رأي

أياكانت الجهة المسؤولة فإن الأمر يتعلق بكسر قلم وإسكات صوت إلى الأبد …؟

الطيب دخان
ــــــــــــــــ

أيا كانت الجهة المسؤولة عن قتل أو إختطاف الصحفي والكاتب السعودي جمال الدين خاشقجي ،فنحن ككتاب أو إعلاميين وصحفيين وأصحاب أقلام لا يهمنا ذلك ولايعنينا من ذلك الأمر شيء ،وإنما الذي يهمنا كسر قلم وخنق صاحبه حتى الموت وإسكات رأي بجريمة بشعة لايرضاها شرع ولادين ولاعقل بل تمتقتها كافة الأعراف والتقاليد وتشمئز منها نفوس بني الإنسان جميعا ،إذ لا تفيدنا هذه المماطلة في التحقيقات وكثرة الشد والجذب والتراخي والتستر عن كشف الجناة والفاعلين الحقيقيين للرأي العام وتسليط أقصى العقوبات عليهم ..كما لا يهمنا أيضا محاولة إلصاق التهم وتلفيقها بفاعلين آخرين …
فبالعودة إلى الظروف الز مانية والمكانية ،وكذلك الأحداث السياسية التي سبقت وقوع هذه الجريمة ،يخالجنا بعض من الشك والريب في جميع التصريحات والآراء التي يطلقها الساسة والزعماء الذين أبدوا إهتمامهم بالحادثة بين الحين والآخر حول ظروف وملابسات القضية ،حتى يبدوا لنا وكأن الجريمة قد خطط لها سلفا من أجل إستدراج النظام السعودي للقيام بمثل هذه الحماقة السياسية وإيقاعه في الشرك والفخ المنصوب له إن كان هو فعلا مرتكب الجريمة ….؟
حيث جاء توقيت تنفيذ العملية البشعة مباشرة بعد أيام من الجدل بين الإدارة الإمريكية وعلى رأسها رئيس الولايات المتحدة الإمريكية ترامب والنظام الملكي السعودي بقيادة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان عندما طالب ترامب المملكة السعودية علنا بدفع الجزية مقابل ماتمارسه الولايات المتحدة من حماية أمنية لها ،ولكن هذا الطلب قوبل مباشرة بالرفض من طرف ولي العهد وذلك بتصريح محمد بن سلمان أيضا في العلن قائلا :”لن ندفع شيئا مقابل أمننا ” مما جعل الإدارة الإمريكية تعتبر هذا الإمتناع تمردا خاصة إذا ماكانت المملكة العربية السعودية تفعل ذلك في سالف العهود سواء كان ذلك في السر أو في العلن …وبالتالي فلابد على الولايات المتحدة الإمريكية من أن تفكر في مكيدة تدبرها للإيقاع بهذا الأمير المارق حتى تجعله يدفعها مرغما شاء ذلك أم أبى ….
الجريمة جاء توقيتها أيضا قبل أيام من إنعقاد المؤتمر السعودي للتنمية والذي أطلق عليه إسم “دافوس الصحراء” وهوعبارة عن أضخم مشروع تنموي جديد تسعى فيه المملكة العربية السعودية إلى النهوض بإقتصادها في إطار سياسة تنموية تهدف إلى إستغنائها عن النفط الذي كان بمثابة العمود الفقري لإقتصادها ويحمل آفاق ورؤى المنطقة في عام 2030 ويعتبر مهندس الفكرة والراعي لها دائما هو ولي العهد “آم -بي-آس’ كما يحلوا للغرب تسميته بذلك وكان من المزمع ان تحضره شخصيات سياسية وإقتصادية عالمية ورواد كبرى الشركات الإستثمارية في العالم وخبراء دوليون …
طموح الأمير الشاب الذي يهدف إلى ولاية العهد في جعل المملكة العربية السعودية كقوة إقليمية في المنطقة حتى تتمكن من حماية نفسها وجاراتها الخليجية من التهديدات الإيرانية المتكررة بما أن الأموال متوفرة فلما لا الخروج من التبعية الإقتصادية للولايات المتحدة الإمريكية وهيمنتها عليها عسكريا عن طريق إبتزازها بالدفع مقابل الحماية …
صفقة شراء الأسلحة من الولايات المتحدة الإمريكية والتي تعد الأكبر في تاريخها بالنظر إلى قيمتها المقدرة ب 100مليار دولار وفي حالة إمتناع الإدارة الإمريكية عن الوفاء بها فإن المملكة ستغير بوصلتها بالإتجاه نحو روسيا أو الصين …
كل هذه الأسباب توحي لنا بأن أجهزة الإستخبارات الإمريكية تتحين الفرصة للإيقاع بهذا الأمير الطموح أو على الأقل كبح جماحه في الوصول إلى ولاية العهد …طالما أنه تجرأ على قول ” لا”للمرة الأولى للولايات المتحدة …
أما من الجهة الأخرى فإن العداوة بين تركيا والسعودية بدأت تصل إلى ذروتها خاصة وأن تركيا تعتبر أكبر معقل لحركة الإخوان المسلمين بمعية قطر والنظام الحاكم في السعودية لا يتسامح أبدا مع الإخوان ومن يأويهم أو يدعمهم زيادة على التنافس بين المملكة وتركيا حول ريادة وقيادة العالم السني الإسلامي ….
نشوب أزمة سياسية وإقتصادية بين الولايات المتحدة وتركيا على خلفية إعتقال القس صاحب الجنسية الإمريكية فوق أراضيها ،مما أدى إلى فرض حصار إقتصادي عليها أدى إلى تدهور الإقتصاد التركي وإنخفاض الليرة إلى أدنى المستويات مقابل الدولار الإمريكي …
كل هذه العوامل وغيرها من الأحداث قد سبقت توقيت وقوع الجريمة بأيام وأشهر قلائل ….
مما يوحي بأن تلك الشكوك وذلك الريب الذي أشرنا إليه في المقدمة تكاد تكون في محلها .
فإختيار الأراضي التركية لتكون مسرحا للجريمة وإستدراج الضحية من واشنطن إلى إسطمنبول ليس بالعبث أو الصدفة تعقب أجهزة الإستخبارات الإمريكية لتحركات الضحية وإتصالته بمعية نظيرتها التركية ،تحديد هوية فريق الإغتيال المزعوم بسرعة فائقة مباشرة بعد إختفاء الضحية ،متابعة تحركاتهم وتنقلاتهم منذ دخولهم للأراضي التركية إلى غاية خروجهم منها و مغادرتهم لها ،مراقبة القنصلية والتنسط للمكالمات الهاتفية الواردة إليها والصادرة منها .تسجيلهم أو حصولهم على حد زعمهم على تسجيل لعملية الإغتيال ،مراقبة كافة السيارات التابعة للقنصلية ورصد تحركاتها داخل وخارج إسطمبول ،إلى غير ذلك من الأمور التي توحي لنا بأن العملية كانت مبيتة أو أن الجريمة قد خطط لها سلفا ،وأن أجهزة الإستخبارات والأمن التركية ونظيرتها الإمريكية كانتا على علم بحدوثها وأنهما كانتا في إنتظار موعد وأوان وقوعها فقط ..!
وإيضا لماذا سمحت أجهزة الأمن التركية للقنصل السعودي بمغادرة أراضي بلادها علما بأن الجريمة قد وقعت في مكتبه والشكوك تحوم حول تواجد الجثة في منزله أوحديقته ،والتحقيقات في ذلك لازالت لم تنتهي …؟
ومما تلخص لدينا من أحداث وعوامل جيوسياسية كثيرة قد سبقت الحادثة فإننا نستطيع أولا أن نحدد الأطراف التي بإمكانها الإستفادة من عملية الإغتيال هذه ….
الإدارة الإمريكية هي أول مستفيد منها إذ يستطيع ترامب أن يرغم ولي العهد محمد بن سلمان على دفع أضعاف ماطلب منه مسبقا مقابل الحماية فأبى …!