أمن وإستراتيجية

اسرار وخبايا الهجوم على السفن في الفجيرة بالإمارات العربية المتحدة


 بكر البساتين  

سيناريوهات لمعرفة من يقف وراءها..

التفجيرات التي حدثت فجر الأحد الماضي في الفجيرة وضعت كل المواقف التي يتخذها المتصارعون في المنطقة على المحك.. سواء كانت أمريكا وحلفائها بمن فيهم “إسرائيل” أو إيران وحلفائها بمن فيهم جماعة الحوثيين. فبعد حدوث الانفجار في السفن التجارية الأربع قبالة سواحل إمارة الفجيرة لم توضح الإمارات ملابسات ما جرى أو تتهم طرفاً بعينه، ووفق ما صرح به وزير الطاقة والصناعة السعودي خالد الفالح فأن التفجيرات استهدفت ناقلتي نفط سعوديتيين من بين السفن التي تعرضت للهجوم، بينما كانت إحداهما في طريقها لتحميل النفط من ميناء رأس تنورة السعودي، ومن ثم الاتجاه إلى الولايات المتحدة لتزويد عملاء أرامكو” وهذا بحد ذاته سيضع الموقف الأمريكي على محك الأزمة رغم أن الهجوم لم يسفر عن أي خسائر في الأرواح أو تسرب للوقود في حين نجمت عنه أضرار بالغة في هياكل السفن المستهدفة في هذا الهجوم الغامض في هذا الوقت الحساس الذي سيبدو للعيان بأنه شرارة قد تشعل فتيل الحرب بين إيران وأمريكا لتزامنه مع التهديدات المتبادلة حول إغلاق مضيق هرمز القريب من ميناء الفجيرة، بين الطرفين. 

وعليه فإن من أهم ملامح توخي الحذر الشديد من قبل الإمارات والابتعاد عن البروبوغاندا هو تلميحات وسائل إعلام إماراتية إلى مسارعة مواقع إعلامية إيرانية بتداول أنباء عن تعرض السفن الأربع لتفجيرات فجر الأحد، دون أن تتهم طهران مباشرة بالتورط في ما جرى بالمنطقة الاقتصادية للإمارات واقتصار الحديث على انفجارات قوية هزت ميناء الفجيرة النفطي الواقع في الساحل العماني قريباً من مضيق هرمز والذي يقع ضمن منطقة الخطر الحوثي الذي يقود مواجهات مسلحة حول ميناء الحديدة في جنوب اليمن.

ولخطورة هذا الحدث المباغت؛ فقد دعت الإمارات في بيانها الرسمي حول الحادث المجتمع الدولي على القيام بمسؤولياته لمنع أي أطراف تحاول المساس بأمن وسلامة حركة الملاحة البحرية. 

ومن الطبيعي أن تندد بالحادث الكارثي جميع دول العالم بما فيها إيران التي اعتبرت نفسها من أكبر المتضررين، حيث وصفت إيران الهجمات بـ “المقلقة” وقال المتحدث باسم الخارجية عباس موسوي في بيان له إن “الأحداث في بحر عُمان مقلقة ومؤسفة” ودعا إلى إجراء تحقيق في الهجمات، محذرا من “مغامرة لاعبين خارجيين” لعرقلة أمن الملاحة.

وللوقوف على حل هذا اللغز الذي أثار حيرة المحللين الاستراتيجيين في العالم، دعونا نستقرئ تداعيات المواقف علنا بذلك نقترب من الجهة التي تقف وراء هذا الحدث الذي من الممكن أن يكون الشرارة الأولى لحرب ضروس لا تبقي ولا تذر في منطقة ملتهبة تجتمع فيها مصالح الخصوم الجيوسياسية، وتخضع للمجهر الأمريكي الذي رغم حدقة عينه المتسعة والمنداحة وفق التطورات؛ إلا أنه غوفل بهذه الانفجارات التي تكمن في جوهرها تحديات أمريكية حقيقية لا يستهان بها من شأنها أن تدفع بالمقامر الأمريكي ترامب لاتخاذ موقف قد يكون هو الأخطر في مرحلته الرئاسية التي تجمعت فيها كل الرهانات في منطقة الربح والخسارة، التي همشت كبرياء الدول في إطار الميكافللية القائلة بالغاية تبررر الوسيلة.. وبالطبع الغاية الأمريكية ستذهب بنا إلى رؤية ترامب القائمة على الربح المادي ولو جاء ذلك على حساب مبادئ العلاقات البينية بين الدول المحكومة بالقانون الدولي، وهو ما سيجعل الحسابات الأمريكية أكثر توازناً إذا تبين لها بأن الخسارة المالية هائلة وتميل إلى الخسارة غير المحتملة. 

ولكن البعض يرى بأن رؤية ترامب فيما يتعلق بمصالح الكيان الإسرائيلي ستتغير من باب كونها ذات أولوية في سياسة بلاده الخارجية والاستراتيجية، ما جعل البعض يتهم الموساد بتنفيذ عملية التفجيرات لصالح إشعال الحرب في المنطقة بسبب دعم إيران للمقاومة في جنوب لبنان المتمثلة بحزب الله، وفي غزة المتمثلة بالجهاد الإسلامي وحماس المدعومتين من طهران وخاصة أن الأخيرة صفعت نتنياهو في المواجهات الأخيرة بسبب صواريخ القسام ذات التقنيات الإيرانية ناهيك عن تلقيها الدعم المالي المفتوح من إيران.. هذا إذا علمنا أيضاً بأن ضرب إيران في العمق هي استراتيجية إسرائيلية؛ بسبب محاولات طهران الدؤوبة في انتاج التكنلوجيا النووية، والتي على هذا الأساس جيش نتنياهو حلفاءه في منطقة الخليج العربي للتصدي لما أسماه بالخطر الإيراني من خلال صفقة القرن.. وقد تكون الموساد استعانت بالمنظمات الإرهابية كداعش في تنفيذ المهمة.. وهذا بحد ذاته سبب وجيه لاتهام تل أبيب بالوقوف وراء الحادث.

وما يعزز ذلك ما صرح به يوم الأحد الماضي لجريدة (الصاندي تايمز) البريطانية، الأمريكي”براين هوك” الذي عينه ترامب مبعوثاً خاصاً لإيران والمكلف بإدارة “فريق عمل حول إيران”  وهو أحد أهم داعمي الكيان الإسرائيلي في الدائرة السياسية المحيطة بترامب، حيث قال ما يؤكد دور الكيان الإسرائيلي في دفع الموقف بين إيران وأمريكا نحو المواجهة على الأرض:

“إن لدى إدارة الرئيس دونالد ترامب هدفين مرتبطين، أولهما التوصل إلى صفقة جديدة ستخلف الاتفاق النووي المبرم في عام 2015 بين طهران ومجموعة “5+1” والذي انسحبت منها الولايات المتحدة من جانب واحد في العام الماضي.

وشدد المبعوث الأمريكي على ضرورة أن يكون ذلك الاتفاق الجديد شاملا، (طبعا بما يتناسب وتطلعات نتنياهو الاستراتيجية) كي لا يقتصر على برنامج إيران النووي فقط بل ويطال برنامجها الصاروخي”.

أما بخصوص الهدف الثاني وهو متطلب إسرائيلي بامتياز، فأشار هوك إلى دعم إيران لحركتي “حماس” و”الجهاد الإسلامي” الفلسطينيتين و”حزب الله” اللبناني” وجماعة الحوثيين في اليمن وفصائل شيعية مسلحة في العراق، وقال: “في حين نعمل على تحقيق الهدف الأول، نزعزع أيضا سياسات إيران الخارجية”.

وقال هوك ما يؤكد على النوايا الأمريكية التي تخالف رؤية ترامب القائمة على الربح والخسارة، وهو مؤشر للتطلعات الإسرائيلية في الأزمة الأمريكية مع إيران، إنه لا يشعر بأي قلق إزاء احتمال تحول التصعيد القائم بين واشنطن وطهران إلى نزاع مسلح، مضيفاً إلى أن الإجراءات التي تتخذها واشنطن دفاعية حصرا وليست سوى “رد فعل على العدوان الإيراني”. ورغم ذلك فموقف ترامب المقامر يجبُّ عادة ما يخالف رؤيته في الربح والخسارة.. لذلك لا يمكن ضمان موقفه إذا استشعر بأن الأزمة ستكبد بلاده خسائر مادية لا يتمناها، وربما يوقف التصعيد ويتنازل كما فعل مع كيم إيل جونغ، رئيس كوريا الشمالية. 

أما إيران وبعيداً عن تنديدها بالحادث، فلها نصيب الأسد في الاتهام بتنفيذ هذا الهجوم الذي يبدو أنه نفذ بواسطة فرقة كوماندوز أو ضفاضع بشرية انطلاقاً من الفجيرة نفسها.

هذا إذا علمنا بأن عملاء إيران وخلاياها النائمة في هذا الإمارة التي لا تنسجم مع محمد بن زايد وخاصة أن ابن حاكمها الدكتور راشد بن حمد الشرقي غادر إلى لندن قبل أشهر،ومن هناك طلب اللجوء السياسي إلى قطر مصرحاً بأن الفجيرة تعاني من الغبن الذي أصابها من القيادة الإماراتية، أي أن الظروف في تلك الإمارة مهيأة لأي نشاط استخباري ضد أبو ظبي من منطلق الصراع غير المعلن بينها وبين الإمارات الشمالية ومنها الفجيرة التي بوغت ميناؤها بهذا الهجوم الغامض، والذي يتسم بخلطه لكل الأوراق في منطقة الخليج العربي برمته.

فالسلطات الإيرانية تعيش هذه الأيام حالة من التحدي غير مسبوقة، ويبدو أنها غير عابئة بالتهديدات الأمريكية الاستفزازية من بينها إرسال حاملة الطائرات العملاقة أبراهام لينكولن إلى مياه الخليج الى جانِب عددٍ من طائرات بـ 52 القاذفة العملاقة.

ونتذكر أيضاً ما قاله رجل الدين البارز آية الله يوسف طبطبائي نفلاً عن وكالة الطلبة الإيرانية (نجاد) قوله في مدينة أصفهان في وسط البلاد: “أسطولهم ذو المليار دولار يمكن تدميره بصاروخٍ واحد”.. وعزّز هذا الموقف الجنرال أمير علي حاجي زادة، قائد القوات الجوية في الحرس الثوري عندما هدد باستهداف حاملة الطائرات لينكولن، وقال: “إنّ هذه الحاملة التي تضم نحو خمسين طائرة حربية وستة آلاف عسكري كانت تُشكل تهديدًا في السابق لإيران، أما اليوم فهي مستهدفة بصواريخنا وزوارقنا، وباتوا اليوم فرصةً لنا ومثل قطعة اللحم بين أسناننا”.

وفي الخفاء، وربما دون علم القيادة السياسية للبلاد ما عدا الرئيس‘ فمن الممكن قيام بعض الأجهزة الاستخبارية الخاصة سراً بتنفيذ هذه المهمة وانتظار النتائج على الأرض لتحويل أنظار ترامب نحو واقع الخسائر التي تنتظرة من جراء سياساته التصعيدية ضد إيران بتحريض من اللوبي الصهيوني في أمريكا.

فإيران كما يبدو تريد توجيه رسالة ذات مضمون ينسجم مع عقلية ترامب المقامر، وكأن اللعبة أخذت طابع عض الأصابع فمن تراه يتحمل أكثر..

دعونا نستعرض بعض البيانات التي قد تهم ترامب أكثر في سياق هذه الأزمة وتداعيات ما بعد الهجوم على السفن في الفجيرة..

فبحلول الساعة 06:24 بتوقيت غرينتش من يوم الأحد الذي حدث فيه الهجوم وفق بيانات سعودية، بلغت العقود الآجلة لخام القياس العالمي برنت 71 دولارا للبرميل، مرتفعة 0.5% مقارنة مع سعر الإغلاق السابق.

وبلغت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأميركي 61.73 دولارا للبرميل مرتفعة 0.1%مقارنة مع سعر التسوية السابقة.

والسعودية والإمارات تقعان في المركز الأول والثالث بين أكبر المنتجين على الترتيب بمنظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك) وهما جزء من سياسة التعويض النفطي من جراء تصفير الإنتاج الإيراني والفنزويللي للنفط.

وأخيراً.. الرهانات ما زالت مفتوحة على كل الاحتمالات.. ومهما خسر الجميع في هذه التصعيدات فإن الرابح الوحيد هو الكيان الإسرائيلي الذي يعمل جاهداً مع حلفائه لدفع الأمور نحو المواجهة العسكرية.. وهذا من متطلبات تحقيق صفقة القرن..

بقلم بكر السباتين

تحليل استراتيجي.. ۠�h��?

وسيط تداول
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق