ثقافة

الأدب المزابي … من تاريخ الادب المزابي … الأدب الشعبي المزابي من الجزائر

 د. يحيى بن بهون حاج امحمد

جامعة غرداية

                      

الملخص:

تعدّ منطقة واد مزاب (غرداية) ملتقى مجموعة معارف وتجارب إنسانية، شكلت مع مرور الزمن ثراء فكرياً وثقافياً مميزاً للمنطقة، يضاف إلى الرصيد اللهجي والثقافي المتنوع ببلادنا الجزائر ومعظم أقطار المغرب الكبير، وأمام إشكاليات العولمة ومنها إلغاء ومحو الخصوصيات، وأمام التراكم والتنوع الثقافي والحضاري الذي تزخر به بلادنا، لاشك أنّ الكثير من الباحثين والمتخصصين يسعون إلى سبر أغوار هذا التراث الثقافي في سبيل تثمينه والتعريف والمحافظة عليه؛ وقد تولدت من هذا المنطلق فرق بحث جامعية ترمي إلى الغرض؛ ومنها فرقتنا للبحث بجامعة غرداية والتي تبحث في رصيد (الحركة الأدبية بوادي مزاب منذ الاستقلال إلى اليوم، جمع وتدوين الأدب المزابي نموذجاً).

ويقوم بحثنا هذا على دراسة جزئية من التراث الوطني وتاريخه الأدبي، من خلال الإسهام في تجميعه وتصنيفه والتعريف به، وما التأريخ للحركة الأدبية في وادي ميزاب إلاّ نموذجاً عملياً، ومثالاً ضمن منظومة أدبية وثقافية وطنية شاملة ومتعددة الأشكال والأجناس واللغات والثقافات، في سبيل الوصول في المستقبل ومع جهود الباحثين الآخرين هنا وهناك إلى تدوين شامل لتراث الأمة الأدبي والثقافي.

عناصر البحث:

$11-               الأدب المزابي في ظل إشكالية الجمع والتناول.

$12-               خصائص اللِّسان المزابي.

$13-               أعلام الأدب المزابي.

$14-               استقصاء الأجناس السردية للأدب المزابي.

–  الحكاية والأسطورة والقصة الشعبية (تَانفُوسْتْ).

–  قصص الأطفال (تِينفَاسْ نْ ؤُتشِيدَنْ).

–  الفنون المسرحية (تَسُـنَايْتْ).

–  الأمثال والحكم الشعبية (إنْزَانْ).

–  الألغاز والأحاجي (ألاَّوَنْ).

$15-               آفاق تناول الأدب المزابي بالدراسة والبحث

$16-               خلاصة وتوصيات.

$11-     الأدب المزابي في ظل إشكالية الجمع والتناول.

يطرح الأدب المزابي عمومًا إشكاليتي الجمع والتناول، أمَّا الجمع فيأتي من تشتته في المصادر الشفوية هنا وهناك، بحيث أنَّ كل قصر من قصور وادي ميزاب السبعة يحتفي برصيد شفهي متنوع وغني بالقيم الفنية والجمالية، في حين أنَّ إشكاليات التناول تأتي من قلة الإقبال عليه من طرف الطبلة والباحثين، وبخاصة من أبناء المنطقة ممن هم وثيقي الصلة بلغتهم الأم وأعرف أكثر من غيرهم بتفاصيل الحياة اليومية وبالعادات والتقاليد الخاصة بمجتمعهم الصغير…، ولعل ذلك راجعٌ بالأساس إلى عدم وجود مؤسسات تعنى بهذا الجانب من الذاكرة، وعدم إحاطة الهواة بمناهج البحث في هذا المضمار.

وقد وجدت فئة قليلة جداً، تنظر إلى هذا الموضوع عادة بنظرة الانتقاص أو التخوّف، لأنها _في تصور بعضهم_ قد تكون مدعاة إلى التعصب للبربرية على حساب اللغة العربية أو إلى سبباً لبعث فوارق جهوية على حساب الوحدة الوطنية، غير أنّ الهوية الجزائرية معروفة بتنوّع لهجاتها باتساع رقعتها الجغرافية.

إذ لم يكن ليرد هذا أو ذاك فيما عرفناه وشاهدناه، فسكان الصحراء هُم من حمى اللغة العربية ومنعها من الذوبان في بوتقة الاستعمار الفرنسي مدة 132 سنة، تماماً كما ضرب أهلها أروع الأمثلة في الفداء والوطنية، ولنا في شاعر ثورتنا المجيدة مفدي زكرياء أروع الأمثلة وأوضحها، وكانوا في طليعة من قدموا الغالي والنفيس في سبيل وحدة التراب الوطني واستقلاله لما عُرض عليهم فصل الصحراء عن الشمال، وجهود الشيخ الإمام إبراهيم بيُّوض لا تخفى على ذي اطلاّع بتاريخ الجزائر الحديث.

لهذه الأسباب وغيرها همّش الأدب الشعبي؛ بالرغم من أنّ القصة الشعبية على أنواعها كانت تُقدّم باللغة المحكية أو بما هو أقرب إلى اللغة المحكية، ولم يكن لها هدف الإثراء اللغوي المكتوب بل التعبير الكلامي عن العواطف من مخاوف وأُمنيات، وبالتالي بأيّ لسان سيعبّر الأديب عن هذا الأدب ؟!

من هذا المنطلق، عندما نتناول القصة الشعبية الحديثة، على اللغة الفصحى أن تلفت الانتباه إلى ذاتها، وهي هنا في صراع آخر بين اللغة الفصيحة الأدبية وبين مقدور القرّاء استيعاب هذه اللغة؛ فهل نحن _إذن_ إزاء اكتشاف وخلق لغة جديدة ما بين المحكية والفصحى؟! أم أننا أمام لغة عربية فصيحة مبنية من طبقات متعددة يستمد منها الطفل الطبقة الأولى المسطحة مع إهمال شحناتها التاريخية ؟! وما عليها أن تورده من أفكار وتجارب بعيدة المدى ؟!

         كذلك فيما يتعلق بتدريس هذا النوع من الأدب في المدارس الرسمية أو المعاهد الحرة في ميزاب، بالنسبة للتعليم الرسمي فهو في طور الإنشاء لندرة الإطار التربوي المتخصص من جهة، وبالنسبة للتعليم الحر فهو غير مطروق بصورة متكاملة، بل الأمر موكول فيه لبعض المجتهدين، إذ العجز مسجل وواضح، والمبادرة إليه من طرف إدارة المدارس غير مذكورة بتاتاً، لتبقى بذلك العهدة على البيت وحده، وعلى المجتمع من بعده إن شاء تعاون في هذا الأمر أو تركه.

هذه بعض الإشكاليات التي تطرح نفسها للباحثين المتخصصين، ونفس الكلام _من دون مبالغة_ يقال عن الألسنة البربرية الأخرى كالشَّاوية والشَّلحية والتَّارقِية… وغيرها، كما يطرح بعض الدارسين قضية الخط والكتابة، هل تكون بالحرف العربي أم اللاتيني (الفرنسي) أم الأمازيغي (التِّفِينَاغْ) ؟!!.

مع ذلك لابد من ذكر جهود بعض المجتهدين في الأدب المزابي ومنهم: عبد الرحمن حواش في التاريخ والتراث المزابي؛ والأخوين عبد السلام المتخصصين في اللغة والنحو المزابي؛ وأحمد نوح مَفْنُون في الحكاية الشعبية المزابية؛ والدكتور عبد الله نوح في الأدب المزابي المقارَن؛ وترشين صالح وداوي عمر وعبد الوهاب فخار وآخرين… في كتابة وأداء الشعر المزابي؛ ولكل هؤلاء وغيرهم أعمال أدبية مطبوعة وتسجيلات سمعية في السوق الجزائرية.

2- خصائص اللسان المزابي:

قبل الولوج إلى صلب الموضوع أرى أنه من الواجب ضبط بعض المصطلحات وتحديد بعض المفاهيم التي سيدور الحديث عنها ومنها خاصة: “الأدب المزابي”، فالأدب هو معظم ما عرف من الأجناس الشعرية والنثرية، وميزاب: هي بلاد الشَّبْكَة الهضبة الصخرية الكلسيّة التي تقع شمال صحراء الجزائر، وتمتاز عن بقية المناطق المجاورة لها بطبيعتها القاسية ([1])، وسكانها الأصليون بربر وهم بني مصاب أو مزاب، ولغتهم المزابية، وهم بطن من زناتة كما يرى ابن خلدون وآخرون: “… وقصور مصاب سكانها إلى هذا العهد شعوب بني بادين من بني عبد الواد وبني توجين ومصاب وبني زردال فيمن إنضاف إليهم من شعوب زناتة، وإن كانت شهرتها مختصة بمصاب…”([2])، وقد بنو العديد من القرى على ضفاف واديهم، منها ما اندثر ومنها ما لا يزال عامراً إلى اليوم، أمّا الحاضر منها فقُرى: تَـجْنِينْتْ (العطف)، آتْ بُنُورْ (بنورة)، آتْ يَسْجَنْ (بني يزﭬن)، تَغَرْدَايْتْ (غرداية)، آتْ مْلِيشَتْ (مليكة)، آت إِبَرڤانْ (بريان)، وتِـﭭْرَارْ (القرارة)، وإن كانت بريان والقرارة بعيدتان نسبياً عن وادي ميزاب ولكن سكانها يتكلمون المزابية وتربطهم بسكان الوادي أواصر القرابة والمذهب.

واللغة المزابية أصلها زناتية، وهي قريبة جداً من الـﭭورارية والشَّاوية والشَّلحية والنَّفوسية، ومن خصائصها الابتداء بالساكن كقولهم: (تْـمارْتْ) للِّحية، و(تْفُويْتْ) للشمس، ومن خصائصها أيضا اجتماع ساكنين أو أكثر كما في المثالين السابقين، وتاء التأنيث تكون في أول الاسم مثل (تَفُونَسْتْ) للبقرة، وقد ترد في آخره (تْوَارْتْ) للبؤة..؛ والمزابية غنية بالتراكيب المتناسقة والمفردات الجزلة والعميقة، وغنية بالأمثال والكنايات التي من شأنها الإيجاز، وما يُغني عن كثرة الكلام، كما أن في المزابية شعر مناسبتي كثير، وهو للرجال والنساء والأطفال.

وقد تأثرت كثيراً باللغة العربية لغة القرآن الكريم، وقد استطاع المزابيون صياغة الكثير من المفردات العربية على قواعد لغتهم فانسجمت معها بشكل كبير حتى صارت جزءا منها، وقد لا ينتبه إليها إلا من دقق النظر فيها، فكلمات: أَزُمِي، ضْزَالِّيتْ، أَمْبَارَشْ… أصولها عربية، وهي تعني على الترتيب: الصوم، الصلاة، المبارك([3]).

$13-أعلام الأدب المزابي.

ينقسم المهتمون بالأدب المزابي ويتنوعون بين أدباء ومبدعين ودارسين وباحثين، ومن أبرزهم:

الأدباء والمبدعين: ويتنوعون بين مختلف الفنون الأدبية النثرية والشعرية، ونذكر على سبيل المثال لا الحصر، في مجال الشعر: ترشين صالح، أحمد حتاج يحيى، عمر داودي، عمر بوسعدة، سعيد إبراهيم، عبد الوهاب فخار، مصطفى علواني، يوسف لعساكر…

وفي المسرح: يوجد الهواة والمحترفون فرادى ومجموعات، على أنّ حركة المسرح بحدّ ذاتها بحاجة إلى بحث مستقلّ يبرز تاريخه وأعلامه وفرقه… في مختلف قصور وادي ميزاب، وهي تنشط في المناسبة الاجتماعية كالعطل والأعراس..، ومن المتأخرين نذكر على سبيل المثال لا الحصر: سليمان بن عيسى، وكريم بلحاج، وإبراهيم حواش (دادّيك الحاج)، وبن عافو عبد االقادر (عبدو) …، غير أنّ النصوص المسرحية لم يسبق جمعها ونشرها، ما عدى مسرحية “تيدرت ن وغلان” تأليف الأستاذ عبد الوهاب حمو فخار (1993)، والبقية تظل مخطوطة بحوزة مؤلفيها أو الفرق المسرحية التي قدّمتها على خشبة المسرح، ولنا عودة إن شاء الله إلى هذا الموضوع مستقبلاً.

الدارسين والباحثين:

ومن أبرز هؤلاء نذكر: الدكتور عبد الله نوح وهو أستاذ بجامعة تيزي وزو متخصص في اللسان المزابي؛ والأستاذ عبد الرحمن حواش باحث في التاريخ والتراث المزابي؛ وكان قد أعد وقدّم حصصاً إذاعية حول اللسان المزابي بعنوان “إلسنغ”، بُثّت على أثير إذاعة غرداية المحلية، وكذا الأخوين عبد السلام المتخصصين في اللغة والنحو المزابي، ولهما مؤلف في ذلك؛ كما اشترك كلّ من الأستاذين إبراهيم عبد السلام وأحمد نوح مَفْنُون في وضع أول معجم بالمزابية والفرنسية؛ نُشر مؤخراً (خلال 2011)، ويحوي بين دفّتيه 7900 كلمة، صدر عن المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية (ENAG) بالتعاون مع المحافظة السامية للغة الأمازيغية (HCA)، ولدينا من الأساتذة المتمرّسن في تكوين الطلبة والطالبات بالمدارس المحلية، كلّ من الأستاذ ترشين صالح بالمدرسة الجابرية ببني يزجن، والأستاذ عبد الوهاب فخار بمدارس الإصلاح بغرداية، وآخرين بالقرارة وبريان ومليكة…، والأستاذين الأخيرين (فخار وترشين) ممن تمرّسا كتابة وأداء الشعر المزابي…، ولكل هؤلاء وغيرهم أعمال أدبية مطبوعة وتسجيلات سمعية ومرئية في السوق الجزائرية، وعلى شبكة الإنترنت وبخاصة على الـيوتيوب (youtoob).

$14-      استقصاء الأجناس السردية للأدب المزابي.

أ. القصة الشعبية _تَنْفُوسْتْ_ (موضوعاتها وخصائصها):

   تسمى القصة بالمِزابية تَنْفُوسْتْ، ولم أصل بعد إلى معرفة أصل التسمية بالضبط، ولعلها جاءت من “أنْفَاسْ”، وهو التنفيس، وهذا ما استنتجته من خلال ملاحظتي لهذه الخاصية في عديد القصص المزابية، كما سيأتي بيانه.

أما موضوعاتها فمتنوعة ومن أبرزها:

1. التعرف على الظواهر الطبيعية:

من ذلك قصة ظهور “كُحل العينين”، والذي يسمى بالمزابية “تَازُولْتْ” (تنطق الزاي مفخّمة)، إذ يروى أن سيدنا نوح u بعد طول مكثه في السفينة تأثرت عيناه وعيون من معه بالضباب الكثيف فسأل الله الشفاء، فأنزل له ولمن معه هذه الحجرة العجيبة فاستعملها وبرأت عيناه، لذلك تنصح الأم بناتها باستعمال الكُحل.

ومنها أيضاً الملح الذي يعطى لسائله بدون مقابل لأنه مائدة سيدنا إبراهيم الخليلu كما يقال، إذ يروى أنّ سيدنا إبراهيم u نذر بأن يطعم كلّ ذكر وأنثى إن رزقه الله بولد، ولما رُزق بسيدنا إسماعيل u سأل الله أن يلهمه ما يُوفّي به نذره، فأوحى الله إليه أن يتصدق بالملح فكانت تلك الصدقة جارية إلى يوم القيامة، إذ لا يوجد طعام قلَّ أو كثُر إلاّ ووضع فيه الملح. 

ومنها كذلك قصص حول الحيوانات المحلية والحشرات النافعة أو الضارة، من ذلك قولهم في تربية الطفل “لا تقتل النمل وإلاّ أُصبت بالرّمد”، وبذلك يدفع الأولياء الأذيَّة عن أطفالهم من جهة، ويعلمونهم احترام هذه الحشرة الصغيرة النافعة من جهة ثانية.

2. السير الذاتية والحياة اليومية:

وهي ما تحكي فيه المرأة لبناتها تجربتها في الحياة في شكل قِصصٍ، أو تحكي البنت لصديقاتها أيضا قصصاً من نسج خيالها تعبر فيها عن واقعها أو عن أحلامها…

3. الأساطير والخرافات: وهي عديدة وكثيرة (في صراع الحق والباطل، والشر والفضيلة…).

4. قصص الأنبياء عليهم السلام.

5. قصص أولياء الله الصالحين (كرامات المتقين): مثل الشيخ بحيو موسى العطفي، الشيخ أطفيَّش، فافة دَادِّي…

6. قصص من كتب الأدب مترجمة إلى المزابية: الفلاح وأبنائه والكنز المدفون، القرد والغيلم، الغراب والثعلب…

ومضامينها في العادة بسيطة وبريئة، وجميعها محكي بالمزابية، وبعضها يحوي حكماً شعبية بالدَّارجة.

ومن خصائصها:

1- السرد المتواصل: فالمرأة المزابية وهي مع بناتها، أو قريباتها في المنزل يشتغلن طول اليوم بواجبات منزلية مختلفة كالطهي وتنظيف المنزل.. والنسيج، خاصة هذا الأخير الذي يأخذ حصة الأسد من المهام اليومية، إذ تجلس المرأة إلى منسجها من الصباح إلى المساء، مع أخذ قسط من الراحة بطبيعة الحال في فترة القيلولة أو قيامها إلى الصلاة، وقد كانت صناعة المنسوجات _وما تزال_ بالنسبة للمرأة المزابية عنصر حياة، إذ تأثث المرأة بيتها بالأفرشة التي تصنعها وكذلك تأثث بيت بناتها المقبلات على الزواج، وتساعد بها الزوج في تغطية مصاريف الحياة المختلفة، فما تنسجه المرأة يباع في السوق وثمنه يكون زادًا للحياة الصعبة والقاسية..

         وخلال العمل المتواصل في النسيج تحكي المرأة عادة قصصًا خيالية أو واقعية مستوحاة من حياتها اليومية على مسمع من بناتها حتى يتعلمن ويستفدن من تجارب الحياة، وتدور القصص أساسًا حول المرأة الصابرة والمرأة العاملة المكافحة في بيت زوجها، والمرأة الطائعة لزوجها والتي تُداري حماتها..إلى غير ذلك مما يمكن أن تتعرض له كل امرأة متزوجة أو فتاة مقبلة على الزواج من أنواع الظلم والتعسف الذي قد يحدث في بعض الأحيان لسبب أو لآخر، فتصبر على تلك العِشرة وعلى مرارة الحياة حتى يرزقها الله ذرية صالحة طيبة طائعة، فتنسيها كل ما عانته… وهكذا.

         2- اقتصارها على مواضيع معينة: إذ يلاحظ دوران معظم القصص حول الصبر والعمل، ولعل سر ذلك ومنشأه هو حياة المزابيين أنفسهم، فنشأة قرى ميزاب وعمران هذا الوادي الصخري القاحل لم يكن إلا بصبر كصبر أيوب، وبعمل متواصل دؤوب، وباغتراب فلذات الأكباد سنوات عديدة طلباً للرزق الحلال…، وأفضل مثال على ذلك هو حفر الآبار في رؤوس الجبال بجوار المسجد، فهذه الآبار قد يزيد عمقها عن السبعين متراً، وقد يستغرق حفرها جهد أربعة أجيال، وفي العادة من يبدأ الحفر لن يُكتب له العيش حتى يشرب من تلك البئر، ويقدّر عدد آبار وادي مزاب مما حفره الأسلاف بأزيد من 4000 بئر، ونفس التضحيات سخّروها في إنشاء الواحات التي كانوا يَحيونَ بها، فحياة المزابيين كلها كدّ واجتهاد، ومن هنا اصطبغ أدبهم بتلك الصبغة المتميزة.

ولعل ما يستنتج أيضا من إنشاء المرأة لهذه القصص والحكايات هو: تسليتها لنفسها أولاً، ولمن معها ثانياً، فهي بقصصها تلك تتناسى همومها وتؤنس وحشتها بغياب زوجها، وتقوّي عزيمتها لمزيد من العطاء والصبر ومجاهدة النفس ابتغاء مرضاة الله تعالى، وتشحن نفسها كذلك بالإيمان وبالإرادة والتفاني في العمل… ولذات الغرض يفيد الحكيُ معظم من حولها من المستمعات خاصة بناتها المراهقات أو المقبلات على الزواج.

فنيات أخرى: هناك من القصص ما هو موجه من الأمهات للأطفال: وهذه القصص خيالي جميعها تقريبا، فالمرأة الصنّاع في بيتها تشتغل في المنسج من الصباح إلى المساء، ولا تقوم منه في العادة إلاّ للضرورة كالصلاة وإعداد الطّعام، بالنسبة للعَشاء يُحضّر له قبيل المغرب بقليل، إذ بين المغرب وصلاة العِشاء ينتظر الأبناء عودة والدهم من المسجد حتى يجلسوا إلى مائدة العَشاء، وحتى لا يغلب بعضهم النعاس فينام من دون عَشاء، فإن الأم تحكي لأبنائها قصصًا متنوعة معظم ما يراد منها هو: تركيز الأخلاق الفاضلة في نفوسهم كتقوى الله تعالى والصدق والوفاء وطاعة الوالدين… إلى غير ذلك من الواجبات وفضائل الأخلاق..

قصص الأطفال بالمِزابية:

وهو على أنواع منه ما هو موجه من الأطفال للأطفال: ويكون عادة في ليالي الشتاء الطويل، أو في أمسيات الصيف الطويلة، وكما هو معلوم فإن سكان ميزاب منذ قديم الزمان، يملكون نوعين من المساكن، سكن في القرية يقيمون فيه طول الشتاء، وسكن في الواحة يقيمون فيه طول فصل الصيف إلى بداية الخريف بحيث لا يغادرونه حتى ينتهوا من جني جميع تمور نخيلهم، وخلال الفصلين تتميز ظاهرتين هما طول ليالي الشتاء، وطول أيام الصيف، ففي فصل الشتاء الطويل يجتمع الأبناء في الحجرة التي تجلس فيها العائلة للأكل والسمر وتسمى بالمزابية “تِسَفْرِيْ”، بينما تكون الأم كما أسلفنا في منسجها (المغزل) أو أمام الموقد تباشر إعداد العَشاء، يجلس الأطفال في حلقة ينشئون القصص الخيالية ويتسامرون بها إلى حين حضور العَشاء، وقد يبقون كذلك وقتًا معتبرًا  إذا كانت فيه مناسبة سعيدة كاجتماع العائلة الكبيرة حول مولود جديد أو ختان.. أو غيره، فتطول سهرتهم تلك إلى ساعة متأخرة من الليل.

وقد كانت هذه الأجواء الحميمة في ميزاب تصنع البهجة والحبور في نفوس الأطفال قبل ظهور التلفاز، وما تزال _بتحفظ شديد_ في بعض القرى، إذ عندما يحين فصل الصيف وتتجه العائلات إلى الواحة للإقامة الصيفية لا تجلب معها جهاز التلفاز، وفي ذلك يستفيد الجميع من جو الراحة والهدوء، وفيه تُباشر العائلة أعمالا أخرى فردية أو جماعية كصبغ الصوف وغسله، وجني التمور… ([4])، وفي أمسيات الصيف الطويلة أي مِن بعد صلاة العصر إلى آذان المغرب، وقت لا بأس به، يجلس فيه الأطفال في حديقة منزلهم بالواحة تحت ظلال النخيل وأشجار الفاكهة، على بساط من الرمل الناعم يلعبون ويحكون القصص، وينشؤون الأحاجي والألغاز..، وقد يرتبط معظم قصصهم بالوسط الذي هم فيه، إذ تدور قصصهم داخل جو الواحة، وحول مغامراتهم مع الأطياف التي تسكن في منازل الطوب المهجورة في الواحة القديمة، وحول الحيوانات الأليفة والمتوحشة التي تجوب الصحراء..

    من أمثلة هذه القصص: “مُرْ وَاصْبَرْ”، “أَخَّامْ نِ إِزْغُغَنْ”(منزل الأطياف)، “لْجُورَتْ نَ اصْبَرْ دَ الْحِكْمَتْ”(سيرة الصبر والحكمة)، “بَابْ نَ لْخِيرْ دْ تَلَفْسَ”(فاعل الخير والأفعى)، “أجَلِّيدْ دْ وُامْرَابَطْ”(الملك والرجل الطيب)…

ب. الأمثال والحكم _ إِنْـزَانْ_ (موضوعاتها وخصائصها):

الأمثال والحكم الشعبية المزابية كثيرة ومتنوعة المواضيع، وهي أصيلة أصالة المجتمع وعريقة عراقة تنظيماته وأعرافه، وهي مستمدة من واقع المزابيين ومما يستعملونه ويُعايشونه في حياتهم اليومية، كالمِنسج، والحقل، والعناية بالنخيل…، أو من حيوانات البيت الأليفة كالمعزاة والقط، أو الحيوانات الصحراوية كالذئب والأفعى…

كما أنّ من مميزاته تركيزها على الرجل والمرأة أكثر من الطفل، وأحياناً على الرجل أكثر من المرأة، هذا لأنّ المجتمع المزابي مجتمع رجالي (أي السلطة فيه للرجل) وعُمَّالي (أي أنه يحثّ على الجد في العمل)، وتأمل هذه النماذج:

1- “مَانِي إِتْنَـﭭَّـزْ تْغَاطْتْ أَتْنَـﭭَّـزْ تِيغِيظَتْ” بالعربية: “حيث تقفز المعزاة تقفز الجَديَة”، وفيه إشارة إلى مُحاكاة الأبناء للوالدين، وفيه دعوة إلى الانتباه إلى دور الوالدين الذي يجب أن يكون مثالاً صالحاً يُقتدى به.

2- “أَجْضِيضْ إِيتْوَطَّافْ سْوَفْرِيوَسْ، أَرْجَازْ إِتْوَطَّافْ سِيلْسَسْ”، أي: ” الطائر يمسك بجناحيه، والرجل يمسك بلسانه”، إشارة إلى احترام الوعد والكلمة التي يتفوه بها الرجل إن قطع وعداً أو عهداً على نفسه.

3- “وِ تْـتَّدِّ تَلَفْسَا، يَتُّـﭭَّـدْ يُو زَلُّومْ” أي: “من لدغته الأفعى يخاف من الحبل”، إشارة إلى أخذ الحيطة والحذر.

4- “حَدَّنِّي إِلْسَسْ أَنْتِيمْ تَادْرَا نَ ادَّالَتْ” أي: “ذلك الشخص كأن لسانه مسلة نخلة تَدَّالَهْ”، إشارة إلى حال سليط اللسان؛ أما مسلّة نخلة تَدَّالَهْ تتميز عن غيرها من مسلاّت النخيل بوقع وخزها الشديد وبطول الألم بعدها.

5- “وَاسِي ؤُ لِيدْجِي تَنَصْرِيفْتْ أَدْ تَغْيُولْتْ ؤُ لِيزَطْ أَزَطَّا أَمَّغْ ؤُ لِيلَمَّدْ”، أي: “التي لا تُخطأ في المِنسج لن تَنسُج ولن تتعلم”، إشارة إلى المحاولة والخطأ وإلى التدرج في التعلم، وفيه تشجيع البنات على تعلم حرفة النسيج وغيرها.

6- “رَبِّ ؤُ مِحَوَّجْ لَتْوِيرَا لاَ لَتْمِيرَا ” أي: “أسأل الله أن لا يتركك للأبواب، ولا للِّحَى”، أي أن لا يحوّجك للأبواب تطرقينها وتسألين الناس المعروف، وللرجال _وهم من يضعون اللِّحى_ تطلبين معروفهم ومساعدتهم”، وهو إشارة إلى ضرورة الاتكال على النفس وعدم انتظار الصدقات أو مساعدة الآخرين.

7- “وِخْسَنْ سُوفْ أَسِخْدَمْ تْفُويْتْ تَحْمَا” أي: “من أراد الغدير فليعمل له في الشمس الحارة”، وقد كان ذلك قديماً في ميزاب، إذ يخرج الفلاحون إلى الشِّعاب في فصل الصيف لإصلاح السواقي التي تجلب إلى بساتينهم مياه الأمطار الموسمية في الخريف عند بداية موسم هطول المطر، وفي هذا حثّ على الجد في العمل واغتنام الفرص..

8- “أَرْكَاسْ يَبْهَايَسَنْتْ إِيتْغِيضَاضْ” أي: “الرَّقص يليق بالجَدْيَاتْ”، والمراد بأنّ هناك أنشطة خاصة بكل فئة عُمريَّة، فلا يليق بالفتاة الناضجة أن تُلاعب الصغيرات أو أن تقوم بتصرفات طائشة، وفي هذا المثل تحضير الأم لابنتها فيما يستقبلها…

9- “أَمَهَلاَّ أَلَمْ أَمَلاَّلْ ﭬاعْ أَتَّادُونْتْ” أي: “لاَ تَحْسَبْ بِأَنَّ الجَمَلَ الأَبيَضَ كُلُّهُ شَحم”، ونظيره في الفصحى “ليس كلُّ ما يلمع ذهباً”، فلا يُغر المرء بالمظاهر الخارجية البراقة.

10- “أَوَتَّدْجَا أَجْدَلْ إِ تْزُﭬَّـارْتْ” أي: “لا تصنع حوضا ًلشجرة السِّدر”، ومعناه لا تضع المعروف في غير أهله، ونحن نعرف بأنّ شجرة السِّدر شوكها قاسٍ من جهة، ثم لا فاكهة ولا ظل يرتجى منها.

ج. المسرحية _ تَسُنَايْتْ_ (موضوعاتها وخصائصها):

         هناك العديد من المسرحيات التي مُثلت على الخشبات في قرى ميزاب المختلفة، ولعل أهم مناسبة لتقديم العروض إلى اليوم هي الأعراس الجماعية؛ إذ تتخذ الليلة الثانية من العُرس في دار “الحَجْبَة” طابعاً أدبياً وفنياً متنوعاً، تقدم فيه الأناشيد الجماعية والوصلات الفنية الفردية، والنكت.. وغيرها، ويحظى المسرح بحصة مهمة من تلك الليلة، ويتجلى في أشكاله المتنوعة من اسْكاتشات كوميدية، ومنولوج، ومسرحيات اجتماعية جادة…

         للأسف لم توجد نصوص مطبوعة أو منشورة تعنى بالمسرح إلاَّ القليل النادر، ومنها مسرحية للأستاذ عبد الوهاب حمو فخار، أستاذ الأدب المزابي، عنوانها: “تَايْدَرْتْ نْ وَغْلاَنْ” أي: “سُنبُلةُ مِيزَاب”، وهي مسرحية شعرية باللغة المزابية، قدمها لبنات متوسطة الإصلاح بغرداية، سنة 1993، وقد لاقت نجاحاً منقطع النظير حينذاك، ومُثّلت مرات عديدة؛ وقد ضمنها المؤلف الكثير من أشعاره التي نشرها في ديوانه “إمطَّاون نَلفَرْحْ” (دموع الفرح)، وتحدث مطولاً عن ميزاب البيئة والنشأة، عن الماضي المجيد وعن الحاضر ومستقبل التحديات…

وقد كتب بخط يده في ظهر الكتاب: “إلى بنت الوطن، تلك التي تثقف وتظهر في مجتمعها كسُنبلة قمحٍ عامرةٍ، كلما ازدادت ثقلاً ازدادت انحناءً نحو الأرض التي أنبتتها…”.

 ويدور الحوار في هذه المسرحية بين مجموعة من النساء وبعض العجائز وهن منهمكات في شؤون المرأة المزابية الماكثة بالبيت، ففيهن من تغزل الصوف وفيهن من تجمعه وتلفه، ومن تنسجه في المنسج التقليدي…، وبين الفينة والأخرى تقوم مجموعة من الفتيات المتتلمذات بإنشاد مقاطع شعرية بديعة ومنها هذه الكلمات:

“…تَنْفُسْتَنَّغْ تَازَجْرَارْتْ أَيَلِّ، تَنْفُسْتَنَّغْ تَازَجْرَارَتْ أَيَسِّ..=

مَنَّشْتْ إِعَافْرَنْ إِرْجَازَنْ!!، مَنَّشْتْ إِنْكَضَنْ أَسْحَارِي؟!=

اسْحَارِي نَكْضَنْ    نَتْـنِينْ دِ إوَارَنْ       =

سْ تِينِي دْ وَمَانْ   دَ لْبَارُودْ عَاشَنْ     =

تِشْلِ نْ إِلْمَـانْ    تْوَنَـسِيـتَنْ           =

تَزِرِي دِ إتْـرَانْ   دْ رَبِّ مْعَاسَنْ… ([5]) =

قصتنا طويلة يا بنتي، قصتنا طويلة يا بناتي..

كم كابد الرجال؟! كم قطعوا الفيافي؟!

الفيافي قطعوها        هـُم والأسود

بالتمر والماء           والبارود عاشُوا

سير الجمال            يؤنســهم

القمر والنجوم          والله معهـم…

دـ. الأحاجي والألغاز (موضوعاتها وخصائصها):

 – الألغـاز:    

وهي من الفنون الأدبية التي يتميز بها الصبية المزابيون عن الراشدين، وقد كان هذا اللون الأدبي رائجًا بين الأطفال بشكل كبير، وإن تراجع بعد ظهور التلفاز والألعاب الإلكترونية وذيوعها بشكل ملفت للنظر، ومقلق في نفس الوقت، وما زلنا نتذكر مجموعات الأطفال أمام باب المدرسة القرآنية، أو المدرسة الرسمية، وهي تنتظر أن يفتح لها الباب، وهي تتنافس في وضع الألغاز تلو الأخرى ليعجز الأطفال بعضهم البعض عن حلها.. في جو مفعم بالمرح والحبور..

         ويبدأ لغز الأطفال بالمزابية دائمًا بعبارة: “أَزَﭪ إِ بَتَّ” أو “أَكَسْ إِ بَتَّ” ومعناها بالعربية: “ما معنى” أو “ما هو”، ومثال ذلك قول الطفل لصاحبه: “أَكَسْ إِ بَتَّ إﭬَّـنْ وَحْبَا يَصْلَحْ، يَشُّورْ سْ اِزَازَغَنْ، ؤُ تِيرَزَّمْ غِيرْ بَابَسْ؟!”، “أَيَنْ دِ إِيمِِي”، تعريبها: “ما معنى علبة مملؤءة بحجار بيضاء لا يفتحها إلا صاحبها”، هو: الفم”، أو قولهم: “أَكَسْ إِبَتَّ إِﭬَّـنْ شْرَا تْرَﭬْـبَتْ إِيرَﭬـبَاتْشْ”؟! “أَيَنْ دِ “تِيسِيتْ”، تعريبها: “ما هو الشيء الذي تراه ويراك؟”، هي: “المرآة”، أو قولهم: “أَكَسْ إِبَتَّ إِﭬَّـنْ ؤُجِي تْرَﭬْـبَتْ إِيرَﭬـبَاتْشْ”؟! أَيَنْدْ: “أَجَلِّيدْ أَمَقْرَانْ”، تعريبها: “ما هو الشيء الذي لا تراه وهو يراك”؟!، هو: الملك العظيم” (أو ملك الملوك سبحانه وتعالى)،…وأمثلة هذا عند الأطفال كثيرة وعديدة([6]).

– الأحـاجي: ( أَلَّاوَنْ )

         الأُحجيات في الثقافة الشعبية أصيلة بالمجتمع الجزائري، ومنها “البوقالات” عند العاصميين، والتي كانت تُلعب في المناسبات الخاصة كسهرات رمضان، والأعياد، وعاشوراء، وفي المناسباتالسعيدة، حيث يجتمع أفراد العائلة، وكانت السيدات والعجائز والبنات الشابات يجلبن إناء منالفخار الذي يسمى “البوقال” وهي قُلَّة متوسطة تملأُ بالماء، وكل امرأة أو فتاة من الحاضراتتضع في البوقالخاتمها الخاص أو الذي تضعه بكثرة، فتُلقى في تلك “البوقالة”، وفي كل مرة تنشد العجوز التي تتولى تسيير تلك الجلسة الحميمية بذكر أنواع من الفال الحسن، وجميع الحاضرات مصغيات بانتباه شديد إلى ما تقوله تلك المرأة من كلام حسن وأدعية بالخير..، ويزداد الشوقلمعرفة صاحبة البوقالة الجميلة تلك، وذلك كلما أدخلت العجوز يدها في البوقال لإخراج خاتم ما، لأنها ستختار عشوائيا خاتما من الخواتمالموجودة فيه، وبالتالي صاحبة الخاتم هي صاحبة البوقالة، فيُردُّ إلى صاحبتها وتكون صاحبته هي من قيل فيها ذلك الفال الحسن.

هذه الصورة الموجودة في الجزائر العاصمة، توجد إلى اليوم في ميزاب ولكن بشكل مختلف نوعًا ما، فعوض إناء البوقال، توضع مجموعات صغيرة من النُّقَل والحلويات والفول السوداني.. في مجموعات متساوية.

وبعد أن يوزع ما تَجمَّع بنسبٍ متساوية تتقدم كُبرَى النساء الحاضرات أو أحفظهن لروائع الحكم _وهي بالبربرية_، وقبل أن تبدأ التوزيع والكلام تتنحى تِنتَانِ منهن جانبًا ويأخذن علامات على قدر النساء الحاضرات أو يكتبن أسماءهن في أوراق صغيرة ثم يَطوِين تلك الأوراق ويعطينها لهذه المقدمة، فتقول ما شاء لها القول عند إلقاء كل علامة أو ورقة من تلك الأوراق على الحصة([7])، وكثيرا ما يصدق حدسها عند الكلام على صاحبة تلك الورقة التي لا تعلمها، فتتحدث حين تتحدث عنها ببعض ما تشعر به صاحبة الفال، وهذا يكثر عند الأمهات المُسِنَّات..

ولم يسجل أحد _فيما نعلم_ تلك الحكم والمقالات، ولو فعل لسجل لنا قسمًا مهمًا من الثقافة الشعبية التي كنا  ولا نزال _بِجهلنا_ لا نعطي لها قيمتها الحقيقية في مقوماتنا الأصيلة، ولعل الله يمن علينا بتسجيلها وشرحها ومحاولة التعرف إلى ما فيها من أدب شعبي وتاريخ وثقافة، فهل يسمع الشباب؟!!.

وتسمى هذه العملية “أَلاَّوَنْ” وهي جمع لكلمة “أَلاَّوْ”([8]) وهو الحصة أو النّصيب، واشتهرت من الأمهات الصالحات في بلدة العطف السيدة “لاَلَه كْ أَنْ عُومَرْ”، وكانت امرأة فاضلة أتقنت هذا الفن وصارت ماهرة به، وإن كان للأسف لم يُبادر أحد إلى جمع أقوالها الحكيمة تلك إلى تاريخ اليوم([9])..

أما بالنسبة للأطفال فنفس التظاهرة تُقام لهم، فتوضع لهم حلقة خاصة بهم ويعقدون “الفال” بينهم، وهم في ذلك يحاكون الكبار، وقد يُشركون في حصص الفال مع بقية أفراد العائلة، ولكن يتعمد تصغير حصصهم من الحلوى فتتميز عن غيرها، وهذا حتى تعقد لهم الجدة “الفال” الخاص بهم كأطفال صغار.

$15-      آفاق تناول الأدب المزابي بالدراسة والبحث.

يقوم فريق بحثنا الطموح على حل مشكلة المعرفة بالتراث الوطني وتاريخه الأدبي، من خلال الإسهام في تجميعه وتصنيفه، حيث أنّ التأريخ للحركة الأدبية في وادي ميزاب نموذجٌ عملي، ومثالٌ ضمن منظومة أدبية وثقافية وطنية شاملة ومتعددة الأشكال والأجناس واللغات والثقافات، في سبيل الوصول مستقبلاً ومع جهود الباحثين الآخرين هنا وهناك إلى تدوين شامل لتراث الأمة الأدبي والثقافي.

وأما عن اختيار بيئة وادي ميزاب، فيعود إلى جملة من الأسباب الموضوعية مثل: القرب المكاني لموضوع البحث من الباحثين في جامعة غرداية، وكذا الثراء الكبير للمنطقة في هذا الجانب مع قلة الدراسات المماثلة.

$1أ‌-        الفرضية العامة للبحث:

تكون الفرضية العامة للبحث على النحو الآتي:

$11-               أهمية الثقافة الشعبية ودورها في تركيز الشخصية الوطنية.

$12-               الأدب المزابي في ظل إشكالية الجمع والتناول.

$13-               خصائص اللِّسان المزابي.

$14-               أعلام الأدب المزابي.

$15-               استقصاء أجناس الأدب المزابي.

–  الحكاية والأسطورة والقصة الشعبية (تنفوستْ).

–  قصص الأطفال (تِنفاس ن ؤتشيدن).

–  الشعر الشعبي (إزلوان).

–  الفنون المسرحية (تَسُنايتْ).

–  الأمثال والحكم الشعبية (إنزانْ).

–  الألغاز والأحاجي (ألاَّون).

$16-               خصائص وفنيات الأدب المزابي.

$17-               آفاق تناول الأدب المزابي بالدراسة والبحث.

$18-               طبع ونشر مجموع الأعمال التي تم جمعها.

$1ب‌-  حيثيات المشروع :

تكون الدراسة على النحو الآتي:

المرحلة الأولى: استقصاء أجناس الأدب المزابي.

–        الحكاية والأسطورة والقصة الشعبية (تنفوستْ).

–        قصص الأطفال (تِنفاس ن ؤتشيدن).

–        الشعر الشعبي (إزلوان).

–        الفنون المسرح (تَسُنايتْ).

–        الأمثال والحكم الشعبية (إنزانْ).

–        الألغاز والأحاجي (ألاَّون).

المرحلة الثانية: إبراز خصائص وفنيات الأدب المزابي.

(دراسة مجموعة من النماذج المختلفة حسب الأجناس الأدبية المطروقة في البحث).

المرحلة الثالثة: مراجعة وتنقيح ثم طبع ونشر مجموع الأعمال المنجزة والمحققة.

(مشاركة الأستاذة في هذه المرحلة بتصحيح وتنقيح الأبحاث المنجزة).

(إصدار الأعمال المنجزة ضمن مطبوعات توزع على الطلاب وتودع في المكتبات الجامعية).

$1ج‌-       من أهداف المشروع :

يهدف مشروعنا إلى تحقيق الآتي:

$11-              الإسهام في جمع وتدوين التراث الأدبي الوطني الشفوي والمكتوب.

$12-              تثمين وجود الجامعة في المنطقة من خلال تفعيل العلاقة بينها وبين المحيط.

$13-              تسخير القدرات العلمية في خدمة تراث المنطقة وترقيتها بالبحث العلمي المتخصص.

$14-              الحفاظ على ذاكرة الأمة من خلال الاهتمام بنموذج تراث وادي ميزاب تجميعاً وتصنيفاً ودراسة.

$15-              فتح المجال للطلبة الباحثين لتناول موضوعاتهم البحثية في هذا المجال.

د- المنهجية والوسائل المعتمدة:

1- الجانب النظري:  استقصاء أجناس الأدب المزابي والتعريف بها.

2- الجانب التطبيقي: (الوسائل – أدوات البحث):

$1-         دراسة نماذج ونصوص المختلفة حسب الأجناس الأدبية المطروقة في البحث.

$1-         مشاركة الأستاذة في هذه المرحلة بتصحيح وتنقيح الأبحاث المنجزة.

$1-         إصدار الأعمال المنجزة ضمن مطبوعات توزع على الطلاب وتودع في المكتبات الجامعية.

هـ – الخطة الأولية

المرحلة الأولى: استقصاء أجناس الأدب المزابي (الماهية والأشكال).

المرحلة الثانية: إبراز خصائص وفنيات الأدب المزابي.

المرحلة الثالثة: المراجعة والتنقيح.

المرحلة الرابعة: طبع ونشر مجموع الأعمال المنجزة والمحققة.

و- المؤسسات والقطاعات المعنية:

         *  مؤسسات أكاديمية

– جامعة غرداية، وجامعات وطنية ومغاربية.

– مخابر بحث متنوعة في الجامعات الوطنية.

         * وزارات وهيئات إدارية

– وزارة الثقافة الجزائرية.

– المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم.

– المحافظة السامية للغة الأمازيغية الجزائر(HCA).

– معهد المخطوطات العربية.

           * هيئات غير حكومية

– جمعيات التراث في غرداية وضواحيها.

– جمعيات ثقافية وتراثية في صحراء الجزائر ( ورقلة، البيض، أدرار، بشار).

– جمعيات ثقافية وتراثية في تونس وليبيا والمغرب.

           * وسائل الإعلام

– مجلات دوريات وطنية

– مجلات ودوريات عربية.

عقد اتفاقيات تعاون: نطمح إلى عقد اتفاقيات شراكة وتعاون مع مخابر بحث متخصصة في التراث الأدبي المغاربي، قصد التواصل وتبادل الخبرات مع الأساتذة من ذوي الاختصاص.

ز – آفاق المشروع:

– استقصاء أجناس الأدب المزابي (الماهية والأشكال).

– إبراز خصائص وفنيات الأدب المزابي.

– طبع ونشر مجموع الأعمال المنجزة والمحققة.

– استقصاء مجموعة من الفنيات التي يحوزها الأدب المزابي.

– ترسيخ جدوى عقد دراسات أكاديمية متخصصة حول الأدب المزابي.

– التعريف بمجموعة معتبرة من أعلام وأدباء الأدب المزابي المغمورين.

– المساهمة في حل إشكاليات الأدب المزابي الشفهي.

$16-              خلاصة وتوصيات:

في حقيقة الأمر إن موضوع عرضنا هذا واسع ومتشعب، ولكن المبدأ القائل: “ما لا يُدرك كله لا يُترك جلّه”، هو الذي يدفعنا إلى خوض غماره، لذا يظل هذا الموضوع _دون شك_ بِكرًا وبحاجة إلى المزيد من البحث والتنقيب.

وقد جرت عادة الملتقيات أن يخلص المشاركون إلى وضع بعض التوصيات أو المقترحات العملية التي يرجون تحقيقها مستقبلا فيما يخدم أهداف الملتقى وطموحاته، ومن هذه التوصيات ما يأتي:

أولاً: إنَّ مجالات الأدب التي ذكرناها من حكاية وشعر ومسرحية، ومن أحجية ولغز… جميعه متعلّقٌ بواقع حياة المزابيين، وهي حاضرة في يوميات النساء والرجال والأطفال، وتظل جميعها بحاجة إلى التسجيل والجمع، وإلى التوثيق والدراسة والنشر…؛ من هنا ندعو مخابر البحث والفرق البحثية المتخصصة والتي تشتغل برصد التراث الأدبي واللغوي إلى التصدي إلى هذا التراث الدسم بتدوينه وتقديمه للقرّاء، لتحصل منه الفائدة ويقع من خلاله التواصل بين الأجيال.

ثانياً: إنَّ دور بعث تراثنا الأدبي الصحراوي مهمة الجميع بداية من الأسرة تليها الروضة والمدرسة، ثم الجمعيات الثقافية التي يمكنها تنظيم ورشات تُعنى ببعث هذا التراث، ومنها أيضاً تشجيع التأليف والنشر في هذا المجال، وتسطير المسابقات التحفيزية للأطفال، لغرض تخصيب فكرهم ودفعهم إلى التعرف على ذاكرتهم الشعبية، وما أحوجنا إلى رصد القيم التربوية والخُلقية التي أنشأ بها الأسلاف أبنائهم، وقد كانوا يسعون إلى تكوين الفرد الصالح والأسرة السعيدة والوطن الفاضل.

ثالثاً: إنَّ التنوع الجغرافي والثراء الثقافي لبلدنا الكبير يستوجب منا بالفعل بدل المزيد من الجهد في سبيل تثمين هذا التراث والتعريف به، وذلك من خلال عقد مثل هذه الملتقيات التي نطمح أن تنتقل من الوطنية إلى المغاربية، لما يربط أوطان مغربنا الكبير من أواصر الأخوة واللِّسان والعادات الاجتماعية المتقاربة.

قائمة المصادر والمراجع:

1- معجم أعلام الإباضية، لجنة من الباحثين، نشر جمعية التراث غرداية، ط1، 1999.

2- حاج سعيد يوسف، تاريخ بني مزاب، المطبعة العربية غرداية، الجزائر، ط1، 1991.

3- امحمد بن يوسف أطفيَّش، الرسالة الشافية، طبعة حجرية، مكتبة القطب ببني يزجن.

4- القرادي، رسالة في بعض عادات وأعراف وادي مزاب، تحقيق، يحي حاج امحمد، نشر جمعية النهضة، غرداية، ط1، 2009.

5- عبد الوهاب حمو فخار، “إِمَطَّاوَنْ نَلْفَرْحْ” (دموع الفرح)، ديوان شعر، المطبعة العربية غرداية، ط1، 1984.

6- عبد الوهاب حمو فخار، “إِمَطَّاوَنْ إزوقاغن” (الدموع الحمراء)، ديوان شعر، المطبعة العربية غرداية، ط1، 1990.

7- عبد الوهاب حمو فخار، “تَايدَرتْ نْ وَغْلاَنْ” (سُنبلة ميزاب) مسرحية، مطبعة الواحات، غرداية، ط1، مارس 1994.

8- صالح عمر ترشين، “ؤُول إنّوُ” (يا قلبي)، ديوان شعر، المطبعة العربية، غرداية، ط1، 1995.

9- عمر سليمان بوسعدة، “أحوَّفْ نْ وَغْلاَنْ” (أناشيد ميزاب)، ديوان شعر، المطبعة الجابرية، غرداية، ط1، 2005.

10- عبد الرحمن حواش، “إلسنغ” (لساننا)، 5 أقراص مدمجة تحوي حلقات إذاعية حول التراث المزابي، إذاعة غرداية، 2010.



[1]– حاج سعيد يوسف، تاريخ بني مزاب، المطبعة العربية غرداية، الجزائر، ط1، 1991، ص9.

[2]– امحمد بن يوسف أطفيَّش، الرسالة الشافية، طبعة حجرية، ص35.

[3]– حاج سعيد يوسف، تاريخ بني مزاب، ص16 – 17 بتصرف.

[4]– القرادي، رسالة في بعض عادات وأعراف وادي مزاب، تحقيق، يحي حاج امحمد، نشر جمعية النهضة، العطف/غرداية، ط1، 2009، ص47-48.

[5]-عبد الوهاب حمو فخار، “تايدرت ن وغلان” (سنبلة ميزاب)، مطبعة الواحات، غرداية، ط1، مارس 1994، ص10.

[6]-معظم هذه الألغاز نقلته مباشرة من أفواه الأطفال الصغار، لذلك قلت هو عندهم كثير، وباستطاعتهم توليد غيره بمعان وعبارات مختلفة.

[7]-هو:ما يشبه “البوقالات” عند العاصميات.

[8]-وهو فيما نحسب من “الفَال الحسن” الذي هو مستحب، وقد سبق الإشارة إليه.

[9]-الشيخ القرادي، رسالة في بعض عادات وأعراف وادي مزاب، ص125-126.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق