أمن وإستراتيجية

ابحادث في الأمن والمخابرات … الحرب الالكترونية

بشير الوندي
ـــــــــــــــــــــ
يوما بعد آخر يزداد مايحيطنا انغماساً بالتكنلوجيا وتزداد معه قابلية الاجهزة الاستخبارية على الاختراق , ومن المجالات الاكثر حدة والاكثر تأثيراً في هذا المجال هو مجال الحرب الالكترونية , حيث صارت تلك الحرب من الاعمدة الرئيسية في اي صراع مسلح بين الدول وحتى في المعارك مع الارهاب .
ولعل القاريء كثيراً ماسمع بعبارات عن استهداف مراكز الاتصالات والسيطرة في الخطوات الاولى للمعارك لاسيما فيما شاهده العراقييون في حرب ١٩٩١ على العراق وتكررت في عام 2003 في معركة احتلال العراق حيث جرى قطع العراق عن العالم , فغدا بلا اتصالات سلكية او لا سلكية وقطع وتشويش جميع قنوات الراديو والتلفزيون ومنع العراق من استخدام اي مجال كهرومغناطيسي والتشويش على الطيارين في اتصالاتهم وضرب الاتصالات بين قطعات الجيش وضرب الرادارات واصبح سعاة البريد وضباط الارتباط يوصلون الاوامر باليد وقام الطيران الامريكي بضرب كل المرسلات والبدالات والابراج ايضا وهذه هي الحرب الالكترونية , فكان الانتصار الامريكي في هذا النوع من الحروب هو الحاسم في احتلال العراق .
———————————
اسس الحرب الالكترونية
———————————
لا يوجد جهاز كهربائي في هذا العالم كلِّه إلا واعتماده الأول على القوة الكهرومغناطيسية ابتداءاً من اجهزة الانارة وحتى اجهزة الاتصال , فحتى ضوء الشَّمس الذي يصلنا ، هو في حقيقته عبارةً عن موجات كهرومغاطيسية , كما ان كل اجهزة الطاقة تعمل بمبدأ الكهرباء النَّاتجة من مجالٍ مغناطيسي متحرِّك , وحتى في المجال الطبِّي , فاننا نسمع دائماً عن صورة الأشعَّة التي يلتقطها أخصَّائي الأشعة والتَّصوير الطَّبقي وغيرها , اما المجال العسكري , فان الرَّادارات تعمل على الموجات والتَّردُّدات الكهرومغناطيسية، والصَّواريخ الموجَّهة تعمل على الأشعَّة الكهروضوئية والتي هي بالأصل موجات كهرومغناطيسية , وبالتالي فإن رصد وايقاف وشلل كافة الاجهزة يتمثل بتشويش وقطع وتحويل مسار تلك الموجات , وهو جوهر الحرب الالكترونية .
————————————-
اتجاهات الحرب الالكترونية
————————————-
ان الحرب الإلكترونية هي مجموعة الإجراءات الإلكترونية التي تتضمن استخدام النظم والوسائل الإلكترونية لضرب الإشعاع الكهرومغناطيسي لنظم العدو ووسائله ومعداته الإلكترونية المختلفة لمنع العدو من كافة ادوات اتصالاته , فقطع الاتصالات بكل انواعها يعني جعل العدو لا يسمع ولا يتكلم ويفقد السيطرة على اذرعه ويدب في صفوفه الخوف من الصمت المطبق لاجهزته الالكترونية مما يؤدي الى انهيار المعنويات والاستسلام للمصير المجهول .
وتتم الحرب الالكترونية في اربعة اتجاهات :
الاتجاه الاول: في استخدام كافة الوسائل الالكترونية لكافة انواع الاتصالات والكشف العسكرية والسرية .
الاتجاه الثاني: يتمثل في حماية وسائل الاتصال والبحث والتجسس من التعطيل والاختراق .
الاتجاه الثالث: يتمثل في البحث الاستخباري لتحديد مواقع الاتصال والسيطرة الرئيسية والفرعية للعدو ومواقع راداراته .
الاتجاه الرابع: يتمثل في تدمير اجهزة الاتصال والكشف والمراقبة لشل اتصال العدو , وهي من المقدمات الرئيسية لأية حرب .
——————————————–
الاستخبارات والحرب الالكترونية
——————————————–
ان مؤسسة الحرب الالكترونية تعمل على مقربة من الاستخبارات العسكرية , حيث تكون الاستخبارات العسكرية بجمبع صنوفها الميدانية والبرية والجوية والبحرية ضمن دائرة عمل الاستخبارات الفنية في الجيوش .
فتقوم الاجهزة الاستخبارية بالمسح الاستخباري لكل دول الجوار والدول الهدف وتستكمل باستمرار متطلبات قدرات الهدف في الحرب الالكترونية.
وتعنى الاستخبارات في القوة الجوية بتوفير خارطة مرسلات العدو ومراكز القيادة والسيطرة ومراكز الابراق ومحطات اعادة البث , وبالطبع , لا تنطلق الحرب الالكترونية بجميع قدراته الا قبل الحروب بايام وتكون في حالات السلم ضمن الاستعداد وتكتفي بالتنصت و استكمال المعلومات.
ان الاستخبارات الفنية احد ابرز اذرع الحرب الالكترونية من خلال امتلاك قدرات الكشف والمسح الجوي والارضي وخرق منظومات الهدف والتنصت عليه والتشويش وقطع اتصالاته.
ومما لاشك فيه , فان الاتجاهات الاربع للحرب الالكترونية (التي ذكرناها اعلاه) مرتبطة في كافة مراحلها بالاستخبارات , فكل مراحل بناء اجهزة الاتصالات تكون مترافقة في مراحل شرائها او تطويرها وتركيبها واستخدامها بالرقابة الاستخبارية , كما ان حماية كافة اجهزة الاتصالات والرقابة هو عمل استخباري خالص من اجل حمايتها من اي استهداف مضاد .
اما اكتشاف مواقع اجهزة اتصال العدو ومراكز السيطرة والرادارات فهو الاخر من اهم اعمال التجسس الاستخباري على العدو , وهو عمل يشتد ويكون في اوج نشاطه مع انطلاق المعركة , فمن ابرز اهداف الاستخبارات العميقة او العسكرية او الخارجية هي ان تبحث عن مرسلات الهدف ومراكز اتصالاته ومراكز البرقيات ومحطات اعادة البث ومحطات القيادة والسيطرة والكيبل المحوري وشبكات الاتصال العسكرية والمدنية وابراج النت وشبكة الموبايل وكل مقويات الارسال وترددات المرسلات والترددات الاذاعية والتلفزة , حيث تحتفظ الاستخبارات بخاصرة اتصالات العدو او الهدف بمسح معلوماتي دقيق مع نوع الاجهزة المستخدمة وقوة الاجهزة وامكانيات الهدف في مجال الحرب الالكترونية ومدياتها.
كما ان تنوع معدات الحرب الالكترونية بشكل هائل , يجعل من صلب واجبات الاستخبارات ان تنشط في مراقبة مشتريات تلك المعدات من قبل الدول العدو والعدو المحتمل لانها تعتبر من اولويات المعلومات العسكرية التي يجب تحصيلها , فالاجهزة الاستخبارية تتنبه كثيرا الى التطور في معدات الحرب الالكترونية والصناعات في هذا المجال وتحاول الدول الحصول على كافة التقنيات التي تحمي امنها في هذا المجال.
—————————–
اولويات ساعة الصفر
—————————–
ما ان تنطلق ساعة الصفر في الحروب الحديثة , حتى تكون اولى المهام من اختصاص عمليات الحرب الالكترونية من خلال استهداف المحطات الثابتة والطائرات والعجلات المتحركة والبواخر وحتى الاجهزة المحمولة على الكتف ميدانياً , فقدرة اسكات العدو كهرومغناطيسياً وحرمانه من ذلك يعني فقدانه للحواس وتشويشه ليصبح كالاعمى .
فتقوم اجهزة الحرب الالكترونية بعمليات التشويش وايقاف رادارات العدو وقطع الاتصال وايقاف عمل جميع الترددات ضمن الرقعة الجغرافية , فيما تكمل باقي عمليات الحرب الالكترونية من خلال قصف الاهداف جويا , ويتم استهداف محطات الاتصال السلكي واللاسلكي وأنظمة الرادار العسكرية للإنذار وتوجيه النيران واجهزة المراقبة الساحلية ومراكز السيطرة الجوية والبرية.
ولايقف الامر في حدود قطع اتصالات العدو , بل يتعداه الى امكانية استخدام ادوات اتصالات العدو ضده بشكل خارج عن ارادته بالسيطرة عليها الكترونياً .
ففي عام ٢٠٠٣ عند غزو العراق كانت جميع اجهزة اتصال الجيش العراقي مضغوطه لاتتصل وتبث عليها نداءآ ت الجيش الامريكي , فيصبح اطفاء الجهاز افضل من تشغيله لانه اصبح محطة للعدو تبث نداءآت الحرب النفسية وارشادات الاستسلام.
ان الحسم في الحرب الالكتروني يشل قدرة العدو على الحركة بشكل كبير ويجعل استخدامه للمعدات الحربية مشلولاً لاسيما الطيران والاتصالات والرادارات والاجهزة والصواريخ الموجهة , فتكون الغلبة لمن يستطيع شل قدرات عدوه .
————————————-
الحرب الالكترونية الداخلية
————————————-
ان مجال الاتصالات والترددات فيه ماهو مدني كالاتصالات والفضائيات والقنوات والنت وابراج اتصالات المطارات وغيرها , وفيه ماهو عسكري كاتصالات الشرطة والجيش , ولابد ان تكون السيطرة ممكنة استخبارياً على الاستخدامات المدنية عند الضرورة .
وتستخدم طاقات الحرب الالكترونية داخل البلاد في اماكن التمرد والعصيان والتظاهرات واعمال الشغب باستخدام اجهزة القطع المحددة , اي انها تشوش او تقطع خدمات النت والاتصال عند الحاجة والضرورة في اماكن التظاهرات ولاتعمد الاجهزة الاستخبارية الى القطع العام لانه يثير المواطنين ويحد من عملية تواصلهم واعمالهم ويضر بالتجارة والاعمال اليومية .
الا ان هنالك اماكن محددة يتم القطع عليها بشكل دائم مثل السجون والدوائر الحساسة ومحيط الثكنات العسكرية ومحيط القواعد الجوية والسفارات , كما يستخدم القطع المتحرك ضمن عجلة جوالة في مواكب المسؤولين .
كما يتم داخلياً مسح ارضي وجوي دائم لمناطق الحدود والقرى النائية بالتعاون مع الاستخبارات للكشف عن اي نشاط ارسال واستلام , كما يتم التحكم بشركات الاتصال وخدمات النت بحيث يمكن التحكم بها عند الضرورة.
وبالعموم , لا يقتصر الجهد الالكتروني على الحرب , فالدول تحمي مجالها الكهرومغناطيسي دوماً من اي تلاعب وتدخّل كونه من امور السيادة الوطنية , فحزمة الترددات وسماء البلد ومجالها الكهرومغناطيسي من اعمال السيادة واي اتصال يستخدم هذا الفضاء يجب ان يكون بعلم الدولة ولابد من وجود مراقبة مستمرة في الحرب والسلم لهذا المجال من خلال المعدات الفنية..
————
خلاصة
————
الصراع التكنولوجي هو سمة العصر بلا منازع , وفي مقدمته صراع الاتصالات الذي يعد لب العمل الاستخباري , وصارت الضربات الجوية تستهدف في ضرباتها الاولى اجهزة الاتصال والسيطرة والتشويش والرادارات , لتصبح الدولة العدو مشلولة بالكامل وتقبع في ظلام الكتروني تمسي معه الوحدات العسكرية اشلاء متناثرة في جزر متباعدة .
ومما لاشك فيه , فان تحضيرات وضمانات نجاح الحرب الالكترونية لايتم الا من خلال عمل استخباري مضنٍ ودؤوب يحدد ويرسم خريطة اتصالات العدو ومراكز سيطرته .
وفيما تتصارع الدول في كيفية تطوير قوتها الحربية الالكترونية , فاننا لانزال في العراق في آخر الركب عاجزون حتى الان من منع الارهابيين القتلة في السجون من الاتصال الالكتروني بالعالم الخارجي وهو ماكلفنا الكثير من عمليات الهروب الجماعي لعتاة الارهابيين , والله المستعان والموفق.