أحوال عربية

أين غزة من الانتخابات الإسرائيلية ؟

عماد أبو عوّاد

ــــــــــــــ

يربط الكثير من المحللين، بين الانتخابات الإسرائيلية التي من المرجح أن تكون خلال أشهر قليلة قادمة، وبين طبيعة التعامل الإسرائيلي مع غزة، حيث ترجح الغالبية العُظمى بأنّ “إسرائيل” بحكومتها اليمينة قد تلجأ للحرب من منطلق حفظ ماء وجهها، في ظل استطلاعات كانت قد أشارت ولا زالت، بأنّ حكومة اليمين الصقوري لم تُحسن التعامل مع مسيرات العودة الأخيرة في القطاع، بل وظهرت فيها المقاومة على أنّها صاحبة اليد العليا، وفق استطلاع رأي “إسرائيلي” داخلي[1].

لربما كان السلوك الإسرائيلي، في تاريخه القصير نسبياً، قد سلك هذا المسلك، فهناك من اعتبر أنّ خروج حكومة أولمرت لحرب ضد غزة في العام 2008، جاء بعد الضغط الكبير عليها، بأنّها لا تُحسن إدارة الملف مقابل المقاومة في غزة.

لكن الحالة في هذه المرحلة تكاد تكون مختلفة بشكل كبير، حيث تأتي في ظل انقسام كبير يحياه المجتمع الصهيوني، فمنذ ما يزيد عن 9 سنوات، يحكم اليمين الإسرائيلي، ويتزعم الحكومة ذات الشخص، بنيامين نتنياهو، وليس من نافلة القول، أنّ اليمين الإسرائيلي ازدادت قوّته خلال العشر سنوات الأخيرة، بنسبة 20%، بالمقارنة مع العقد السابق.

ووفق استطلاعات الرأي في الخمس أشهر الأخيرة، أي خلال مسيرات العودة، وفي ظل عدم رضى الجمهور عن تعامل الحكومة الإسرائيلية مع غزة، جاءت النتائج لتؤكد حفاظ تكتل اليمين على ما يُقارب 70 مقعد في أي انتخابات قادمة[2]، حيث كان انتقال المقاعد داخل نفس التكتل، بمعنى أنّ كل تكتل يحافظ على قوّته تقريباً، مع تقدم واضح لليمين، الذي بات مطمئن إلى أنّ فترة حكمه ستمتد على الأقل لدورة انتخابية أخرى.

من جانب آخر، فإنّ رضى الجمهور الإسرائيلي عن الحكومة جيد، والأبعد من ذلك، أنّ رئيس الحكومةوالذي يواجه تحقيقات بتُهم فساد، وربما هو على أبواب لائحة اتهام، لا زال يحظى بدعم كبير، فإلى جانب وصول حزبه لـ 36 مقعد في استطلاعات الرأي، فإنّه يحظى بدعم 40% كأفضل شخص لرئاسة الحكومة، يليه يائير لبيد في المرتبة الثانية ب 18%[3]، بمعنى أنّ الوضع الأمني في الجنوب غير مؤثر على صورة نتنياهو والليكود.

هنا يُطرح السؤال، اذاً لماذا نسمع تصريحات نارية من قبل القيادات الإسرائيلية، وتحديداً زعيمي حزب “إسرائيل بيتنا”، و”البيت اليهودي”، افيجدور ليبرمان وزير الجيش، ونفتالي بنت وزير المعارف، حيث باتت ساحة غزة، والمطالبة بضرورة توجيه ضربات قاسية لها، ماركة مسجلة بإسميهما في الشهور الأخيرة.

بالعودة إلى ما ذكرناه أعلاه، حول أنّ كل تكتل يحافظ على قوّته، مع زيادة بسيطة لصالح اليمين، فإنّ الناظر إلى توزيع المقاعد داخل تكتل اليمين، يجد أنّ حزب الليكود سيحصل على مقاعد أكثر في الانتخابات المقبلة، وهذه المقاعد جاءت على حساب حزب البيت اليهودي، والذي بات يُدرك أنّ منافسة الليكود، على كسب أصوات الناخبين، في مواضيع الاستيطان والتشريعات اليمينية الصهيونية، باءت بخسارة كبيرة، حيث بات الليكود أكثر قُدرة على كسب هذه الشريحة.

هذه القناعة لدى زعيم حزب البيت اليهودي، والذي بات يشعر بضعف داخلي في ظل ارتفاع نجومية منافسته ايلات شاكيد، دفعته لوضع عينه على وزارة الجيش، والتي سيسعى من خلال تسويق نفسه لها، إلى محاولة كسب شريحة باتت ترى أنّ ليبرمان لم يُحسن إدارة ملف وزارة الجيش، ليس مع غزة فحسب، بل أيضاً في إدارة الملف الداخلي للوزارة، والعلاقة مع العسكر.

وهذا ما يدفع بنت لدوام التهجم على سوء إدارة ليبرمان لملف غزة، الأمر الذي يدفع ليبرمان للتصعيد في تصريحاته، محاولاً الإشارة إلى أنّه الوحيد الذي يدعم عملية عسكرية في غزة، وإن كان هذا صحيحاً، فإنّ مسألة الخروج للحرب باتت بيد رئيس الوزراء والعسكر، أكثر من غيرهما، بمعنى أنّ ضعف ليبرمان، جعل من قيادة الجيش، أكثر ارتباطاً برئيس الوزراء نتنياهو، والذي بعد ابعاده لوزير الجيش السابق موشيه يعلون، استطاع توسيع حكومته التي بقيت ضيقة، واستطاع الالتفاف ليكون المؤثر رقم واحد في المؤسسة العسكرية.

على الجانب الآخر، فإنّ بقية الأحزاب، كأحزاب الحريديم شاس ويهوداة هتوراة، تحافظ على قوّتها نسبياً، بعيداً عن المعادلات السياسية، رغم أنّ شاس بات مُهدداً بفقدان مقاعد أخرى، في ظل وجود حزب حريدي شرقي آخر ينافسه، حزب ياحد بقيادة ايلي يشاي، الزعيم السابق لشاس، والذي يحظى بجماهيرية كبيرة لدى الوسط الحريدي الشرقي.

بناءً على ما تم الإشارة إليه أعلاه، فإنّ ترجيح الخروج لحرب على غزة، كنوع من الدعاية الانتخابية، أو للحفاظ على قوّة اليمين الحاكم، ليس بدقيق، ويُمكن اعتبار عكس ذلك أكثر دقّة، بمعنى أنّ الخروج للحرب، واستمرارها لفترة طويلة، وعدم قدرة “إسرائيل” على حسمها، وربما تلقي “إسرائيل” ضربات موجعة ومفاجئات من قبل المقاومة، سيكون ارتدادها السلبي على اليمين الحاكم، أكثر من بقاء الأوضاع على حالها.

إلى جانب ذلك، فإنّ بقاء التوتر الأمني غالباً ما يخدم اليمين الإسرائيلي، وما صعود اليمين في سبعينات القرن الماضي، وزيادة قوّته الانتخابية، وعلى الأرض في العقد الأخير، إلّا احدى نتاجات استمرار الواقع الأمني السيء بالنسبة للمواطن الإسرائيلي، الذي بات يرى بالصوت المرتفع، والايدولوجيا اليمينية تعبيراً حقيقياً عن اليهودية.

ختاماً، ملف غزة من الملفات التي تفتقد فيها استراتيجية واضحة في التعامل، وإن كانت على المستوى التكتيكي تعتبر أنّ نجاحها في خنق القطاع، سيقود إلى تسويات، تؤسس لمرحلة اللاعودة فلسطينياً، بمعنى استمرار الانقسام، وتحمّل غزة لأعبائها، بترتيبات يُعدّ لها، لتستفرد “إسرائيل” بما تبقى من الضفة الغربية، استيطاناً، تهويداً، وربما الضم مستقبلاً.

مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني