أمن وإستراتيجيةفي الواجهة

أمريكا والاستغلال الاستراتيجي لتفوقها في الانترتت

محمود عباس

قبل ثلاثة قرون من الزمن، فتح بطرس الكبير قيصر روسيا(1672م-1725م) نافذة في قصره الشتوي المطل على الخليج الفنلندي، لاستقبال أشعة الشمس، تلقفها السياسيون وإعلاميو ذلك العصر على أنه فتح نافذة على الحضارة الأوروبية، وبدأت حينها مرحلة استيراد التكنلوجيا والصناعات العسكرية لتطوير روسيا، رفع بها سوية دولته الإقطاعية المتخلفة إلى دولة شبه صناعية بقوة عسكرية نافست أوروبا، ومعها الإمبراطورية العثمانية، واستطاع على خلفيتها استرجاع شبه جزيرة القرم بعد ثلاثون عاماً من الحرب، وخطط على أثرها استراتيجية جديدة تتلاءم والتطورات النوعية في وطنه.
سادت تلك النوعية من العلاقات الاستراتيجية في العالم على مدى قرنين وأكثر، وكانت من نتائجها سقوط الإمبراطورية العثمانية، وتقويض هيمنة دول عسكرية واقتصادية وبروز أخرى، وتشكلت دول قومية قوية، وظهرت إمبراطوريات وضمرت، إلى أن برزت الاتحاد السوفيتي، مع تبدلات في مراكز القوى الأوروبية وتوسعت الهيمنة الأمريكية، وحدثت تغيرات جذرية في العلاقات الدولي، تطورت على أثرها الاستراتيجيات الاقتصادية والعسكرية، فسيرت التحركات الدبلوماسية والسياسية على دروب جديدة، إلى أن بلغت البشرية المرحلة الأكثر شمولية، والمبتدئة من نهاية الحرب العالمية الثانية، وظهور السلاح النووي، واستخدامه على أرض الواقع، وتبعته مشروع مارشال الأمريكي الاقتصادي في أوروبا، ومن ثم التصريح العلني لستالين بامتلاكه للسلاح النووي نفسه، ونشره على الإعلام، فانتقل العالم إلى استراتيجية مغايرة، استراتيجية القطبين النوويين المتصارعين، وبداية حرب باردة استمرت أكثر من نصف قرن، علما أن دول فقيرة اتبعتهم في إنتاج ذلك النوع من السلاح، لكنه بقي محصوراً لأغراض إقليمية كترهيب لم يتعدى حدود الدول المجاورة، وجميعهم يدركون بأنه لا قدرة سياسية وعسكرية على استخدامها بوجود القطبين المسيطرين، واللذين يملكان من الأسلحة الشاملة والكافية لتدمير الكرة الأرضية عشرون مرة وأكثر، ولكن القضية هي الاستراتيجيات المبنية عليها مصالح هاتين القوتين، والعلاقات الدولية التي تدور في فلكهما، وعرفت بالاستراتيجيات الكلاسيكية، والتي ظهرت على أعتابها تحالفات إقليمية بجغرافيات متنوعة.
وما يجري اليوم من الصراعات في بعض المناطق الساخنة، تعكس استمرارية تلك الاستراتيجيات، والمصالح الاقتصادية، باختلافات بسيطة في مراكز القوى، لكن الأساليب القديمة في التحالفات هي ذاتها، ومنها تدخلات الناتو في قضايا أوكرانيا، ومحادثات أمريكا مع إيران، وتوزيع المصالح في شرق أسيا، علما في هذه الأخيرة، قضية التوازن الإقليمي هي الأكثر أهمية في المحادثات، ولا تدرج ضمن برامج أمريكا المدرجة في الاستراتيجية النوعية العصرية، فالصين أصبح يمثل القطب الثاني باستراتيجية مغايرة، تضع ذاتها على الساحة العالمية بهيمنة مختلفة، مستخدمة أرقى التكنولوجيات، تسخر لها الألاف من العلماء وخبراء الإنترنيت، لدعم اقتصادها المتنامي بوتيرة متصاعدة، ومجابهة أمريكا والدول المتحالفة معها، على بنية التكنلوجيا العصرية، رغم سيادة أدوات الإنتاج الكلاسيكية، في العديد من قطاعتها الإنتاجية.
وعلى أطراف هذه الصراعات، تبرز دول الشرق الأوسط، كأحد أهم منابع الطاقة في العالم ومنبع ومصدر الإرهاب، المدعوم بثقافة دينية متخلفة وموبوءة، وما يستخدم ضمن هذه المنطقة من استراتيجيات بدأت تتغير نوعياً، وخاصة من قبل الولايات المتحدة، ومنذ سيطرة الديمقراطيين الليبراليين على أروقة البيت الأبيض، إلى أن بدأت تنتشر فكرة عدمها أو غيابها في القضايا الإقليمية كسوريا واليمن وليبيا وغيرها، علماً أن البنتاغون والبيت الأبيض، بل وفي الواقع، تلك القوى الاقتصادية والسياسية المخفية خلفهما، والتي لا يمكن أن يتركوا منطقة مثل الشرق الأوسط بدون استراتيجية تخطط لمستقبلها وعلى مدى نصف قرن قادم وأكثر.
فعلى الأغلب، أمريكا ومنذ نحو عقد من الزمن تستخدم استراتيجيتين في تسيير القضايا العالمية، الكلاسيكية، والعصرية، وتغطي بهما الشرق الأوسط الأن، لكنها تدرج العصرية وتوسع من استخداماتها في علاقاتها مع العالم، وتدفع بالبشرية نحو عصر السايبر سبيس، أو عصر تعامل الأنترنيت، لذلك حيرت الكثيرين، وغيبت الواقع عن البعض، وبدأت وكأن أمريكا تتلكأ بين التردد والحزم الماضي، وهي في الحقيقة عملية انتقال من استراتيجية إلى أخرى، وصراع داخل الأروقة السياسية الأمريكية واستراتيجييهم، المؤيدين والمعارضين، بين الجيل الكلاسيكي وجيل يتلقف ثورة الإنترنيت ويريد استخدامها في كل الأبعاد، ومن ضمنها مواجهة الإرهاب وعبثية الإسلام السياسي الراديكالي، وهو ما أدت إلى خلق طرق عصرية بالتعامل مع الأحداث، مختلفة عن الكلاسيكي، ومثلها مع العالم المنتقل إلى علاقات اقتصادية وسياسية واجتماعية جديدة تلعب فيها الأنترنيت الدور الرئيس، وحيث ظهور ثقافة ومفاهيم مغايرة عن الماضي.
قلائل هم الذين يتحدثون عنها، ونادراً ما يركز عليها الإعلاميون أو الكتاب، باستثناء بعض الأبحاث التي تناولت أطراف من هذا الانتقال البشري، ومعظمها تبحث في قضايا سرقة المعلومات، والاستخبارات الدولية، وتهديم نوع من الاقتصاد كالعبث بمراكز المال العالمية، لكن لم يعرضها أحد بعد كتهديدات دولية تشبه بدايات الحرب الباردة، والتي يمكن تسميتها حروب الإنترنيت أو حروب السايبر سبيس، والتي ستبنى عليها العلاقات الاقتصادية القادمة وتوزيع المصالح، والسياسات الدولية، وحتى نوعية الأسلحة ستتطور على بنيتها.
وقد اتهم الرئيس الأمريكي السابق أوباما بالضعف، في السياسة الخارجية، وهزال استراتيجيته في القضايا العالمية الرئيسة، والتي تتطلب الحزم، بالطريقة الكلاسيكية، مثلما كان يتكلم بها الرئيس ريغن في نهايات الحرب الباردة. تصاعد هذا التقييم في قضايا الشرق الأوسط، كقضية الصراع الدولي في سوريا، وعدم مواجهة التدخلات الروسية والإيرانية، وخاصة في قضية الأسلحة الكيميائية وتخاذله بعد تحذيره والخط الأحمر، فبدأ العالم، وخاصة المعارضة السورية والدول المؤيدة لها، يقارنونه بأساليب أمريكا السابقة في حل القضايا الساخنة، مثلما فعلها كل من جورج بوش الأب والابن، كشرطيين صارمين لمراقبة العالم، وهنا لا ينتبه هؤلاء المعنيون بالقضية، أن تقييماتهم هذه نابعة من المصالح الذاتية، متناسين أو لا يدركون أن أمريكا بدأت تسود وتحقق نفس مصالحها وأكثر دون أن تستخدم جنديا، وتريد سحب ما تبقى منهم من العالم، والتعويض عنهم بميلشيات من نفس الدول إذا دعت الضرورة، مثلما تعمل الأن في جغرافية الشرق الأوسط، وسيطرة بالسوبر نيت، وبأسلحة تكنلوجية معلوماتية، تتحكم بكل الأبعاد الاقتصادية والعسكرية.
لا تزال غائبة عن أغلبية العالم السياسي والإعلامي، عملية انتقال الحضارة البشرية إلى مرحلة متطورة، تتجاوز الأبعاد الكلاسيكية في كل المجالات الاقتصادية والرأسمالية، وانتقال الشركات، والخدمات ومنها القوة العسكرية، والاستراتيجيات، والتي بدأت تستخدم تكنلوجيا تتجاوز الأسلحة الكلاسيكية وذات الدمار الشامل، فالدول المتطورة بدأت تتصارع بأبعاد مغايرة، دخلت مجالات التكنلوجيا العليا والإنترنيت، فلم يعد يحتاجون إلى ترهيب البعض بالأسلحة الكلاسيكية للهيمنة الاقتصادية، أو احتكار مناطق النفوذ، وأمريكا هي الدولة الأسبق في هذا المجال، وأوباما مع خبراءه الاستراتيجيون يستخدمونها بشكل واسع، وبدأت تهيمن بهذه الطريقة، وشركاتها تسود، وهي تعمل في الدول الأخرى، ونعلم أنه هناك المئات من الشركات الأمريكية الموجودة خارج أراضي أمريكا، ومنها العديد على أراضي الصين، وكثيرا ما يتلقى المواطن الأمريكي خدماته التكنلوجية اليومية بمكالمات من خارج أمريكا.
علماً أن الصين هي الدولة الأكثر مناسفة لها ومدركة للأبعاد التي يستخدمها البيت الأبيض، لكنها لا تزال في طور التهديد، وذلك بتخريب مراكز الأسواق المالية الأمريكية، والشركات العالمية الكبرى، وضرب شبكات نقل المعلومات والأنترنيت، للحصول على أرباح وهمية للتغطية على بدايات مواجهتها للهيمنة الأمريكية، أو بالأحرى هيمنة الشركات العالمية والتي في بعدها النهائي شركات تنتسب إلى أمريكا لكنها عالمية تتجاوز الجغرافيات الكلاسيكية، مرتبطة بالتكنلوجيا الأمريكية وقوتها الاقتصادية، والتي توضحت عند حدوث الانهيارات الضخمة للعديد من الشركات المالية العالمية، وشركات صناعة السيارات، ودور الحكومة الأمريكية في إسنادهم.
ظهرت صراعات على مستويات بلغت تأثيراتها ضياع مليارات الدولارات بين الصين وأمريكا، وعليه ركزت الصين على تكرار زيارات زعيمها لواشطن مركزاً في بعض اللقاءات مع مراكز الأنترنيت في أمريكا كسياتل وليست واشنطن، حيث العاصمة، وكان الإعلام الأمريكي يركز بدوره على حروب الصين الأنترنيتية وتخريبهم لمراكز المعلومات ضمن الشركات العالمية، وأثيرت وبشكل واسع قضية الفرقة الصينية المعلوماتية والتي تعد بأكثر من 8 ألاف خبير مختص في الإنترنيت، يعملون بشكل منظم في هذا المجال. في الوقت الذي لا يزال بوتين يستند إلى الطريقة الكلاسيكية والمستسقاة من الحرب الباردة والمعتمدة على تطوير الأسلحة ذاتها، ويعتم على شعبه الحصار الاقتصادي الأمريكي والأوروبي عليهم، متباهيا بين فترة وأخرى بالاحتياطي المالي وكمية الذهب المتراكم، علماً أن اقتصاد روسيا لا يتجاوز في قدراته دولة مثل إيطاليا والتي تتجاوز دخلها القومي 2,2 تريليون دولار، في الوقت الذي لا يصل دخل روسيا القومي 2 تريليون دولار، علماً أن ميزانية وزارة الدفاع الأمريكية وحدها تعادل تقريبا نصف الدخل القومي الروسي بكليته، والبالغة قرابة 800 مليار دولار في زمن الديمقراطيين الذين يقطعون من ميزانية الوزارة عادة بعكس الجمهوريين، مع ذلك وفي العقد الأخير نادراً ما تتحدث إدارة البيت الأبيض ولا البنتاغون عن عمليات تطوير الأسلحة الكلاسيكية بقدر ما تتحدث عن تطورها في مجالات الفضاء، والتكنلوجيا العصرية، والتي خصصت لها شبكة ضخمة لنشر معلومات التطور اليومي والتي من الصعب جدا لأكبر الشركات تتبعها. وبالمقابل تصرف روسيا الكثير من دخلها القومي على تطوير الأسلحة الكلاسيكية، وتستغني عن تطوير البنية التحتية وتطوير المصانع، ومنها التكنلوجيا العصرية، وتعتمد على استيراد الأجهزة أو اكتشافات قديمة من الخارج. وهي بهذا تعيد سوية التمييز الذي كانت بين روسيا والعالم، الأوروبي في بداية الحرب العالمية الأولى، وما قبل القيصر بطرس الكبير، رغم هذا التخبط، برز أسم بوتين رئيس روسيا الدائم! كرجل دولة صارم، وقوي، ومطورها، وبتغطية إعلامية منافقة كلاسيكية، كطريقة كل الطغاة، كرجل لا بديل له، يعيد مجد الدولة ويرفع من مكانتها في كل المجالات، ويطور اقتصادها، وهو في الواقع يعيد روسيا إلى حكم القياصرة ورؤساء السوفييت الأبديين، بهيئة مختلفة، ويجر روسيا إلى تخلف ثقافي واقتصادي ستظهر نتائجها بعد عقدين أو أقل، رغم ما يبدو الأن وكأنه يعيد الهيمنة السوفيتية القديمة، لكنها على حساب شعب يعاني وسيعاني مستقبلاً، وللأسف الشعب الروسي كشعوب الشرق المبتلين بالسلطات الشمولية، ينخدعون بسهولة، غرزت فيهم ثقافة خاطئة وموبوءة لا يفرقون بين نعمة العيش الحر وسيادة كارثية لسلطات وطغاة مرضى فكرياً.

د. محمود عباس

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق