!
ان اللغة الطائفية هي السائدة اليوم في العالم العربي، سواء الطائفية السياسية “سني وشيعي” في العراق وسوريا ولبنان ودول الخليج العربي ..الخ، أما الطائفية الدينية، مسيحي مسلم، في مصر ولبنان والعراق والسودان ..الخ، فضلا عن مشكلة الأقليات والعرقيات في كل نسيج الوطن العربي، من الماء الى الماء، وربما يكون العراق هو بوابة اثارة الازمة الطائفية في الوطن العربي خلال العقد الماضي، فبعد غزو العراق قلبت موازين القوى القائمة بين السنة والشيعة منذ ألف عام، وبات البعد الطائفي هو عنصر الحسم في الخلافات السياسية القائمة في العراق اليوم، ولعبت ايران دورا في تغذية العنف الطائفي وتسويقه في المنطقة لتمكينها من تفتيت بلاد الرافدين والتحكم في ادارة دفتها طائفيا، بالتعاون مع قوى راديكالية طائفية من الجانبين: السنة والشيعة.
ومع انطلاق ما يسمى بـ”الربيع العربي” في المنطقة ، خاصة في سورية، أخذ البعد الطائفي ابشع صوره فبعد فشل النظام السوري في اخماد الثورة الشعبية، عمد الى تحويل حركة التمرد الشعبي المطالبة بالإصلاح والتغيير الى حرب اهلية طائفية، فدخلت ايران وحزب الله وحكومة المالكي على خط دعم النظام العلوي السوري ببعده الطائفي الشيعي، وبالمقابل وقفت السعودية وقطر وتركيا في صف الثورة الشعبية السورية بوصفها ثورة تمثل الاغلبية السنية وحركة الاخوان والسلفيين السوريين، فيما شجعت الولايات المتحدة بدعم من ايران – بشكل غير مباشر- تنظيم القاعدة للدخول في لعبة الحرب الطائفية في سوريا، فطال امد النزاع واتسعت معه دائرة العنف الطائفي، فيما تدخلت دوائر الخلايا الطائفية الايرانية في العراق اليوم لزجه في حرب سوريا الطائفية، تارة من خلال تشجيع الشيعة العراقيين على المشاركة الى جانب حزب الله في سوريا، كما اعترف نصر الله مؤخرا، وتارة بسلسلة تفجيرات ارهابية طائفية زادت من مساحة المنطقة “الحمراء” الملطخة بدماء العراقيين بسبب العداء الطائفي الذي غذاه الفرقاء السياسيين داخل وخارج حكومة المالكي، وسط أزمة سياسية عراقية تنذر بعودة شبح الحرب الاهلية الطائفية من جديد!!
في لبنان، زج حزب الله بلاد الأرز في حرب الدفاع عن الطائفية وليس الدولة السورية، واعترف حسن نصر الله مؤخرا ان قواته تقاتل بشراسة في القصير السورية حتى تحرير سوريا مما يسميهم “السلفيين الارهابيين”!! والثوار السوريين يتوعدون حزب الله وإيران بالقضاء على “الصفويين وقوات الشيعة اللبنانية” !! انها بكل أسف لم تعد معركة تقرير مصير ومستقبل الانسان العربي، بل اصبحت معركة طائفية مقيتة هدفها تسهيل مهمة اعداء الامة لتقسيم المقسم وتجزيء المجزّء وإعادة “فك وتركيب” الدول العربية المعاصرة الى كينونات طائفية، وتطبيق النسخة الجديدة لسايكس –بيكو “2” ، لإنشاء دول طائفية وعرقية ومذهبية : سنية وشيعية وعلوية وكردية ومسيحية ، وتذويب هوية المنطقة العربية الاسلامية المسيحية ككتلة واحدة.
في سوريا، تتسارع عملية التفكك بتأثير ضعف الطرفين عن حسم النزاع لصالحه، وتلجأ القوى الخارجية لتعزيز فكرة التفكك من خلال دعم المكونات السياسية على أساس طائفي. وفي العراق تتزايد الان مطالبات اقامة اقليم سني في الانبار، وأخر شيعي في مناطق من بغداد وأخر في الجنوب، فضلا عن كردستان التي تحاول تركيا استيعابها بعيدا عن العاصمة المركزية في بغداد، وسط مطالبات كردية بالانفصال التام عن العراق، ناهيك عن دعوات لإقامة كيان في المنطقة الساحلية وجبال العمق في شمال غرب سوريا. فإذا نجح حزب الله اللبناني في فتح الطريق لنظام الأسد بين حمص والحدود اللبنانية، فإن هذا الجيب يمكن أن يؤول إلى الارتباط بمعاقل ذات أغلبية شيعية في سهل البقاع اللبناني، وهكذا تنقسم سوريا والعراق ولبنان الى كيانات طائفية لا يجمع بينها سوى العداوة والحروب، حتى لو استقلت طائفيا!!
يزعم الغرب أن تقسيم المنطقة على أساس الطوائف والأقليات، وإقامة دولة سياسية مستقلة لكل طائفة، من شأنه أن ينهي العنف في هذه المنطقة!! وهي دعوت واضحة الاهداف وترمي الى تعزيز فكرة الانشطار والتقسيم، تماما كما جرى في السودان الذي تم تقسيمه جغرافيا على أسس دينية، مسلم/ مسيحي، ويجري الان محاولة تقسيم ما تبقى في الغرب السوداني وصولا الى انهاء سيطرة السودان على البحر الاحمر، ليصبح السودان ثلاث كيانات مستقلة، ومن ثم التحضير في عام 2016م، حسبما كشف الخبير السياسي والعسكري الامريكي “دوا سيزار” الى تقسيم مصر الى دولتين على الاقل بين الاقباط والمسلمين ، من أجل التحكم في موارد نهر النيل، وهو ما يجري اليوم ترويجه من خلال اثارة النعرات الطائفية الدينية بين القوى السياسية، لتكرار سيناريو العراق بعد التحرير، عراق التبعية والطائفية المالكية !!
وقد أثبتت التجارب العملية لبعض دعاة القومية والطائفية والنزعات الاقليمية، انهم بلا مبادئ او قيم سياسية، وليس لديهم رؤية ايديولوجية وإنما ادوات سياسية للعب فيها في كل الاوقات، كما هو حال الأسد ونصر الله والمالكي والقاعدة وحزب النصرة وبعض امراء الثورات والمال، فهم يلعبون بورقة القومية عندما يحتاجون اظهار الدفاع عن العروبة، كما يجري في العراق، بين الاكراد والمالكي، او بالقضية الفلسطينية، ويلعبون بورقة المذهبية والطائفية، حينما يحاول كل منهم ان يظهر كزعيم هذا المذهب او ذاك، كما يجري في العراق وسوريا ومصر والعراق اليوم.
تفتقد الامة العربية اليوم، بكل أسف ، لزعامات قومية راشدة توقف نزيف الدم العربي الذي اراقته الحروب الطائفية وحروب الوكالة عن ايران وإسرائيل وتركيا والولايات المتحدة، وفي غياب الحكماء من العرب والمسلمين، تسيطر على الامة زعامات طائفية تقود المنطقة كلها الى المجهول، وتقاتل باسم السماء حتى لم يعد متسعا للعيش على الأرض، وتعيد الامة الى عصور الجاهلية الأولى والقبلية والتعصب الديني!! 
لذلك ، فان معظم القيادات والزعامات القبلية والعرقية والطائفية ليس لديها طموحا لبناء دولة عصرية حديثة، وإنما لبناء كيان سياسي طائفي أو قبلي او قومي، يمكنها من الاحتفاظ بالسلطة أمد الدهر، لان الطائفة او الاقلية او القومية، في أي سلطة مركزية حينما تفشل في تحقيق مصالحها الخاصة، او مصالح قيادتها، تلجأ الى الانفصال او التحالف مع قوى سياسية متشابهة معها لتقويض اركان الدولة المركزية، خاصة ان كانت الدولة القائمة لا تملك مقومات دولة القانون والمؤسسات والمواطنة. 
وهو ما لا يتوفر في الوطن العربي . فكل نظام سياسي عربي، حتى من جاء عبر الانتخابات، يمكن ان يستغل الورقة للطائفية للاحتفاظ بالسلطة اكبر وقت ممكن، فلا توجد لدى اغلب الانظمة العربية فكرة تداول السلطة، فمن كان بالمعارضة بالأمس ، كالمالكي مثلا، بات اليوم ينكر على الاخرين حق تداول السلطة!! فقد فعل المالكي المستحيل خلال انتخابات عام 2010م ولعب بورقة الطائفية بدعم من ايران، حتى اعاد للمرة الثانية تشكيل الحكومة!! واغرق البلاد في فوضي سياسية وأزمة امنية، ويرفض الاستماع لكل دعوات الخصوم والأصدقاء للتنحي، رغم فشله الذريع في توفير الحد الادنى لمتطلبات الحياة والأمن والسلام والرعاية الاجتماعية للمواطن العراقي.
ان افضل رد على دعوات الطائفية والنزعات الانفصالية المذهبية الدينية والعرقية هو تأسيس نظام ديمقراطي عصري يلبي طموحات ومصالح كل المكونات السياسية والثقافية والدينية والقومية، ويسمح بمشاركة الجميع في تولي السلطة ، ونرى بالأفق اكثر من سيناريو لمستقبل المنطقة العربية في ضوء العنف الطائفي والإقصاء السياسي المذهبي والاقليمي، السيناريو الاول، متفائل، ويتبنى فكرة ان تستفيق الشعوب العربية من مآلات الصراع الطائفي والمذهبي، وتنادي بأنظمة علمانية تحكم دول المنطقة، وهو امر بعيد المنال اليوم!
سيناريو ثان، ان تصل الى السلطة المزيد من الانظمة الاسلامية “الطائفية”، كما هو حال حكومة المالكي” تعزز مقولة الصراع الطائفي وتسهل عملية الانشطار في كيان الدولة، وسيناريو أخر، وهو ان تدفع عملية التغيير السريعة في المنطقة الى وصول انظمة ديمقراطية اسلامية معتدلة، اسوة بحزب العدالة والتنمية التركي، تركز على عملية اعادة البناء والنهضة، بعيدا عن النزاعات الطائفية والمذهبية، 
اما اخر السيناريوهات هو بقاء الوضع الراهن على ما هو عليه، احتفاظ النظام السياسي بالسلطة، وصراع مكونات سياسية وطائفية ومحاولة تحسين شروط الوضع السياسي عبر مفاوضات تجري بين السلطة والمعارضة في ظل اجواء شحن طائفية وتشنجات عرقية ومذهبية، وهكذا وضع ربما يستمر سنوات، لكنه لن يدوم طويلا!
ان الحل الوحيد للقضاء على العنف الطائفي والمذهبي والتعصب الديني هو ولادة الدولة العصرية، دولة المواطنة والحقوق والواجبات والمساواة التامة بين المواطنين، اسوة بالغرب.
لندع الفتن الطائفية بعيدا ونبني الاوطان العربية على أسس ومبادئ وقيم انسانية مشتركة: عدالة، مساواة، حرية، تنمية، انها دولة المواطنة، ففي الحياة متسع للجميع، والأوطان للناس كافة، والاختلاف سنة الكون، فلولا الاختلاف لفسدت الارض.
دعونا نكسب معركة تقرير مصير وحرية الانسان العربي بعيدا عن الانقسام والتناحر، فالاوطان للجميع، والدين لله تعالى. وكما قال انطون سعادة “ما دمنا نقتتل على السماء فلن نربح الأرض أبدا” !!، وقال أهل الحكمة من قبل : ” اختلفنا على مسح الخف والقدم … حتى لم يعد لنا على الأرض موطئ قدم” !!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق