ثقافة

أثرُ التفكير الفارسيّ في الثقافة الإسلامية

 

 د. محمد عادل شوك 

 

في اليوم الذي خطّط فيه الإمام محمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس، من الحميمة/ في منطقة القويرة – جنوب معان الأردنية، لقيام الدولة العباسية، مستعينًا بالفرس، ومفضلين على العرب، وجاعلًا من بهزوان الفارسيّ ( أبو مسلم الخُراسانيّ )، أحد أحفاد آخر الأكاسرة الفرس ( يزدجرد الثالث ) الذي تنبَّأ قبل هلاكه بعودة الحكم إلى أحفاده، الرافعةَ السياسية والعسكرية والإدارية لمشروعه، وفي أقصى الشرق، حيث الديانة البرهمية ما تزال تعيش في النفوس، إلى جانب بؤر الخوارج من الحروريّة، والتشيّع الاثني عشري.   

لقد شكّل انتقال الخلافة الإسلامية من الأمويين إلى العباسيين، انعطافةً في حياة العرب ونمط تفكيرهم، صحبها تغيير جذريّ وشامل في نمط الثقافة الإسلامية، وقد تجلّى ذلك في الاتجاه العام للخلافة العباسية.

تمثَّل في بادئ الأمر في نقل العاصمة من دمشق إلى بغداد، ومشكلًا في ذلك خطوة نوعية، في الانتقال من العالم البيزنطي إلى العالم الفارسيّ، أي من نمط حياة العالم الغربي الكتابي، إلى نمط العالم المشرقيّ الوثني، بكلّ ما تحمله هذه الكلمة من معنى.

وهو الأمر الذي كان له بالغ الأثر، على نمط التفكير لدى العرب، في النواحي جميعها: السياسية والفكرية والقيمية والدينية، ما تزال تداعياته واضحة في العقلية الإسلامية، ولاسيّما المشرقية منها، التي ما زلنا نعاني منها، ونعيش آثارها السلبية؛ فشتان بين نمط تفكير الشعوب المغاربية، وبين نمط تفكير تلك التي ما تزال حبيسة التفكير المشرقيّ الفارسيّ.

لولا انعتاق الدول الخليجية من هالة النمط الفارسيّ، ما شهدت نهضة مادية ألقت بظلالها على كثير من الشرائح المجتمعية في عموم المنطقة، وحتى تركيا التي كان نمط التفكير الغربيّ باديًا عليها، فلولا التصاقها به لظلّت قرونًا مديدة تعاني من الانقلابات العسكرية، ولبقيت حبيسة نظرية التغلّب التي تشبّع بها الفكر السياسيّ الإسلامي، نتيجة وقوعه في أسر النمط السياسيّ الفارسيّ.

لقد عانت الأمة كثيرًا من قربها من النمط الفارسيّ في الحياة، وكان من أخطرها انقسام الأمة بين ثنائية: الشيعة والسُّنة، والسير في فلك تقديس الحكَّام والتشبث بهم مدى الحياة، ومن ثمّ توريث ذريتهم من بعهدهم.

لقد امتطى الفُرس ظهرَ التشيّع نتيجة شعورهم بالحاجة إلى حاكم مطلق، يمتلك من الصفات ما هو فوق البشر، وذلك وفقًا لما اعتادوا عليه في زمن الأكاسرة، وبسبب ما كان سائدًا في المجتمع الساساني من نظرية الحق الإلهي للملوك، حيث يتوارث المُلكَ أهلُ بيته، ولا يجوز نقلُه إلى غير بيت المُلك.

وقد وجدوا ضالتَهم المنشودة وبغيتَهم في ادّعاء محبة آل البيت، والبكاء على مظلوميتَهم، والدعوة إلى تمكينهم من سلطان المسلمين؛ فهم آل بيت النبوة، وورثة هذا الدين، وولاة أمره.

وقد سعوا من أجل ذلك في البحث عن النصوص التي تشرعن لهم هذا المسعى، وفي حال لم يتيسر لهم ذلك لجؤوا إلى تأويلها.

ووفقًا لهذا نجد المجتمعات التي تسير في فلك المشروع الإيراني، تركن إلى أمرين:

– ادّعاء محبة آل البيت، ومشايعتهم.

– معاداة المخالفين لهم، ومناصبتهم العداء.

و ذلك في مسعىً منهم لإعادة مجد فارس الغابر، الذي قوَّضته الحضارة الإسلامية، وهم سيبقون على تصوراتهم ما دامت بعض العقليات العربية السنية تنبهر بالثقافة الفارسية، وتنطق بمفرداتها وتتمثل الهوية الفارسية، ومادام أهل السنة على ثقة عند البعض تدعو للتحالف ونسيان الماضي، ويتغافلون عن فكرة التقية كأحد أهم مبادئ بني عليها الموروث الفارسي الصفوي، وهو ما لا تستقيم معه أية فكرة عن التقارب أو الشعور بالثقة وهو ما يبدو واضحا في ميليشيات فارسية في بلادنا العربية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق