أحوال عربية

اسرائيل ومحاولة السيطرة على مياه نهر النيل

 

 

 د محمد  ابراهيم بسيوني 

 

لم تكلل كل محاولات «إسرائيل» الحثيثة في الحصول على جزء من مياه نهر النيل بالنجاح حتى الآن. ثمة سعي وخرائط لدى الإسرائيليين بأن حدود الدولة العبرية سيمتد من نهر النيل إلى نهر الفرات، وهو ما أشارت إليه الكتابات التوراتية اليهودية، وكُتب على لوحة توراتية في مدخل الكنسيت الإسرائيلي بأن «حدودك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل».

 

ظل نهر النيل أحد الأهداف الإسرائيلية الإستراتيجية الهامة، حيث طالما سعت الدولة العبرية للاستفادة منه عن طريق تحويل حصة من مياهه في أنابيب إلى تل أبيب عبر القاهرة، وهو الأمر الذي فشل تمامًا إلى الآن.

وبصفة عامة، ارتكزت السياسة الإسرائيلية على مبدأ نهب الموارد المائية العربية، والاقتتال من أجلها.

ترجع المطامع الإسرائيلية في مياه النيل إلى بدايات القرن الماضي، حيث تمثلت في عدد من المبادرات والمشروعات التي قدمتها إسرائيل خلال تلك المرحلة، والتي باءت جميعها بالفشل حتى وقتنا الحالي.

وتتمثل أهم تلك المبادرات والمشروعات المائية الإسرائيلية في:

عقب توقيع اتفاقية السلام، شرع الرئيس السادات في مشروع «قناة السلام» لنقل حصة من مياه نهر النيل إلى صحراء النقب، ومنها إلى القدس.

المشروع المائي الذي قدمه تيودور هرتزل، مؤسس الحركة الصهيونية، في عام 1903 إلى الحكومة البريطانية في فترة الحماية البريطانية على مصر يتم من خلاله نقل مياه النيل عبر قناة السويس إلى سيناء، ومنها إلى فلسطين، بحجة تنمية شمال سيناء، إلا أن هذه الدراسة لاقت احتجاجًا بالغًا من الحكومة المصرية، فضلاً عن قلق بريطانيا من تقليص كمية المياه بما يؤثر على زراعة القطن، ومن ثَمَّ فقد تم إهمال مشروع هرتزل.

خلال سير مفاوضات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، تقدم الخبير الإسرائيلي «شاؤول أولوزورف»، النائب السابق لمدير هيئة المياه الإسرائيلية، بمشروع إلى الرئيس الأسبق السادات، في إطار مشروعات مشتركة لتطوير مياه النيل، يهدف إلى نقل مياه النيل إلى إسرائيل من خلال شق ست قنوات تحت قناة السويس، بحيث ينقل حوالي مليار متر مكعب لري صحراء النقب، منها 150 مليون متر مكعب لقطاع غزة.

مشروع قناة السلام جاء رد فعل الرئيس السادات على المبادرة الإسرائيلية في خطاب له بمدينة حيفا بأنه سوف ينقل مياه النيل إلى صحراء النقب عبر قناة السلام، ووعد آنذاك بأن تصل القناة إلى القدس، وأرسل خطابًا إلى مناحم بيجين كانت مجلة أكتوبر الأسبوعية الناطقة باسم الحزب الديمقراطي آنذاك قد نشرته في عددها بتاريخ 16 يناير 1979 بعنوان مشروع زمزم الجديد.

وفي سبيل ذلك، طلب السادات آنذاك من المختصين الشروع في عمل دراسة علمية كاملة لتوصيل مياه النيل إلى القدس. إلا أنه وبعد احتجاج الرأي العام الداخلي في مصر، تم التراجع عن فكرة توصيل المياه لإسرائيل، خاصة وأن رئيس الوزراء آنذاك الدكتور مصطفى خليل قد صرح بأن تصريحات الرئيس السادات لا تتجاوز إظهار النية الحسنة، وبالفعل فقد تم تجميد العمل بتنفيذ حفر قناة السلام.

خلال عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، وبعد افتتاحه للنفق الثالث تحت قناة السويس في نوفمبر 1996، أُشيع أن الغرض منه إمداد قطاع غزة وإسرائيل بمياه النيل تحت الإشراف الفني للحكومة الإسرائيلية، وهو ما لم يثبت صحته آنذاك.

ويشتمل المشروع المائي الإسرائيلي للاستفادة من مياه نهر النيل وفقًا لدراسة متكاملة نُشرت عام 1990، على أركان أربعة، تمثل أحدها في نقل مياه نهر النيل إلى شمال النقب، وزعمت الدراسة أن كميات ضئيلة من المياه بالمقياس المصري تبلغ حوالي 0.05% من الاستهلاك لا تشكل عنصرًا مهمًا في الميزان المائي المصري، بالإضافة إلى إمكانية مد مياه النيل التي ترغب الحكومة المصرية في تحويلها لتنمية سيناء إلى إسرائيل.

واجهت فكرة تحويل مياه النيل إلى منطقة سيناء معارضة كبيرة من قبل الخبراء المتخصصين وعلماء البيئة والجيولوجيا، حيث اعتبروه أحد المشروعات عديمة الجدوى لتنمية شمال سيناء لعدة أسباب منها المادية والبيئية والإستراتيجية.

فعملية تحويل المياه ستكلف خزينة الدولة المصرية الكثير، علاوة على حرمان المزارعين في منطقة الدلتا وعلى ضفتي النيل من المياه الكافية للأراضي الزراعية، بالإضافة إلى أن الأراضي المستهدف وصول المياه إليها شديدة الملوحة، وبالتالي فهي تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه ولمدة طويلة، وفي المقابل ستنتج محاصيل ضعيفة.

كما يتسبب استخدام الأسمدة الكيماوية والمبيدات الحشرية وتسرب مياه الري الحاملة لها في إفساد المياه الجوفية وعدم صلاحيتها للاستخدام الآدمي، بالإضافة إلى التأثير السلبي على الثروة السمكية. كما أن بعض المناطق في سيناء مثل وادي العريش تحتاج لمحطات رفع المياه لارتفاع يتجاوز 100 متر فوق سطح البحر، وهو ما يعني أن التكلفة ستكون باهظة.

وفي نفس السياق، أكد الخبراء والمختصون أن المياه الجوفية والأمطار تعتبر كافية للزراعة وإنتاج المحاصيل في المنطقة؛ ما يؤكد عدم جدوى مثل هذه المشروعات تمامًا.

 

لم تنته المخططات الإسرائيلية عند هذا الحد، امتدت إلى حد التقارب مع دول حوض النيل في الشرق الأفريقي، من أجل الضغط على مصر وتطويق دورها، والعبث بأمنها المائي من ناحية، والسعي نحو تحويل جزء من مياه النيل إلى إسرائيل عبر مصر من ناحية أخرى، من خلال إثارة المشاكل بين دول حوض النيل، وخاصة بين مصر وإثيوبيا، والعمل على شيطنة مصر في العقل الجمعي لشعوب شرق أفريقيا وحكوماتها؛ مما يسهل من مخططاتها بشأن مياه النيل، والتأثير على الدور المصري في المنطقة بما يحقق مصالحها ويبسط من نفوذها.

شرع الإسرائيليون في وضع دراسات لإقامة حوالي 40 سدًا على ضفاف النيل الأزرق، منذ الستينيات، بهدف تحويل مجراه في إثيوبيا، بتمويلٍ من البنك الدولي.

كما شرع بعض الخبراء الإسرائيليين والأمريكيين في وضع عدد من الدراسات المائية لإقامة ما يقارب 40 سدًا على ضفاف النيل الأزرق، وذلك منذ ستينيات القرن الماضي، بهدف تحويل مجراه في إثيوبيا، بتمويلٍ من البنك الدولي، بما يؤثر على حصة مصر من مياه النيل.

كما قامت إسرائيل بتقديم نفسها إلى دول الحوض باعتبارها تمتلك التكنولوجيا والتقنية التي تساهم في الاستخدام الأمثل والاستفادة من الموارد المائية الموجودة، وظهر ذلك في إرسال الخبراء الإسرائيليين في مجالات المياه والطاقة والزراعة إلى عدد من الدول الأفريقية من أجل تقديم الخبرات، فضلاً عن المساعدات المالية التي تقدمها إسرائيل إلى دول الحوض للمساهمة في تطوير تلك المجالات، وهذا ما كان يعنيه الرئيس الأسبق الإسرائيلي، شيمون بيريز، في كتابه «الشرق الأوسط الكبير» بأن أفريقيا لن تنهض وتحل مشكلة المياه إلا بالتكنولوجيا الإسرائيلية.

كما حاولت إسرائيل من خلال توطيد علاقتها مع إثيوبيا، الإيعاز لها بعدم القبول بحصة مصر والسودان من مياه نهر النيل؛ الأمر الذي أدى إلى تصاعد الموقف بين مصر وإثيوبيا منذ عام 2011 بعد شروعها في بناء سد النهضة، الذي أعلن بعض المسئولين في إثيوبيا مؤخرًا اكتمال بنائه، واستمرار تعثر المفاوضات في كثير من المراحل خلال السنوات العشر السابقة بين البلدين، وعدم التوصل إلى حلول ناجعة، في ظل التعنت الإثيوبي ضد مصر.

علاوة على ذلك، كثّفت إسرائيل زيارات مسئوليها الرسميين إلى دول شرق أفريقيا وحوض النيل، كان آخرها زيارة رئيس الوزراء نتنياهو إلى إثيوبيا ورواندا وكينيا وأوغندا. ونتيجة لذلك، باتت معظم دول الحوض تعتمد على الخبرة الإسرائيلية في مجال المياه والطاقة، فقد قامت إثيوبيا بإسناد مهمة إدارة الكهرباء في سد النهضة إلى شركة إسرائيلية، فضلاً عن وجود شركة أمن إسرائيلية تقوم بحماية السد، بالإضافة إلى التقارب بين قيادة البلدين.

وترغب إسرائيل ضمن مساعيها إلى فتح الطريق أمام عملية بيع مياه نهر النيل، من خلال خطط تقضي بتحويل كل مصادر مياه النيل في بقعة واحدة وسط القارة كخزان عملاق، وهو ما يبرر محاولة إثيوبيا الاستئثار بمياه النيل من خلال بناء سدود على ضفاف النيل الأزرق، وإعادة تقسيم حصص المياه في دول الحوض، ومنع مصر من حقها في حصتها التاريخية التي تُقدر بحوالي 55.5 مليار متر مكعب من المياه.

وجدير بالإشارة إلى أن خطورة توصيل مياه نهر النيل إلى إسرائيل تكمن في أنها ستصبح بحكم القانون الدولي ضمن دول حوض النيل، وبالتالي سيكون لديها الحق في المطالبة بنصيب أكبر من مياه نهر النيل، خاصة في ظل التواطؤ الإثيوبي معها، وهو ما يعتبر تهديدًا كبيرًا للأمن القومي المصري.

ومن ثَمَّ، وبالرغم من صدور بعض التقارير التي تطرقت إلى عودة فكرة تحويل مياه النيل إلى إسرائيل عن طريق أنابيب تمر عبر مصر، إلا أنه من المؤكد أن النظام المصري لن يقدم على مثل هذه الخطوة؛ خوفًا من ردة الفعل الشعبية، علاوة على معاناة مصر من الفقر المائي، حيث يشهد الميزان المائي المصري تراجعًا خلال السنوات الأخيرة، إضافة إلى أن دخول إسرائيل ضمن دول حوض النيل ستكون له تداعياته السلبية على المصالح المصرية في شرق القارة، وستضر بالأمن القومي المصري.

 

د. محمد ابراهيم بسيوني

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق