ثقافة

أسماء خالدة بقصائد شاهدة للشاعر الحاج محمد زيطة من الذاكرة قصيدة قصة متورخة لحصار متليلي الشعانبة نوفمبر 1960

تملك الجزائر عامة كنوز دفينة من التراث الجد غني. تراث ثمين ونفيس متنوع من الفنون ومن بينها الشعر الشعبي عامة والملحون خاصة، سواء بالعربية أو باللهجة المحلية لكل جهة من ربوع الوطن حسب القوافي ونطقها.

إلا أن أغلبه وكثيره تعرض للتهميش والنسيان وللتقزيم تارة بسبب عدم تسجيله لإنعدام وسائل التسجيل وعدم توثيقه وتدوينه في وقته وممن سمحت لهم لفرصة وذلك نتيجة إنتقاله سمعيا يومها زمان عصرهم. ولقد عرف هذا نوع الملحون إنتشارا واسعا للشعر الشعبي وبروز عديد الشعراء لامعوا بالساحة الفنية الشعبية, لاسيما في النصف الثاني من القرن التاسع عشر عصر إزدهار الفن بطبوعه و الشعر بأنواعه, منه القول و الزجل و الملحون, تاركين بذلك بصماتهم الراسخة في الذاكرة الإجتماعية، التي إستقطبت قصائدهم إهتمام وإعجاب كل من سمعها و حضرها.

وتناول الشعر الملحون بخصوصياته عديد الأنواع منها الإجتماعية و غيرها و أهمها شعر المقاومة و الشعر الثوري من توعية و تحسيس و تأريخ لماضي و حديث الأحداث. إذ نقلت مئات القصائد بطولات المقاومة الشعبية ضد المستعمر الغاشم عبر مراحل الإحتلال لعشرات القرون. وهو ما جعله يساهم في تعريف المنطقة ونشاطها الأدبي الفني في فترات محددة ومعينة جد مهمة من تاريخ المنطقة بالجزائر عامة و بالصحراء بالجنوب خصوصا منطقة الشبكة بقلعة أرض البطولات و الثورات الشعبية متليلي الشعانبة.

وأمام ضياع العديد من القصائد وعدم تدوينها في حينها و نقص أغلبها كون ملقيها يكتفون في غالب الأحيان يإلقاء جزء منها, منها نظرا لتطور الفنون و إتباع المستمعين للطبوع الجديدة التي لقيت رواجا من خلال الحفلات و المناسبات التي تقام.

ومخالطتنا لبعض الشعراء وتسجيل سيرهم ومجالستهم والحديث إليهم تخمرت فكرة التدوين والتوثيق لبعض أعمالهم ونقل المتوارث لمن ماتوا ولم نعاصرهم. وذلك لإنقاذ بعض فصوله من ظلمة النسيان

إذ تناقلت الأحداث الشفويةُ لبعض أسماء شعراء الملحون بالمنطقة بمتليلي الشعانبة بالقرن التاسع عشر و العشرين، ومن هؤلاء الشعراء بافو بن سليمان -عبد القار بن الشرع، إبن حمادي، قدور بلخضر بيتور، نواصر الحاج إبراهيم باهرة ,الحاج أحمد المصطفى، الحاج الصافي، جديد الساسي ومن عاصرناهم الحاج أحمد هيبة بهينيسة – مصطفى سي عبد المالك- العربي زاقي- الشرع المحصر إلخ….، فيما بقيت نسبة كبيرة منهم غير معروفة إلى يومنا هذا, إذا ما دونته القصائد و ذكر من طرف الباحثين الغربيين خاصة الفرنسين منها المجلة الإفريقية الفرنسية على سبيل المثال الشاعر بافو بن سليمان من شعانبة أولاد إسماعيل (الشعانبة لقبالة ).( جمع الإسكندر جولي أيضا قصائد من نفس المنطقة لشعراء آخرين. ففي حوالي 1900 جمع من فم (Baffou) باعفو بن سليمان شعرا من 14 بيتا لشاعر مجهول) وغيرهم من بين الأسماء المتداولة في متليلي الشعانبة ولاية غرداية فحل الشعراء، الشاعر الشعبي قدور بلخضر بن يعيش بيتور (1960-1921–), الذي نقل حيثيات ثورات الشعانبة في التحرير و باقي الثورات منها فتح فاس بالمغرب وغيرها من الأحداث و الثورات، ونختار في مقالنا هذا اليوم عميد الشعراء , الشاعر الحاج محمد بن عيسى زيطة الشعنبي, نسبة للقبيلة الشعانبة شعانبة اليرزاقة التي ينتمي إليها و عاش فيها ولها و نقل بعض تفاصيل مقاومتها الشعبية الثورية للمستعمر الفرنسي. والتي نختار منها قصيدة حصار متليلي المعروفة بقصيدة هذي قصة متورخة (قصة مؤرخة) في ذكراها التاسعة والخمسين 59 (حصار 05 الخمسة أيام بأيامها وليالها، المعروف بأيام السلك من 20 إلى 24 نوفمبر 1960).

الحاج محمد زيطة من رواد الشعر الشعبي الشفهي، وقد عرف بتجواله المتواصل ألقى أشعاره في عديد المناسبات. إذ يتميز بإنتمائه إلى الثقافة العربية الإسلامية، لذلك لا تكاد تخلو قصائده من ذكر الرسول الكريم والصلاة و للسلام عليه والختام بها.

قصيدة حصار متليلي 20/24 نوفمبر 1960 حصار أيام السلك بعنوان هذي قصة متورخة .

باقـي نعيد عليكم قصة يا سامعـين

وأتصنتو نشدتهـا يـا لخوان

قـصـة متورخـة في هـذا الوطـن

قصـة متورخـة في عـام الستيــن

صـارت بشعب متليلي شاف أمحـان

حشـدت فرنسـا قوّتهـا متحربـين

بـالسـلاح وعساكر نعـت الجـردان

حلفت إيمينهـا تحرق متلـيلي أدخيـن

كي جات للحـدادة بـان البرهـان

حاكم يقـود فيهم لخبـارو طايعيـن

وأركب طبارة فرت بالجنحان

كي جات واعدة متليلي طاحـت بحين

حرقت الطّيارة شعلت بـالنّيران

جملو الشّعب في البطحاء كل مخلطين

ريجال ونسا وشيـوخ وصـبيان

ربـع ايـام عـادوا في غبنة داهشين

بـالجوع والعطش صوم بلا رمضان

نبذة عن الشاعر الحاج محمد بن عيسى بن أمحمد زيطة:

الحاج محمد بن عيسى بن أمحمد زيطة، من مواليد متليلي الشعانبة سنة 1929، نشا و ترعرع فيها بين أحضان أسرة بسيط متواضعة معروفة من أهل البادية الناشطة بصحراء متليلي و فيافيها تعتمد في حياتها اليومية على الحل والترحال، ألتحق بالمحضرة الكتاتيب المدرسة القرآنية كغيره من باقي أطفال المدينة, حيث تعلم بها و حفظ ما تسير الربع من القرآن الكريم , في ظروف جد صعبة خاصة فترة الحروب عامة وما كانت تعانيه متليلي الشعانبة خصوصا إبان الحقبة الإستعمارية. تلقى تعليمه على يد مشايخها منهم الفقيد الشيخ الطالب معطالله عبد القادررحمه الله، أثناء الحل تواجده بالمدينة وينقطع عنه أثناء الترحال للبادية. واصل تعليمه لحين تحصيله ما مكنه من المعرفة قرأءة وكتابة حسب ظروفه وحالته والإجتماعية.

حياته العملية و المهنية:

كباقي الشباب لما أشتد عوده وبلغ السن المؤهلة خرج للعمل بحثا على طلب الرزق إعالة نفسه و الإنفاق على عائلته , متنقلا من مكان إلى أخرى بمضارب البلاد شرقا وغربا إلى غاية سنة 1950 أين إستقرت أسرته بمتليلي بدأ العمل بمدينة غرداية؛ وبإستقراره دخل عالم الفن الذي ولع به منذ صغره أحتك بمشايخ إتصل بكل من : بيتور محمد بن الشيخ، وبن ناجم جلول و بن نعيوة وغيرهم ، اللذان كانا يحفظان شعر فحل الشعراء عصر زمانه الشاعر قدور بلخضر بيتور, مثأثرين إلقاءا وحفظا والتغني بها إنظم إلى فرقهم وأصبح عضوا .بارزا تعلم منهم وشيئا فصار محترفا ومحيي الحفلات و الأعراس قبل و بعد إستقلال الجزائر.

الحقل الفني الأدبي:

بإكتشاف موهبة ميوله و تعلقه بالشعر الشعبي و الملحون وفنه الأصيل , دخل عالمه سنة 1955 بتنظيم بعض الأبيات وبنجاحه والإعجاب به أنطلق كالسهم مدويا مخترقا صمت صحرائنا الشاسعة و جبالها وفيافيها, مما دخل عالم الشهرة من خلال قصيدة الحصار بعنوان هذي قصة متورخة , ومنها تفجرت مواهبه وتوسعت دائرة ينابعها وتألق وزاد عطاؤه وفاقت شهرته محيط مدينته و خارجت أسواره فأصبح شاعرا في صنف الملحون ضليع به وتعددت فصائده وتنوعت في مواضيع مختلفة

وبلغت شهرته الجهات المجاورة، كغرداية، زلفانة، سبسب، المنصورة، حاسي الفحل، وحتى ورقلة.

شارك في مهرجانات كثيرة، بمتليلي، غرداية –زلفانة- الأغواط – عين تالس مستغانم وعنابة وغيرهم. أخرها مهرجان عكاظية الشعر الشعبي بمتليلي مارس 2011 الذي نشطته بساحة متحف المجاهد وأحي سعرته رفقة كوكبة من شعراء الجزائر رجال ونساء.

للحاج محمد زيطة عديد الشهادات والمدليات والتكريمات أخرها الذي حضرته تكريم بالمهرجان الثقافي المحلي للموسيقى وأغنية ميزاب بغرداية في طبعته الرابعة سنة 2012 بقاعة سينما ميزاب. وتكريم بلدية متليلي في بيته أيام مرضه سنة 2016.

كتبت عنه بعض الجرائد و المجلات منها مجلة الوحدة للكاتب الأستاذ حمزة الفالح و له تسجيلات و مداخلات بمحطات الإذاعات الجهوية – مستغانم – ورقلة و غرداية .

للشاعر الحاج محمد عشرات القصائد المتنوعة و المختلفة في شتى المجالات إجتماعية إنسانية ثورية , قصائد رثاء و مدح منها على سبيل المثال قصيدة إحتلال الكويت و قصيدة إعدام الرئيس صدام حسين رحمه وقصيدة الحج و لقد قمت بتحريرهم له وقنهم بالآلة الراقنة يومها بالثمانيات و التسعينات القرن الماضي ببيتي ومكتبي .

بقلم الأستاذ الحاج نورالدين بامون ستراسبورغ فرنسا 2019

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق